جدلية الثورات والأحزاب الثورية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 3:18 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

جدلية الثورات والأحزاب الثورية

نشر فى : الخميس 19 ديسمبر 2013 - 7:00 ص | آخر تحديث : الخميس 19 ديسمبر 2013 - 7:00 ص

لا أعرف إن كان شباب ثورات وحراكات الربيع العربى يعون بما فيه الكفاية والحذر ما يخططه لهم بعض الكتاب والمتحدثين العرب من إقحامهم فى مناقشات عبثية حول هذه الإيديولوجية أو ذلك الحزب، ومن تحميلهم مسئولية انفلات الأمن فى هذا القطر أو تراجع الاقتصاد السياحى فى ذاك القطر الآخر.

الهدف من كل ذلك هو إشغال شباب العرب ومناصريهم من الجماهير عن مهمتهم الأصلية: الاستمرار فى تفجير وإنضاج مسيرة الثورة العربية تمهيداً لإيصالها إلى أبعد درجات التحقق. ولعله يجب التذكير بأن الثورة، سواء فى السياسة أو الاقتصاد أو التكنولوجيا، تعنى تحولاً جذرياً وأساسياً يهدف إلى زوال أفكار وبنى اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية سابقة لتحل محلها أفكار وبنى جديدة تتطلبها مرحلة تاريخية جديدة.

أو ما كان مبرراً الحديث عن الحاجة لمسيرة ثورية تهدف إلى إحداث تغييرات عميقة كبرى فى بنى المجتمع العربى لو لم يثبت عبر التاريخ الطويل فشل النخب العربية والمؤسسات العسكرية والدينية الطائفية والبيروقراطية الحكومية فى قيادة المجتمعات العربية نحو التغييرات الحضارية المطلوبة. بل ولم تفشل تلك الجهات فى القيام بذلك التغيير فقط وإنما ساهمت بأشكال مختلفة فى إيصال الأمة إلى مراحل الضعف والتخلف والتجزئة والمهانة والسقوط المذل تحت إملاءات قوى الخارج.

ذاك الوضع العاجز هو الذى هيأ الجماهير العربية للتوجه نحو تغييرات كبرى يعبر عنها فى علوم السياسة بالتغييرات الثورية.

•••

ولأن المؤسسات القديمة فشلت فى الماضى، وتثبت الأحداث يومياً أنها غير قادرة على إحداث تلك التغييرات الجذرية فى الحاضر، فإن المنطق يقتضى خلق قوى مؤسسية جديدة لتقوم بتلك المهمة النهضوية.

لكن قبل الحديث عن نوع القوى التى ستقود المجتمعات العربية نحو تلك التغييرات دعنا ننتبه إلى أن جماهير، غالبها أمىٌّ، وعيها السياسى محدود، غالبيتها الساحقة منشغلة بحاجاتها المعيشية اليومية، فهمها لمعانى الثورة وما تتطلبه سطحى وشعورى آنى، قدراتها على النفس الطويل والصبر على السير فى الطريق النضالى الطويل محدودة.... هكذا جماهير لا يعول عليها لقيادة ثورات. لكن من المؤكد، كما أثبتت أحداث السنوات الثلاث الماضية من الربيع العربى، أن تلك الجماهير تمثل سنداً قوياً وكنز تضحيات هائلة إذا وجد من سيحمل المسئولية ويقود الثورات.

هنا يعيننا تاريخ الثورات الإنسانية الكبرى الذى أكد المرة تلو المرة بأنه بدون وجود أحزاب ثورية تحمل المسئولية تتعثر الثورات وتنتكس إن عاجلاً أو آجلاً.

بغض النظر عن الأخطاء أو التجاوزات أو حتى الانتهازية التى رافقت بعض التنظيمات القيادية للثورات العالمية فإن مؤرخى الثورات يؤكدون الدور الهام الذى لعبه تنظيم اليعاقبة فى الثورة الفرنسية وتنظيم المستقلين فى الثورة الإنجليزية والحزب الشيوعى فى الثورة البلشفية وتنظيم لجان المراسلة فى الثورة الأمريكية.

•••

إن ساحات «التويتر» و«الفيس بوك» وغيرهما من ساحات الإنترنت تساهم فى خلق ثورة ولكنها لا تقود ثورة. وكذا الأمر بالنسبة للمظاهرات الصاخبة التى تجول فى الشوارع والميادين وكذا الأمر بالنسبة للظهور الدائم على شاشات التليفزيون. كل ذلك يجب أن يصب فى إسناد تنظيم مؤسسى سياسى ديمقراطى ثورى. وصفة الثورية هنا لا تعنى ممارسة العنف والقهر والإقصاء. إنها تعنى فى الأساس عدم التفريط بعمق وشمولية وجذرية التغيرات الحضارية والإنسانية المطلوبة.

لذا فإن شعار إسقاط هذا النظام أو إزاحة ذاك الحكم، دون أن يرافقه الحديث عن نوع التغيرات الجذرية المطلوبة، فى صورة أفكار وبرامج وأساليب وساحات نضال، ليس شعاراً ثورياً وإنما هو شعار تصادمى مؤقت سواء فشل أو نجح. ما لم يع شباب الثورات، بعمق وحماس شديد، هذه المتطلبات التى أظهر التاريخ ضرورتها لنجاح أى ثورة، وما لم يقاوموا إغراءات الدخول فى مماحكات دونكشوتية عبثية مع هذه الجهة العابثة أو تلك الجهة المتحذلقة، وما لم يتفرغوا لبناء الأداة السياسية الأساسية لقيادة الثورات التى فجروها، ما لم يفعلوا ذلك فإن آلام وأحزان ثورات وحراكات الربيع العربى ستطول وستدخل جماهيرهم فى ظلام اليأس والاستكانة من جديد.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات