أنا حرة - جميل مطر - بوابة الشروق
الأحد 2 أكتوبر 2022 11:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

أنا حرة

نشر فى : الثلاثاء 21 ديسمبر 2021 - 10:05 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 ديسمبر 2021 - 10:05 م
أعلن الرئيس رفع الجلسة لشرب القهوة وإن اشتهيت فالمخبوزات خرجت لتوها من الفرن تبث رائحة فاحت فى أرجاء الفندق الصغير تطارد كالغواية النزلاء من جميع الأعمار. هذه الرائحة كانت دائما أشهى الروائح وأحلى الغوايات وأحبها إلى قلبى وأيضا معدتى. يومها لم تقدنى الرائحة إلى غرفة الطعام وإنما حادت بى فى اتجاه موظفة الاستقبال. وقفت أمامها فى انتظار أن تنتهى من خدمة نزيل آخر يستعد لمغادرة الفندق إلى المطار بعد الإفطار ويطلب توفير سيارة أجرة وإعداد فاتورة الحساب. رائحة المخبوزات والآن هذا الإشراق المنبعث من جمال وعينين وشعر ولسان موظفة الاستقبال كلها اجتمعت لتبث فى إنسان منهك نشاطا كان غائبا، أنا الإنسان الذى قضى فى غرفته من هذه الليلة ساعتين لا أكثر، قضاهما يتقلب بالأرق وبحذر فى فراش لفرد واحد.
انتهت إيزابيلا، واسمها مسجل على صدرها، من خدمة النزيل المغادر وتفرغت لخدمتى. اعتذرت بالإنجليزية عن فترة انشغالها عنى فأجبتها بالإسبانية معتذرا أولا عن أى أخطاء يمكن أن ارتكبها فى حق اللغة وحقها وعن إصرارى على التحدث بها بعد أن تخليت عنها أو تخلت هى عنى قبل عشرين عاما وربما أكثر. قالت أفهم جيدا هذه الرغبة وأنا سعيدة ومستعدة لتلبيتها. أضافت أنها قدرت أننى تعلمت الإسبانية ومارستها فى موقعين من أمريكا اللاتينية، لكل منهما لكنة خاصة به. هنـأتها على دقة تقديرها مؤكدا لها أننى تعلمتها فى شيلى ومارستها فى الأرجنتين وامتحنت فيها فى الجامعة بمونتريال وتخلينا عن بعضنا فى مصر. اهتمت فسألت وأجبت ثم جاء دورى فسألت وأجابت. شعرت فجأة بأن النزلاء طالبى المساعدة صاروا كثرا فانقسموا حين وصل لخدمتهم موظف آخر، طابور اصطف أمام الموظف الآخر وطابور فضل الاصطاف خلفى. لم تستعجلنى إيزابيلا ولم تنبهنى إلى الطابور المصطف خلفى. اعتذرت وسألت السؤال الذى جئت إليها سعيا وراء إجابة لا تستغرق نصف دقيقة. سألت أين يقع الميدان الأكبر والأشهر. أجابت «على مسافة دقائق من هنا. أخرج من باب الفندق وتوجه يسارا فشارعنا ينتهى فيه». مشيت ولسان حالى يردد حكمة نطق بها صديق متقدم فى العمر اشتهر بخبرته فى موضوع النساء، كان يقول «بين مائة امرأة من جنسيات عديدة توجد واحدة إسبانية لن تخطئها عيناك ويهف لها قلبك».
•••
وصلت إلى الميدان. اخترت مائدة متميزة الموقع ومقعدا أدرته ليطل على الميدان. طلبت القهوة التى تخليت عنها فى الفندق، طلبتها قوية. أجابنى النادل بابتسامة لئيمة بعض الشيء ولكن مرحبة، قال كل قهوتنا قوية. ابتسمت بلؤم مقابل ابتسامته اللئيمة بعض الشيء وقلت بإسبانية واثقة من نفسها، «فلتكن قهوتى أقوى من قهوتكم فأنا لم أنم بالليل». جاءت القهوة بالفعل قوية وهكذا جاءت الشمس، شمس اشتهرت بها مدريد وبخاصة شمس الربيع. استسلمت للقهوة حتى طلبت مكررا لها وللشمس حتى طلبت شمسية تحمينى من مبالغاتها. سرت فى عروقى أحاسيس ناعمة تعبر عن حال استمتاع بالغ أفقت منه على صوت أنثوى ينادينى باسمى وكرسى يتحرك مقتربا منى وعلى يد تلمس يدى المتمددة على المائدة وعلى هفات عطر عاش لزمن فى مخيلتى، كلها فى آن واحدة.
جلست وأشارت إلى النادل تطلب قهوتها. شربت القهوة وشربت معها قهوتى الثالثة. تبادلنا حديثا خفيفا عن مصادفة اللقاء ومجاملات عن تقاطيع وسمات لم تتغير وعن أشواق لا شك صادقة. تحدثنا عن أصدقاء مشتركين، منهم من تاه وهو يبحث فى أزقة الزمن عن حب ضاع منه، ومنهم من وقع فى عشق السلطة فلم يعشق غيرها، ومنهم من أحب نفسه فتعذبت النفس ونفوس أخرى، ومنهم من أحب بصدق حتى تحولت حياته إلى نعيم لا يفنى. توقفنا للحظة. كانت البادئة بالتوقف. نظرت إليها لأجد وجها جميلا ولكن شاحب، وعيونا فاتنة ولكن زائغة. سألتها «وأنت؟ أين موقعك؟». أجابت ودمعة على خدها» من فضلك اسحب سؤالك، فأنا اليوم سعيدة. أنا سعيدة بهذه الفرصة الرائعة التى جمعتنى بك بعد افتراق طويل ولا أريد أن ترحل وأنت تحمل بين ذكرياتك حكاية أليمة. يكفينى ألما أننى ابتعدت عنك ذات يوم. رحلت ولم أعد. الأشد إيلاما كان يوم عرفت أنك عشت سنوات تنتظر عودتى». قاطعتها ويدى تبحث عن يدها عساها تهدأ. أمسكت يدى بيدها وفى الحقيقة احتضنتها. وفى الأثناء قلت «أريد أن أسمع عن كل ما فاتنى خلال السنوات الضائعة. أعدك بأن أسمع ولا أعلق ولا أحكم. أسمع حتى النهاية، وبعدها نبحث فى الحاضر والمستقبل. أرجوك، توقفى عن تعذيب الضمير فلا أنت مسئولة عن رحيلى ولا أنا فى انتظار اعتذار. تكلمى ولن أقاطعك ولن أتركك ترحلين هذه المرة بغير وعد وقسم بالعودة».
قالت وعلى خدها دمعتان وليس واحدة «أصارحك فأقول تلقيت الدعوة لنفس المؤتمر ولم أقبل إلا عندما وصلتنى قائمة المشاركين وأنت بينهم. جازفت بالحضور وترددت حتى وأنا فى طريقى إلى المطار. عشت سنوات رهينة حالة رعب صار مزمنا ومقاوما لكل العلاجات وتجاوزت آلامى ومتاعبى المدى. احتار الأطباء فى تحديد أسبابه. عالجنى الصينيون بالإبر الصينية وفشلوا، وعدت إلى رفاق اليوجا بحثا عن سلام ولم أجد السلام المنشود. لجأت للبحث والدراسة علنى أجد عندهما ما يشغلنى ويحفزنى لطرق أبواب أخرى فى حياتى أو ما تبقى منها. كنت دائما قريبا منى ولكنى لم أكمل مرة واحدة مشوارى إلى الهاتف لأطلبك. لم تكن لدى الشجاعة اللازمة للإقدام على هذه المجازفة. لم أخش أن تتركنى على الهاتف أو أن تصدر عنك كلمة تذبحنى أو تهمس بهمسة تجرحنى، بل خشيت أن ترد وأن تجامل وأن تسألنى عن أحوالى فأعود إلى الكذب، الكذب الذى جلب لى مع غيره من أخطائى هذا الجحيم الذى أنا فيه.
•••
احتار الأطباء والسحرة وصيادو العفاريت من قادة فرق الزار، لم يتوصلوا لعلاج يزيل عنى أمراض الرعب والشك والبكاء والأرق. أكثر من طبيب استمعوا لسيرة حياتى وأنا متمددة أمامهم يرونى ولا أراهم أثناء الجلسات إلا نادرا. حفظت هذه السيرة عن ظهر قلب من كثرة ما رويتها. صرت أستسخفها. اعترفت ذات مرة لطبيب معالج أنى فكرت أن أسجلها ليسمعها كل جديد من رواد الطب النفسى الذين ألجأ إليهم. ظن الرجل أنى أسخر منه ومن مهنته وأنتفض واقفا مشيرا إلى باب مكتبه لأنصرف.
عزيزى أنا أتألم ولا أحد عرف مصدر الألم. أخطأت كثيرا حين ترددت ثم رفضت الأخذ بنصائحك. امتنعت عن الزواج، رفضت كل العروض. أقبلت على عملى بحماسة وتفانٍ. أظن أننى وجدت التعويض فيه. وقعت فى الحب أكثر من مرة وخرجت سالمة، أو هكذا كان الظن. كنت مخطئة. أنا لم أخرج من كل المرحلة سالمة. خرجت منها جميعا امرأة بدون رفيق دائم وبدون ذرية. فجأة وجدت نفسى وحيدة. أقلق ولكن ليس على أحد بعينه. أحلم ولكن بغرباء يخلقهم خيالى ومع الشروق أنساهم. ألاعب أطفالا ليسوا من دمى ولا يحملون سماتى، أسهر مع السمر وأنا لست منهم، أغضب وليس من يصالح، أبكى بدموع تبلل مخدتى أو مناديلى وليس من بديل بشرى يمسحها بأطراف أصابعه وهى لا تزال عند خدى. أتلقى أحضانا أنعتها بالبلاستيكية لأنها لا تروى شوقا ولا ترطب جفافا وأستقبل قبلات، خالية الدسم، لا تشبع جوعا ولا تلبى حاجة ولا ترفع همة أو تبلور أملا.
زهقت من هذه الحياة. نعم أنا السبب. لم أرتب أولوياتى كما كان يجب أن أرتبها. استهنت بقيمة الرجل المناسب وبدوره فى حياتى، تصورت نفسى امرأة كاملة ليست فى حاجة لعائلة. اخطأت يا صديقى أكثر من خطأ. كثيرات هن الآن فى مثل حالى. اليوم عادت الأخطاء التى ارتكبتها ولكن فى أدوار وأشكال أخرى، عادت مكشرة عن أنيابها لتحاسبنى بعنف منتهزة فرصة ضعفى. عادت بعد أن وهنت القوة الجسدية وتراخت عزيمة المقاومة. عادت وليس هناك من يحمينى. عادت بعد فوات الأوان.
جميل مطر كاتب ومحلل سياسي