المقاطعة..المقاطعة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 12:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

المقاطعة..المقاطعة

نشر فى : الثلاثاء 9 يونيو 2009 - 8:09 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2009 - 8:09 م

فكرة مقاطعة العدو التى يستغربها بعض مثقفينا لها مكانها المتميز فى سجل الوطنية المصرية، فى أزمة بدا فيها الوعى أكثر نضجا والعدو أكثر وضوحا، والمناخ العام أقل تلوثا وضبابية. ذلك أنه فى أعقاب الحرب العالمية الأولى تبنت الحركة الوطنية المصرية مطلبين هما: إنهاء الاحتلال وإعلان استقلال البلاد بصورة نهائية. وقتذاك تابع رموز الحركة الوطنية ترتيبات الإعداد لمؤتمر الصلح فى باريس، الذى تقرر عقده عام ١٩١٩ لتسوية نتائج الحرب، وقرر هؤلاء أن يوفدوا إلى باريس ثلاثة من قادة الحركة (سعد زغلول ـ شعراوى ـ فهمى) لعرض المطالب المصرية. وحين ذهبوا إلى المندوب السامى البريطانى فى القاهرة لإتمام الإجراءات، فإنه رفض أن يسمح لهم بالسفر، الأمر الذى أحدث صدمة أثارت غضب القوى الوطنية والجماهير المحتشدة وراءها. وحينذاك ظهرت فكرة جمع التوكيلات من الأمة لسفر الوفد.

ورغم ارتفاع نسبة الأمية فى مصر، فإن حملة التوكيلات لسعد ورفاقه حققت نجاحا واسع النطاق فى مختلف أنحاء مصر، حتى تحولت إلى ثورة حقيقية تأججت بإلقاء القبض على سعد زغلول ورفاقه، الأمر الذى ووجه وقتذاك (١٩١٩) بمقاومة من جانب المجتمع شملت الدعوة إلى المقاطعة وإعلان الإضراب العام. وهيأت المناخ لظهور منظمات المقاومة السرية، إذ عمت الإضرابات أنحاء مصر وقطع الوطنيون خطوط السكك الحديدية والهاتف، حتى وصل الأمر إلى حد استيلاء بعضهم على السلطة ومحاولة إعلان استقلالها (كما حدث فى مدينة زفتى بصعيد مصر). فى الوقت ذاته شكل الوطنيون عدة جميعات لمقاومة المحتل، من بينها «اليد السوداء» و«المصرى الحر» و«الانتقام».

فى هذه الأجواء كانت فكرة المقاطعة أحد أسلحة المقاومة البارزة، التى شملت كل ما له علاقة بالمستعمر. ونشرت صحيفة «الأمة» المعبرة بشكل غير رسمى عن الحزب الوطنى (فى ٢٤/١١/١٩٢١) مقالا دعا إلى تلك المقاطعة، كتبه عامل بسيط فى منيا البصل بالإسكندرية اسمه عبدالمتعال حلمى السيد، كان عنوانه «المقاطعة.. المقاطعة»، طالب فيه بمقاطعة كل البضائع القادمة من بريطانيا (المنسوجات والفحم والحديد والمأكولات «لأن الاستعمار يغتصب بلادنا ويقتل حريتنا، ليبقى وطننا سوقا لتجارته وصناعته. فإذا علّمناه أننا نستطيع أن نصيبه بالبوار والخسران فى سوقنا، تحقق من خيبة أمله وضلال سياسته، وأخلى لنا سبيل الحرية وطريق الاستقلال»).

أحدثت الدعوة صداها بسرعة. ونشرت الصحيفة عددا من الرسائل التى بعث بها طلاب معهد طنطا الدينى وتلاميذ المدارس الصناعية والثانوية، أعلنوا فيها تضامنهم مع مقاطعة البضائع البريطانية، قائلين فى ذلك «لكى يتدبر أصحاب رءوس الأموال الانكليزية عاقبة ما قدمت أيديهم وسوء ما فعل قرارهم». واعتبارا من ٢٨/١٢/١٩٢١ نشرت صحيفة «الأمة» على صدر صفحتها الأولى ولعدة أيام تالية إعلانا يقول: «لا ننشر ولا نعلن: الأمة لا تنشر من الآن إعلانات مطلقا عن المتاجر الانكليزية». وفى يوم ٢٨ ديسمبر من العام ذاته نشرت مقالا تحت عنوان «نفسية الشعب» قالت فيه:

«إن المصالح الحقيقية للأجانب مصونة... وإذا جاز أن يقع شىء من الضرر بطريق الاستتباع على بعض تلك المصالح من جراء مقاطعة البضاعة الانكليزية، فلا يغيب عن الأجانب أن الانكليز هم سبب ذلك، وأن من الإنصاف ألا يلام المصريون على ذلك». ووجهت «الأمة» حديثها إلى الجاليات الأجنبية (غير البريطانية) قائلة «إننا وأنتم فريسة غول واحد فقفوا إلى جانبنا ندرأ عادية هذا الغول». وفى نفس اليوم نشرت الصحيفة رسالة من أولياء أمور التلاميذ بالإسكندرية أعلنوا فيها أنهم قرروا أيضا مقاطعة اللغة الانكليزية.

أنا مدين بهذه المعلومات للزميل الصحفى شريف عادل، الذى أصدر كتابا ثريا حول الموضوع، اختار له عنوان «قطيعة ـ حملات المقاطعة فى مصر». ذكّرنا فيه بزمن البراءة الوطنية، الذى اختلفت فيه قيم كثيرة، عما نشهده اليوم فى زمن الوهن والوطنية المزيفة. إنهم كانوا يقاطعون بضائع العدو، ونحن نتحرج من مقاطعة رموز العدو.  

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.