«هذا المساء».. الإنسان كائن مرعب! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 6:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«هذا المساء».. الإنسان كائن مرعب!

نشر فى : الخميس 13 يوليه 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 13 يوليه 2017 - 9:35 م
ما يرعب حقًا فى مسلسل «هذا المساء»، قصة وإخراج تامر محسن، وهو أفضل مسلسل رمضانى شاهدته، ليس تلك الأجهزة المتلصصة التى تعيش معنا، ويمكن استخدامها كعيون فاضحة، ولكن البشر أنفسهم بتناقضاتهم وبتضاريس نفوسهم المعقدة.
يقول المسلسل: إن تعقيد البشر أكبر من تعقيد الأجهزة، فهى لا تفعل شيئًا سوى أن تكون مثل مرآة تعكس حقيقتنا وتشوهاتنا النفسية والاجتماعية والعاطفية، وفى الحلقة الأخيرة، لا يجد سونى (محمد فراج) مرآة، فيلجأ إلى كاميرا الموبايل لكى يشاهد وجهه المشوه والمحترق، سيلفى يسقط القناع، ويكشف الحقيقة.
المشكلة إذن ليست فى الكمبيوتر ولا فى الموبايل، المشكلة فى نقائصنا الأخلاقية، وفى أنانيتنا، وفى أقنعتنا المزيفة، والتى ظهرت بدون تجميل من خلال هذه الأجهزة، المشكلة ليست فى «ذكاء» الأجهزة التى تفضح أبطال المسلسل، ولكنها فى «غباء» هؤلاء الأبطال، فى سوء اختياراتهم، فى حياتهم المشوهة، أو المزدوجة.
نقول دائما إن الدراما بمعالجاتها وليست بأفكارها، وهو أمر حققه «هذا المساء» بامتياز: الفكرة فى جوهرها تدور حول علاقات عاطفية أو جنسية بين الرجال والنساء، وهو موضوع تتعرض له مئات الأعمال الدرامية فى السينما والتليفزيون، ولكن المعالجة والتفاصيل جعلتاها دراسة بالعمق لهذه العلاقات، أولا، فى طبقتين مختلفتين اقتصاديًا واجتماعيًا.
وثانيًا، وهو الأهم، دراسة بالعمق لهذه العلاقات من خلال وسيطين جديدين يمكن أن نرى فيهما المجتمع عاريًا على حقيقته؛ هما شاشة التليفون وشاشة الكمبيوتر، والجهازان هما أبطال العمل الفعليين، والشاشتان تحلان حرفيًا محل شاشة السينما فى عروض هذا المساء؛ لأن محل سونى بكل ما فيه من فضائح يفتح على سينما مغلقة، والسينما نفسها صارت وكرا للتجسس والتلصص غير الشرعى، كما أن كل التحولات الدرامية المهمة تتم من خلال الكمبيوتر والمحمول فى توظيف بديع وسلس.
إننا إذن أمام خطين قدما ببراعة ودراسة تفصيلية: علاقات اجتماعية وعاطفية وجنسية معقدة ومتشابكة، وعيون متلصصة تفضح وتكشف من خلال أجهزة خطيرة تعيش معنا، الخط الأول يصنع دراما اجتماعية ممتازة، أما الخط الثانى فهو يصلح ليصنع فيلمًا بوليسيًا مرعبًا، فلما اندمج الخطان على خلفية حنين لزمن مندثر (تمثله السينما المغلقة والأغنيات القديمة)، وعلى خلفية نبرة ساخرة من زمن جديد تصبح فيه العلاقات الخاصة بين الرجل والمرأة مشاعًا بين أجهزة الكمبيوتر والمحمول، وتصبح فيه الخيانة سهلة، وفضحها أكثر سهولة بنفس الأجهزة، لما تحقق هذا الدمج البارع، صرنا أمام معالجة مذهلة ومشوقة لأفكار قديمة ومطروقة من قبل.
مثل الحصان الأسود، بدأ «هذا المساء» السباق هادئًا واثقًا، ثم انطلق ليسبق الجميع بمسافة معتبرة، بدون مبالغة: مستوى الكتابة، وبناء الشخصيات والمواقف، والتشويق، وتمكن المخرج فى هذا العمل يمكن مقارنته بأفضل ما قدمته الدراما الأجنبية والأمريكية بالتحديد، ثم أداء الممثلين المتفوق.
السينما المغلقة كانت أيضا تتيح فرصة التلصص المشروع من خلال الأفلام المعروضة، فالسينما فن التلصص بامتياز، ولكن السينما بعد إغلاقها تحولت إلى وكر للتلصص غير المشروع، فاحترقت فى مشهد النهاية.
ينتهى المسلسل وقد فشلت علاقة عابرة للطبقات بين أكرم ونايلة، ولكنه ينتهى أيضا بمواجهة تقى لمخاوفها، وبمواجهة سونى لتشوهاته فى المستشفى، وبمواجهة سمير لماضيه، ينحاز المسلسل لفكرة سقوط الأقنعة كحل ضرورى لكى نعيش حياة أفضل، ويا لها من فكرة بديعة، تضاف إلى أفكار هذا العمل الكبير اللامع.

 

التعليقات