(1)
سؤال الهوية من جديد! طرحه مجددًا والحديث حوله مرة أخرى، لكن طرحه هذه المرة مختلف قليلًا أو كثيرًا عما عداه وعما سبقه طوال القرن ونصف القرن الفائت!
هوية مصر والمصريين.. الهوية المصرية.. هويتنا، العروبة والإسلام، الإفريقية والآسيوية، الشرق أوسطية وحوض البحر المتوسط، اللغة.. الدين.. الثقافة.. الانتماء المكانى «الجغرافى»، التاريخ الطويل الممتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، «الموضع والموقع» كما صاغه الجغرافى العلامة جمال حمدان.. إلخ، ما يمكن أن يمثل علامات ومفاهيم وألفاظًا تشكل فى مجموعها موضوع «الهوية المصرية» أو «هوية مصر» أو ملامح ومحددات «الشخصية المصرية».. ويبدو أننا سنظل لوقتٍ غير قصير ننخرط فى دوامة الطرح والبحث والتباس الصراع، لحين أن نعى أن المسألة برمتها أبسط من ذلك بكثير! لماذا يتجدد الحديث ويثور السؤال أو يندلع النقاش حول هذه المسألة هذه الأيام؟ ولماذا يبدو أن هناك انفصالًا ما بين الطروحات الفكرية والثقافية والنظرية عمومًا وممارسات الناس على الأرض وردود أفعالهم العملية؟!
(2)
ربما كانت أصداء افتتاح المتحف المصرى الكبير (أول نوفمبر 2025) النواة الحافزة أو الباعثة على تحريك هذا المدار وتجديد الطرح، بعدما بدأت تتقافز الدعوات الغريبة والعجيبة لمصرية «عرقية» تعادى وتخاصم الغير وتستعلى عليهم (وما الفارق فى هذه الحالة بين هذه الأصولية العنصرية والأصولية الدينية - أيا ما كانت - فى استعلائها الواحدى على ما عداها!).
الأيام التى سبقت الافتتاح كانت أيامًا حاشدة بمشاعر جمعية وسلوك جماعى احتفالى خارج السيطرة والتوجيه الرسمى بشكل كبير. تفاجأ الجميع بالمظاهرات الاحتفالية السوشيالية، واصطناع الصور التى تبرز الوجوه والشخصيات بالأزياء المصرية القديمة وأهازيج تلقائية وعفوية، وترددت بكثرة أسماء الملوك المصريين القدماء من مينا موحد القطرين، مرورًا بخوفو وخفرع وسيتى الأول وتوت عنخ آمون وأخناتون وأحمس ورمسيس الثانى وصولًا إلى ملوك وملكات العصر البطلمى (ورثة الحكم اليونانى السكندرى) وقبل دخول المسيحية إلى مصر.
تفاجأ الجميع، واندهش الجميع، وعقدت هذه الدهشة الألسنة لأيام على غير العادة، خاصة من جانب التيارات الدينية المتطرفة وجماعات الإسلام السياسى، وحينما بادر بعض شيوخهم وممثليهم إلى التصدى لهذه المظاهر بالتحريم والتكفير والتفسيق والتأثيم، سخر المصريون منهم عمليًا ولفظيًا بصورة ربما لم يتعرضوا لها أبدًا من قبل!
كان الخروج الكبير فى أول يوم فتحت فيه أبواب المتحف للزيارة مذهلًا وباعثًا للتأمل والنظر؛ تدفق المصريون بآلاف الآلاف حتى اضطر المسئولون عن المتحف إلى إغلاق الأبواب، وإعلان أن المتحف تجاوز طاقته الاستيعابية لاستقبال الزوار! وحينما أُعلن ذلك، وكان عدد المصريين بالخارج وراء الأسوار أضعاف عدد الداخلين، توجهوا سيرًا على الأقدام إلى فضاء الأهرامات الثلاثة فى مشهد مذهل أيضًا، لم يتعرض له العلماء والباحثون والمتخصصون بالدرس والفحص والتأمل بعد!
(3)
هذا السياق أعاد إلى الواجهة مرة أخرى «سؤال الهوية» وإشكالاتها المعلقة والملتبسة والمرتبكة فى القرنين الأخيرين.. يطفو السؤال على السطح فى أوقات الاضطراب والارتباك والمواجهات الصراعية الأيديولوجية الحادة، ونحن فى أتونها المشتعل الذى لم يهدأ لحظة منذ خمس عشرة سنة تقريبًا أو أقل بعام أو عامين!
فى أوقات المواجهات والتحديات المتعاظمة يثور السؤال ويتجدد الحديث مع طوفان المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية، ويطرح للمرة الأولى على الشعب المصرى نوعًا من الأسئلة لم يسبق له أن طرحها على نفسه من قبل. فحين حكمه الإغريق والرومان كانت «المصرية» هويته الوطنية، ولم يزلزلها استخدامه للأحرف اليونانية فى كتابة لغته، ولا اعتناق روما للمسيحية فى العصر القبطى. ومنذ الفتح العربى الإسلامى، أضاف إلى اللغة العربية والتراث الإسلامى دون أن يعنى ذلك انتقاصًا من هويته الوطنية. وقد فهم «المصرى» الدعوة القومية العربية على أنها محيط ثقافى حضارى، ولم يفهمها مطلقًا على أنها دعوة عرقية أو دينية، فهو شعب لا يشعر بنقصٍ فى العروبة أو الإسلام. لم يحدث قط أن أحس المصرى بأزمة هوية، وإنما هو شعب أصيل بموقعه الجغرافى والتاريخى وحضارته الممتدة، منفتح بالتفاعل الحر الخلاق على العالم من حوله.
إن سلوك الناس وخياراتهم فى ممارسة حياتهم اليومية وفى مجمل تصرفاتهم وردود أفعالهم وتعليقاتهم ونكاتهم اللاذعة تحمل فى طياتها، بل تجسد، قناعاتهم دون تنظير أو تقعير أو تأطير!
هكذا هم المصريون الذين يعيشون على هذه الأرض، تظلهم هذه السماء، يشربون من ماء النيل، ولا يعنى بعد ذلك أى حديث عن عرق أو جنس أو دين أو مقيم أو وافد.. هذه نعوت وأوصاف لم تشغل المصريين أبدًا ولم يقفوا عندها قليلًا أو كثيرًا، فى كل حقب التاريخ وعبر العصور.
ذلك أنهم من الشعوب والأمم التى تمارس التفاعل الحضارى والانفتاح الثقافى «عمليًا» ودونما فذلكة أو تخوف أو تقوقع! يصلون بهذا التفاعل والانفتاح إلى أقصى مدى فى عصور الازدهار والتألق، وينكمش وينحسر فى عصور الانحطاط والانغلاق والجمود، دون أن يتلاشى أو يضمحل أو يختفى؛ لم يحدث هذا أبدًا فى تاريخ مصر وعبر عصورها التى تعاقبت منذ فجرها البعيد وحتى وقتنا هذا!
(وللحديث بقية)