ملاحظات من «جيل الهزيمة» حول المخاوف على المستقبل العربى.. - طلال سلمان - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 11:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

ملاحظات من «جيل الهزيمة» حول المخاوف على المستقبل العربى..

نشر فى : الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 - 11:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 - 11:10 م

عاش جيلى الذى ولد قبيل منتصف القرن الماضى نكبة فلسطين التى لم يكن ممكنا تصديق وقائعها المهينة، كما قدمها الإعلام الرسمى العربى ومفادها: أن العصابات الصهيونية، بعنوان «شتيرن» و«هاجاناه» استطاعت أن تهزم «الجيوش العربية لكل من مصر وسوريا، مع مشاركة رمزية من الجيش اللبنانى حديث الولادة ومئات من المتطوعين العراقيين أو من أقطار أخرى.
لم يحدثنا رؤساؤنا والملوك والأمراء ممن كان معظمهم تحت الوصاية الأجنبية عن النقص فى الإرادة والعزم والقدرات العسكرية.. فالجيش المصرى (الملكى آنذاك) ذهب إلى الحرب بسلاح فاسد.
وسيمضى زمن قبل أن يعرف المصريون وسائر العرب أن المقاتل المصرى كان يملك سلاحا فاسدا ومستهلكا تنطلق رصاصات بنادقه من الخلف، لفسادها، فتقتل حامليها بدل أن تتجه إلى جنود العدو فترديهم.
على أى حال فإن مجموع من استنفر من وحدات الجيوش العربية حديثة النشأة كان أقل بكثير مما تحتاج إليه تلك الحرب إذ كان خلف العصابات الصهيونية دعم الدول الكبرى: بريطانيا أساسا، وقد كانت منتدبة على فلسطين، ثم الاتحاد السوفيتى الذى أمل أو توهم بتحول العصابات الصهيونية (شتيرن والهاجاناه) إلى الشيوعية أو نصير لها خصوصا أن آلافا مؤلفة من يهوده قد غادرته إلى فلسطين لتقاتل ضد أهلها العرب.. وكل هذا قبل أن يندفع إليه اليهود الذين تدربوا فى صفوف جيوش الحلفاء (بريطانيا وفرنسا).. قبل أن يأتى المدد القوى بل المؤثر من صفوف اليهود الألمان الذين نجوا من الحرق فى أفران النازية فى ألمانيا وبولونيا وأقطار أوروبية أخرى.
على أى حال فإن العصابات الصهيونية المعززة بآلاف «المتطوعين» من الجنود المدربين على الحرب، عبر المشاركة الميدانية، إضافة إلى من جاءها أو استنفر فاستقدم من بعض البلاد حيث كان اليهود يعيشون كمواطنين وإن اشتهروا كتجار وصيارفة وأصحاب حرف بمداخيل محترمة.
***
على هذا فقد كان واضحا، وطبيعيا، ومنطقيا بل حتميا أن تهزم هذه الوحدات العسكرية العربية، ناقصة التدريب والتجهيز، بأسلحتها المحدودة أو الفاسدة (كما وحدات الجيش المصرى حيث استشهد البطل أحمد عبدالعزيز وحوصر رفاقه وبينهم جمال عبدالناصر فى منطقة الفالوجة، لنقص السلاح والذخيرة..) خصوصا أن فى مواجهتها جيش مدرب بكفاءة، ترفده مجاميع الجنود والضباط «المتطوعين» الذين جاءوا مباشرة من ميادين القتال فى الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين، رأسا، ليواجهوا كتائب محدودة من الجيوش العربية، تساندها مجموعات من المتطوعين بقيادة (سياسية) يمثلها فوزى القاوقجى.
وصحيح أن كثيرا من الضباط والجنود والمدنيين من ذوى الوعى السياسى قد فضلوا القتال كمتطوعين (بينهم أكرم الحورانى..) على التطوع فى الجيش ضعيف التجهيز والإعداد، لكن الصحيح أن حماسة هؤلاء كانت أعلى كثيرا من خبرتهم القتالية، لكنهم ــ فى أى حال ــ رفعوا الروح المعنوية للشعب العربى.. قبل أن تدمرها الهزيمة.
***
ليس هذا حديثا فى الماضى، ولا هو قاصر على قضية فلسطين، بل هو يستهدف الوضع السياسى القائم فى الوطن العربى، والذى بين خصائصه الانقسام بل الاختلاف فى الأهداف بين القادة والذى كثيرا ما يغطى بالنفاق أو المزايدة أو ارتهان بعضهم للخارج.
تحول النصر العسكرى فى أكتوبر 1973، وبسرعة قياسية، إلى هزيمة سياسية مدوية. وتكررت المحاولات للوصول إلى «تسوية» بالمفاوضات أشهرها لقاء القمة بين الرئيس السورى حافظ الأسد والرئيس الأمريكى بيل كلينتون، فى جنيف، والتى لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق، خرج بعدها الرئيسان متفارقين..
كان السبب أن الرئيس الأسد أصر على استعادة الجولان كاملا، حتى بحيرة طبريا، مبلغا الرئيس الأمريكى كلينتون: «لقد كنت أسبح فيها وأنا ملازم فى الجيش السورى، فكيف أتنازل عنها الآن، وقد أصبحت الرئيس وصاحب القرار؟!».
*****
الحديث عن الماضى مثير للأحزان، لكن الحديث عن المستقبل فى ظل هذا التفكك الذى يضرب وحدة الموقف، وبالتالى القرار العربى مثير للخوف بل القلق على وحدة الأمة جميعا، وليس قرارها فحسب..
تكفى نظرة، ولو سريعة أو متسرعة، إلى أحوال انقسام العرب، فى هذه اللحظة، حتى حول قضيتهم المقدسة فلسطين، المتروك شعبها لقدره، بينما العديد من الدول العربية قد أسقط المقاطعة وأقام «علاقات طبيعية» مع العدو القومى، غاصب الأرض، محتل أقدس الأرض العربية بالمسجد الأقصى (الذى باركنا من حوله) وكنيسة القيامة، حيث رفض الخليفة عمر بن الخطاب أن يصلى فيها، وخرج مبتعدا عنها حتى لا يأخذها المسلمون بزعم «هنا صلى عمر..».
اليوم، العرب منقسمون إلى حد الاقتتال (اليمن، ليبيا)، أو أن دولهم وكياناتهم السياسية مهددة فى وجودها أو فى الوحدة السياسية والشعبية لكل منها (العراق، سوريا)، هذا إذا ما قفزنا فوق الاضطرابات وتظاهرات الغضب فى (لبنان والأردن) وفوق اندثار (الجماهيرية العربية الليبية)..
هذا من دون أن ننسى الغزو التركى الوحشى لسوريا انطلاقا من شمالها، وبذريعة مقاتلة الأكراد، فى أرضهم وهويتهم السورية، ورفض جامعة الدول العربية عودة سوريا إلى موقعها ومقعدها فيها، وانحياز إمبراطورية قطر العظمى إلى السلطان أردوغان فى غزوته البربرية ضد «قلب العروبة النابض»، سوريا التى أنهكها الانقسام والمفاوضات التى لا تنتهى بين النظام ومعارضيه.
والبقية تأتى!

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات