الخبرة السياسية الأوروبية.. هل تصلح قاعدة إرشادية للعمل التكاملى العربى؟.. وإلى أى مدى؟ - محمد عبدالشفيع عيسى - بوابة الشروق
الجمعة 25 سبتمبر 2020 2:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الخبرة السياسية الأوروبية.. هل تصلح قاعدة إرشادية للعمل التكاملى العربى؟.. وإلى أى مدى؟

نشر فى : الثلاثاء 11 أغسطس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 11 أغسطس 2020 - 8:20 م

كثيرا ما يلوذ البعض من الخبراء المبرزين والباحثين المحترفين والديبلوماسيين رفيعى المستوى والسياسيين فى الوطن العربى، بالخبرة السياسية الغربية عبر التاريخ الحديث والمعاصر، لمحاولة «استنساخ» ما يمكن اعتباره نموذجا للتطور الاقتصادى، وربما السياسى، على الصعيد الإقليمى. ويشيرون فى هذا الصدد إلى ما أبدعته أوروبا خلال العصر الحديث ابتداء من «وفاق أوروبا» فى القرن التاسع عشر، إلى «مجلس أوروبا» بُعَيْد الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى التجربة المتدرجة للوحدة الأوربية اعتبارا من «المجمع الأوروبى للفحم والصلب» عام 1951 إلى الشكل المتبلور للاتحاد الأوروبى كما نعرفه الآن، على مدى سبعين عاما.
نهدف من هذا المقال إلى طرح التساؤل عما إذا كانت الخبرة السياسية الأوروبية ــ خاصة فى «العصر الحديث المتأخر» ــ يمكن أن تصلح مرشدا لتطوير العمل العربى التكاملى المفترض، بل «الوحدوى» بمعنى معين؛ وذلك باتجاه بناء منظومة قادرة على الحياة والنماء، على عكس ما جرى حتى الآن.
وبالبحث فى موسوعة «ويكيبيديا» مثلا ــ رغم عيوبها ــ عن كل من «الوفاق الأوروبى» و«مجلس أوروبا»؛ نجد فيما يتعلق بالأول (مع إضافة وتعديل من عندنا) ما يأتى:
«الوفاق الأوروبى Concert of Europe» تم تطبيقه خلال مرحلتين: الأولى استمرت من 1815 تاريخ عقد «مؤتمر فيينا» حتى أوائل الستينيات من القرن التاسع عشر، إذ عرفت أوروبا ما يسمى «نظام المؤتمرات» والذى جمع الدول الأوروبية الرئيسية فى ذلك الوقت ــ بروسيا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا ــ فى «تحالف مقدس» ضد الحركات الثورية فى أوروبا وخاصة ثورات 1848، ومن أجل دعم الاستعمار الأوروبى الزاحف بمقتضى شعار «التكالب على إفريقيا» آنئذ؛ كما تبدى فى مؤتمر برلين عام 1884. وتدريجيا، من بعد إنجاز الوحدة الألمانية عام 1870 وظهور ألمانيا كقوة مهيمنة، انشق «الوفاق الأوروبى» إلى تكتلين: أحدهما بزعامة ألمانيا، والآخر تقوده بريطانيا وفرنسا، كتمهيد دموى للحرب العالمية الأولى التى اندلعت عام 1914 لتستمر حتى 1919، وانتهت بهزيمة ساحقة لألمانيا ومن معها (خاصة روسيا وتركيا) على نحو ما هو معروف.
ومن الواضح فى ضوء ذلك أن مسار «وفاق أوروبا» التاريخى لا ينسجم مع المسار العربى، لا بل إن التاريخ العربى، وكامل التاريخ الآسيوى ــ الإفريقى ــ اللاتينى، يمكن اعتباره بمثابة «معكوس التاريخ الأوروبى» بصورة عامة، حيث «التخلف» فى القارات الثلاث صنيعة الاستعمار الغربى إلى حد بعيد.
أما عن «مجلس أوروبا»، فتذكر «ويكيبيديا» ــ بعيوبها ــ ما يلى: «مجلس أوروبا هو منظمة دولية يتجسد هدفها المعلن فى دعم حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون فى أوروبا. تأسس المجلس فى عام 1949 ويضم 47 دولة مع تعداد سكانى يبلغ نحو 820 مليون نسمة ويعمل بميزانية سنوية تبلغ نحو 500 مليون يورو. يختلف المجلس عن الاتحاد الأوروبى المؤلف من 28 دولة... وتُعد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الهيئة الأكثر شهرة فى مجلس أوروبا، والتى تطبق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان... إلخ).
***
فإلى أى حد يمكن استيحاء الفكرة القائلة بمحاولة تفعيل العمل العربى التكاملى، انطلاقا من الخبرة الأوروبية؟ هنا تبرز عدة اعتراضات جوهرية على تلك الفكرة، يمكن أن نسوقها على النحو التالى:
أولا: إن مجلس أوروبا مثلا، ديْدَنُه ــ ولو من حيث المبدأ فقط ــ الذوْد عن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون. وما نحسب أن المشكلات الجوهرية للوطن العربى يمكن أن تُختَزل فى هذه القضايا الثلاث رغم أهميتها البالغة. وإنما التطور الاقتصادى ــ الاجتماعى ــ السياسى ــ الثقافى هو الهدف المنشود عربيا، وإن شئت فقلْ: التنمية الشاملة.
ثانيا: إنْ كان ينبغى البحث عن إطار أفضل وأكثر شمولا واشتمالا من استيحاء الخبرة الأوربية فليكن ذلك بالعمل الجاد من أجل إصلاح «منظومة العمل العربى المشترك»، المتمركز حول «جامعة الدول العربية» التى أنشئت فى توقيت مقارب لمجلس أوروبا (بروتوكول الإسكندرية عام 1944، وميثاق الجامعة فى عام 1945). ولكن ذلك «الإصلاح» ــ كما تُبين التجربة الممتدة ــ أصبح فيما يبدو «بضاعة كاسدة»، عبر الدورات المتلاحقة للمحاولات التى يمكن تتبعها بيسر شديد عبر مظان (الأرشيف).
ثالثا: إن القياس على «مجلس أوروبا»، ثم على ما هو أكثر شمولا وإحكاما، أى (الاتحاد الأوروبى) يبدو هو أيضا وكأنه غير ذى موضوع إلى حد بعيد. فلقد أثبتت الخبرة المعاصرة أن هذا الاتحاد يصارع قوة الاندثار فى مواجهة قوة الحياة، وأنه يعانى من مشكلات جوهرية لا سبيل إلى حلها فى ظل البنية الهيكلية التى تبناها الاتحاد وسار على نهجها حتى الآن. وعلى الرغم من أن «الاتحاد الأوروبى» قد اتخذه الباحثون و(السالِكون) نموذجا ينبغى أن يُحتذى لإقامة التكتلات الإقليمية، فإنه فى الواقع العملى بات يمثل نموذجا يحْسُن تفادى سلبياته العديدة، أكثر من كونه نموذجا إيجابيا يجمُل احتذاؤه على الإجمال.
رابعا: إن الاتحاد الأوروبى قد حاول أنصاره الالتفاف حول عثراته المتمثلة فى ضعف المشروع الاقتصادى، فتم التفكير بمقتضى «اتفاقية ماستريخت» عام 1992 فى إقامة الاتحاد النقدى وتبنى عملة موحدة، وهى التى تم تداولها اعتبارا من عام 2002. على أساس ذلك، قامت ما تسمى «منطقة اليورو» لتضم 19 دولة من بين أعضاء الاتحاد الأوروبى الثمانية والعشرين، ولتمثل إطارا تنظيميا للاتحاد النقدى ــ المالى، باعتبارها حلقة مفترضة أكثر تطورا على طريق المشروع الأوروبى العتيد.
ولكن ها هى منطقة اليورو (ومعها الاتحاد الأوروبى ككل) أخذت تعانى من أعراض المرض العضال، وخاصة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 /2009 على وقع تزايد فجوة الدخل والرفاهة وتعاظم «اللامساواة» بين الدول الأعضاء وفى داخل الدول أنفسها. وتدل المؤشرات المتاحة على تزايد معدلات البطالة، كما لم يرتفع متوسط نصيب الفرد، مثلا، فى منطقة اليورو عام 2015 عما كان عليه الحال عام 2007 (بالمعيار الحقيقى ــ أى مع احتساب معدل التضخم).
ذلك ما يُستدَل عليه، على الأقل، من كتاب «جوزيف ستيجلتز»، حائز جائزة نوبل فى علم الاقتصاد: (اليورو: كيف تهدد العملة الموحدة مستقبل أوروبا) الذى قام بترجمته على جزأين أ/ مجدى صبحى، وصدر فى سلسلة «عالم المعرفة» سبتمبر وأكتوبر 2019... وهكذا ربما يمكن القول إن تجربة «منطقة اليورو» أصبحت عنوانا للتعثر، وربما العجز، أكثر من أن تكون مثالا للنجاح المستقر.
إن ما جرى فى أوروبا والاتحاد الأوربى ومنطقة اليورو على وقع الجائحة الوبائية الراهنة (كوفيد 19) يشير إلى ذلك كله بوضوح شديد، مع التباطؤ عن القيام بهبة النجدة للبلاد المنكوبة. وقد تجلى التعثر وربما العجز، فى التباين الأخير حول مقترح «صندوق الإنعاش الأوروبى» لمواجهة (كورونا) من حيث موارده ونسب المساهمة فيها ومعايير المساعدة للدول الأكثر تضررا، فى جنوب أوروبا (إسبانيا وإيطاليا واليونان). وقد حدث ذلك على وقع الخلاف بين ألمانيا وفرنسا، برغم ترددهما الشديد، من جهة أولى، وبين دول الشمال الأوروبى (هولندا وإسكندنافيا)، من جهة أخرى. وتبدى ذلك فى مداولات القمة الأوربية المنعقدة فى بروكسل بين 18 و21 يوليو 2020. وقد انتهت هذه المداولات، على كل حال، بإنشاء الصندوق المقترح بموارد تأتى من اقتراض جماعى للمفوضية الأوربية بقيمة 750 مليار يورو تقدم للبلدان المعنية خلال خمس سنوات (2021 ــ 2026) مقسمة إلى مبلغ ممنوح لا يرد بقيمة 390 مليار يورو و260 مليار يورو كقروض ميسرة.
***
يبدو لى ــ فى ضوء ما سبق ــ أننا إن أردنا رسم معالم طريق للتكامل الاقتصادى العربى المنشود فى مقبل الأيام، فإنه يجمل بنا أن نبحث عن جوانب النقص فى تجربة منطقة «اليورو» و«الاتحاد الأوروبى» لنتفاداها من خلال نهج قويم، مع وعى اختلاف الظروف الجذرى بين العرب وأوروبا.
وفى نفس الوقت، تجب الاستفادة من الدروس المستفادة من التجربة الأوروبية، وخاصة من حيث تأسيس قاعدة صامدة نسبيا للمنافع التكاملية المشتركة، والنأى النسبى عن أعاصير السياسة الدولية والإقليمية. وهذا ما يمكن أن يضىء لنا السبيل للإجابة عن السؤال: إلى أى مدى تصح صلاحية الخبرة الأوربية لنا نحن العرب؟ مع وعينا بأن شق السبيل التنموى التكاملى العربى الحق، إنما يتطلب بناء جديدا للنخبة العربية، سياسيا وتنظيميا، ومن الجذور.
***
خامسا: ننتقل إلى بعض التفاصيل المستبطَنة فى الخيار المقترح باستيحاء الخبرة الأوربية لتطوير العمل التكاملى العربى، من خلال إنشاء نظير لمجلس أوروبا على سبيل المثال، وذلك من حيث التالى:
1ــ قد يتضمن الخيار المطروح إمكان الذهاب إلى منظمة «الأمم المتحدة» من أجل طرح وإقرار فكرة بناء منظومة إقليمية للسلام والتنمية فى المنطقة العربية والشرق أوسطية، بمهامها المعقدة. ولا نعلم إلى أى سند من «ميثاق الأمم المتحدة» وفى أية مادة من مواده يمكن أن نلجأ من أجل دعم الفكرة المذكورة، إلا إذا كان المقصود ما ورد فى «الفصل الثامن» من هذا الميثاق بشأن «المنظمات الإقليمية»، ولكنا لا نجد من النصوص ولا من السوابق الدولية ما يدعم الفكرة المذكورة.
2ــ إننا لا نجد فى الواقع الدولى الراهن ما يدعم إمكانية قيام مثل ذلك الشكل التنظيمى الذى يمكن له أن ينهض بهاتيك المهام الجسام عربيا وشرق أوسطيا، فى خضم المعترك الدولى الراهن، معترك (نظام اللانظام)، وخاصة فى ضوء الفترة الانتقالية الراهنة، مع تحديات الوباء الكونى القائم. إذْ يتجلى فى هذه الفترة بالذات، الضعف النسبى الذى يلف الجميع، من الدول الكبرى والكبيرة: الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا، بل واليابان، وكذا الدول متوسطة القوة الاقتصادية مثل كوريا الجنوبية والبرازيل، وأيضا التكتلات الدولية على المستوى الإقليمى أو متعدد الأقاليم وأهمها الاتحاد الأوروبى و(حلف الأطلنطى)، و«الآسيان» و«الجامعة العربية» و«ميركوزور» وغيرها... وحيث ينفذ البعض، كما يبدو من حالة «الشرق الأوسط» الراهنة، من ثغرات الضعف والفوضى، ليحاول التمدد على أكثر من جبهة (النموذج التركى الأخير)، أو ليحافظ على آخر مواقع لنفوذه فى مواجهة هجوم ساحق وخانق من الأطراف المعادية له (إيران).
3 ــ إنه لمن الصعوبة بمكان تحقيق توافق دولى بشأن إمكان تحويل المنطقة العربية أو الشرق أوسطية إلى منطقة محايدة سياسيا، ومحيدة عن النزاعات الدولية وخاصة فى جانبها العسكرى، مع تزويدها بالقدرات المالية والتكنولوجية الضرورية للانعتاق من ربقة الفقر والتبعية. وكأنه نوع من «الحياد القانونى» على الطريقة السويسرية، المؤطر دوليا بمقتضى اتفاقيتَىْ لاهاى لعام 1907.
هكذا إذن، وفى ضوء ما يبدو من عدم صلاحية الخبرة الأوربية الحديثة والمعاصرة لإمكان استنساخها «قاعدة إرشادية» للعمل العربى التكاملى، مع إمكان الاستفادة من الدروس المستفادة إيجابا؛ يحق طرح السؤال: ما هو معالم البديل القومى والإقليمى، الضرورى والممكن..؟ غير أن هذا حديث آخر..!

محمد عبدالشفيع عيسى  استاذ في معهد التخطيط القومي _القاهرة
التعليقات