«سمير جريس» عين عربية على الثقافة الألمانية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الإثنين 3 أكتوبر 2022 1:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مبادرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة؟

«سمير جريس» عين عربية على الثقافة الألمانية

نشر فى : السبت 9 يوليه 2022 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 9 يوليه 2022 - 7:20 م
ــ 1 ــ
أزعم أننى من قراء الترجمات النهمين من كل اللغات لتعويض قصورٍ مؤلم وبيِّن فى القراءة بلغةٍ أجنبية واحدة على الأقل! كنت مدركًا منذ بدايات الطلب والدرس ضرورة إتقان لغة أجنبية واحدة على الأقل، غير العربية، للتواصل المباشر دون وسيط مع ما يحدث فى العالم حولنا، لكن ولأسبابٍ كثيرة لم أتمكن من تحقيق هذا المطلب المهم والضرورى لكل ساعٍ للمعرفة وراغب فى الثقافة الرصينة.
لكن، واتباعًا للمقولة الشائعة بأن ما لا يدرك كله فلا يترك كله؛ فكان لزامًا على أن أعوض هذا النقص بنهم محموم لا يشبع لقراءة كل ما أتمكن من قراءته من ترجمات عن كل اللغات فى كل المجالات.. ومن بين أهم دوائر الترجمة عن اللغات الأخرى بالتأكيد اللغة الألمانية؛ إحدى أهم وأبرز اللغات على الساحة العالمية الآن، وذات الميراث العريق فى الفلسفة والنقد والأدب والعلوم الإنسانية عمومًا.
عبر ما يقرب من القرن أو يزيد سطعت نجوم لامعة فى سماء الترجمة عن الألمانية؛ وخاصة فى نقل النصوص الإبداعية (المسرحية والشعرية على وجه الخصوص، أولا، ثم النصوص الروائية والقصصية تاليًا) وفى ترجمة الكتب الفكرية والفلسفية والإنسانية عمومًا.. ومن منا ينسى ترجمات عبدالرحمن بدوى، وعبدالحليم النجار، ومصطفى ماهر، وعبدالغفار مكاوى، ثم لاحقًا محمود فهمى حجازى، ومحمود حمدى زقزوق، وصولًا إلى أجيالٍ من الشباب تخصصوا فى هذه الميادين المعرفية الصعبة والدقيقة.
أما فى ترجمة النصوص الأدبية بخاصة، فقد ظهرت أسماء هبة شريف، وسمير جريس، وعلا عادل، وهبة فتحى، بموازاة أصوات أخرى، شابة وواعدة فى مجال الترجمة عن الألمانية؛ أدبا وفكرا ونقدا ودراسات أدبية.
ــ 2 ــ
كانت هذه مقدمة أتمنى ألا تكون طالت للحديث عن تجربة ترجمة أصيلة ومتميزة لمترجمٍ أصيل ومتميز أنجز عبر مشواره مع هذه العملية المعرفية رفيعة المقام والشأن ما يقرب من الخمسين كتابًا عن الألمانية! وهو إنجاز كبير بكل المقاييس، لكن العبرة هنا ليست بالكم، بل بجودة الترجمة واكتسابها الاحترام اللائق بين المتعاطين مع هذه الترجمات سواء ممن يجيدون اللغتين الألمانية والعربية، أو يقرأون بالعربية فقط لكنهم يمتلكون الحس والذائقة والميزان الدقيق لإدراك جودة الترجمة والحكم عليها من عدمها!
فى محبة وتقدير واحد من هؤلاء النجوم الذين يعملون فى هدوء خالص، وبلا ضجيج ولا صخب ولا بروباجندا، واحد ممن تتحدث عنهم أعمالهم المهمة فقط، وأدوارهم الثقافية والحضارية الجليلة، عن المترجم الرائع والإنسان النبيل سمير جريس أتحدث بمناسبة حصوله على جائزة الملك عبدالله بن العزيز فى دورتها العاشرة للترجمة، وقد نال الجائزة بجدارة واستحقاق. ليست الجائزة الأولى لسمير جريس (ولن تكون الأخيرة)، فقد سبق أن فاز بجائزة معهد جوته لكبار المترجمين (فى العام 2015 إذا لم تخنى الذاكرة) وفى ظنى أنها لن تكون الأخيرة؛ فهو فى قمة عطائه وإنتاجه وننتظر منه الكثير والكثير...
تأتى هذه الجائزة تتويجًا لمسيرة مهنية طويلة، بدأت فى منتصف الثمانينيات، عندما نشر جريس أول قصة قصيرة ترجمها عن الألمانية فى مجلة «إبداع»، وخلال هذا المشوار الذى يمتد لما يقرب من ثلاثين عقدا كاملة، أنجز خلالها جريس قرابة أربعين كتابًا مترجمًا، كان آخر ما نُشر منها «فهرس بعض الخسارات» ليوديت شالانسكى. كما تنوعت ترجماته بين النصوص الشعرية والروائية والقصصية والمسرحية، والدراسات الأدبية.. إلخ.
أهدى سمير جريس هذه الجائزة إلى روح الفقيدة الدكتورة منار عمر، أستاذة اللغة الألمانية التى اغتالها فيروس كورونا الغادر فى موجته الأولى فى 2021 يقول جريس «هى التى ألحت على كى أتقدم للجائزة، ولم تتوان عن تقديم كل مساعدة ممكنة».
كما وجه الشكر إلى «كل من دعمنى للحصول على هذه الجائزة، كما أشكر كل أساتذتى فى القاهرة وجرمرسهايم الذين وضعونى على بداية الطريق، وأشكر كل الذين واكبوا مشوارى بملاحظاتهم النقدية المفيدة، وبمقالاتهم الصحفية المشجعة، وبالإقبال على اقتناء ترجماتى».

ــ 3 ــ
سمير جريس لمن لا يعرفه، ولا يعرف السيرة الذاتية المشرفة التى راكمها بالجهد والعرق والتركيز عبر السنين؛ مترجم مصرى يعيش فى برلين أنجز قرابة الأربعين عملًا عن الألمانية، حاز معظمها اعترافا واحتراما وتقديرا فى الأوساط المعنية بالتعاطى مع ترجمة الأدب الألمانى والثقافة الألمانية وقد ترجم نصوصا للألمانى جونتر جراس الحائز على نوبل، وللنمساوية ألفريدة إلينيك الحائزة على نوبل بدورها.
كما قدم مجموعة ترجمات رفيعة فى غاية التميز والجمال للسويسرى الأشهر فردريش دورنمات؛ «العطل»، و«السقوط» (وكلاهما قصص قصيرة)، ورواية «الوعد» (2018)، وقد حازت الأخيرة قبولا ورواجا كبيرا كما حظيت باهتمام نقدى لافت وقد كتبت عنها مقالا هنا فى الشروق قبل أربعة أعوام.. وترجم أيضًا «صداقة مع ابن شقيق فتغنشتاين» لتوماس برنهارد، ورواية «الطباخ» لمارتن زوتر، ورواية «حرفة القتل» للكاتب النمساوى نوربيرت جشتراين، و«العاصمة» للنمساوى روبرت ميناسه، و«شتيلر» لماكس فريش... وغيرها الكثير.

ــ 4 ــ
والنصوص التى يتصدى سمير جريس لترجمتها مختارة بعناية فائقة، وهى ليست سهلة أو ميسورة، وتتجلى فيها كلها وعيه الحاد بدقائق عملية الترجمة الأدبية، وضرورة بذل الجهد فى نقل النص بأمانة، ودون إخلال، مع مراعاة خصوصيته الأسلوبية والجمالية.
وأنا ممن يمايزون بين نوعين من الأعمال الأدبية المترجمة، أحدهما مخصص للتسلية فحسب، والآخر هو الأعمال الأدبية ذات الخصوصية المنتجة للمعرفة، حيث يصبح الأديب ــ ومترجمه معه ــ متأملا وفيلسوفا، متصلا بالعديد من الحقول المعرفية المتداخلة، وذلك حتى يتسنى له تقديم عمل أدبى يتسم بالرصانة، مع الحفاظ على القيم الجمالية للنص، وبذلك يجمع النص بين القيمتين المعرفية والجمالية.
تحية ومحبة وتقديرًا للمترجم المصرى الكبير سمير جريس؛ أحد معابر الثقافة الرفيعة والجسور المعرفية الأصيلة بين الثقافتين الألمانية والعربية.