«كلّ شىء يذكّرنا بأحبائنا: الكرسى الفارغ بجانب المائدة؛ طعام محبوب؛ أغنية مؤثرة. سنحفظ ذكرى كلّ واحد وواحدة من القتلى. باسمهم، ومن أجلهم، سنواصل ضرب أعدائنا، وسنعزّز دولتنا بلا توقّف، وسنبنى وطننا، جيلًا بعد جيل»، هذا ما قاله الزعيم الأعلى فى خطاب يوم ذكرى السابع من أكتوبر. هل سنتذكر؟ لا أحد يعتنى بمشروع النسيان والإنكار أكثر من بنيامين نتنياهو؛ الزعيم الأعمى لا يلاحظ أن الكرسى الفارغ بجانب المائدة يجلس عليه أولئك الذين تعرضوا للخيانة والتخلّى، والمحتجزون الذين قُتلوا وأولئك الذين عادوا مرعوبين، وهُم يحملون ندوبًا، والمعاقون والمصابون بالصدمة، وجمهور كبير مصاب بالبلاء يشعل فيه كذب «النهضة» غضبًا مرعبًا.
إن الذاكرة، وفقًا لنتنياهو، ترى أن السابع من أكتوبر نقطة الصفر فى تاريخ إسرائيل، كأن كلّ ما كان قبله غير موجود؛ وهكذا تصبح الذاكرة خطة عمل سياسية؛ وهكذا ترسم مسودة مستقبل كلّ مَن شعر بالسابع من أكتوبر على جسده، ومنها ستُستخلص هوية الدولة الجديدة. وفى مصنع هندسة الذاكرة لدى نتنياهو، هو يعجن الصدمة لكى تكيّف نفسها مع قالب الأمة الذى سيضمن بقاءه؛ هو يقرر ما هو المهم الذى يجب أن نتذكره، وما الذى سيُعتبر خطرًا وضعفًا، وأيّ قيَم جديرة بالحماية، وأيّ قيَم يمكن التضحية بها باسم «النهضة». كل ما يخرج عن الإملاء سيُعتبر خيانة للموتى الذين يدّعى أنه يتحدث باسمهم، بوقاحة لا تعرف الكلل.
هكذا يبنى نتنياهو جيل المحرقة الإسرائيلى، وباسم المحرقة، كلّ شىء مسموح؛ الانتقام، والتخريب، والسحق، والتسوية بالأرض، والقتل كيفما اتّفق. نتنياهو يسحق ويمحو الإرث الآخر للكارثة الرهيبة- الإرث الذى يدعونا أيضًا إلى أن ننسى: أن ننسى الكراهية التى تخلّفها الصدمة، وليس المقصود نسيان العدو، أو الجرائم الفظيعة، بل نسيان الحاجة إلى حمل الكراهية من جيل إلى جيل؛ نسيان أن الخوف سياسة؛ صحيح أن الخوف ردة فعل إنسانية تمامًا على الفظاعة، لكنه يصبح خطِرًا عندما يتحول إلى تصوُّر للعالم تُفحص فيه كلّ قرارات المستقبل، فقط وفق السؤال: «هل سيمنع ذلك السابع من أكتوبر المقبل؟» وقبل كل شىء، أن ننسى أننا لسنا ضحايا فقط.
الخطر الأكبر هو أن نتنياهو يسعى لإعادة كتابة قصة السابع من أكتوبر، لكى يحوّل كلّ ما كان قبله إلى غير ذى صلة، ويسلب الأجيال المقبلة الحق فى أن يكونوا إسرائيليين لم يولدوا وعاشوا فى ذلك اليوم. إن مسارًا كهذا يتطلب أن تكون الذاكرة موحدة، «وطنية»، وليس هذا فقط، بل إنها تصبح بديلًا من المحاسبة على النفس: يصبح الفقد مصدرًا للسلطة، ويحلّ الخوف محلّ السياسة، وتتحول الحرب إلى حالة وجودية دائمة. وهكذا سيضمن نتنياهو أن إسرائيل لن تتحرر من الصدمة، بل ستقدّسها؛ لذلك فإن السؤال السياسى الكبير ليس عمَّن فشل فى حماية الدولة فى السابع من أكتوبر، بل عمَّن يطلب أن يحدد أن تكون الكارثة هى هوية الدولة وشكلها من الآن فصاعدًا، وإلى الأبد.
لكن نتنياهو لا يستطيع تشكيل الذاكرة الوطنية وحده، فهو يحتاج إلى جمهور يوافق على تذكُّر السابع من أكتوبر ككارثة حلّت بإسرائيل من الخارج، لكنه ينسى إسرائيل التى كانت هنا قبله والأسئلة التى أثيرَت وطفَت إلى السطح فى أعقابه. لا يزال معسكر نتنياهو يحظى بدعم كبير جدًا من الجمهور، وهذه الحقيقة تدل على مدى إمكان استخدام الذاكرة كأداة نفعية للحفاظ على النظام. يمكن تذكُّر «المجزرة»، والقتلى والمحتجزين، لكن عندما تُمحى فى الوقت نفسه المسئولية والتحذيرات والإخفاقات والواقع السياسى الذى سبقها، فإن الذاكرة ليست ذاكرة فحسب، بل أيضًا آلية لبقاء النظام.
مَن يريد إعادة إسرائيل إلى الحياة الطبيعية مضطر إلى كسر الصلة بين الذاكرة والحكم، وبين الوفاء للموتى والوفاء لمن يدّعى التحدث باسمهم. عندها فقط، يمكن للسابع من أكتوبر أن يكون فصلًا جديدًا فى تاريخ إسرائيل، وليس نقطة الصفر التى يريد نتنياهو أن يبدأ منها تاريخها.
تسفى برئيل
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية