الهدنة الملغمة في ليبيا: مسارات وتساؤلات - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 9:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الهدنة الملغمة في ليبيا: مسارات وتساؤلات

نشر فى : الأربعاء 22 يناير 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 يناير 2020 - 9:50 م
لم يكن هناك نجاحا فى قمة برلين يخترق الأزمة الليبية بخريطة طريق سياسية لها آليات معلنة وجداول زمنية ملزمة، لكنه يصعب بالوقت نفسه وصفها بالفشل.

بدا أن هناك شيئا من الحذر والتحسب أن تفلت مشاحنات النفوذ والمصالح بين اللاعبين الدوليين والإقليميين إلى مواجهات بالسلاح فى الصحارى الليبية، أو أن تتحول ليبيا إلى سوريا أخرى، كما قيل وتردد فى برلين.

مخرجات القمة لخصت ما يمكن التوافق عليه بين الحسابات المتعارضة، لم يتنازل أى طرف عن أى من مطالبه، ولا جرت تفاهمات تتجاوز الكلام العام عن استبعاد الحل العسكرى وإعلان هدنة ملغمة باحتمالات تقويضها، كأنها مهلة للتسليح والتدريب وجلب الرجال قبل استئناف القتال.

كل شىء مرهون بما قد يحدث على الأرض وفى الكواليس من ضربات تحت الحزام وفوقه وصفقات فوق المائدة وتحتها.
حسب تصريحات المستشارة الألمانية «انجيلا ميركل» فإنها حصلت على تعهدات من الأطراف المشاركة فى القمة بعدم تقديم أى سلاح للأطراف المتقاتلة.

هل التعهدات قابلة للتنفيذ؟
هذا سؤال أول.
الكلام لا يرتب شيئا ولا يلزم أحدا باحترامه إذا لم تكن هناك آليات للمراقبة.

وما مصير المذكرة الأمنية الموقعة بين رئيس حكومة «الوفاق» «فايز السراج» والرئيس التركى «رجب طيب أردوغان»، التى تجيز التدخل العسكرى المباشر؟
هذا سؤال ثان.

فيما هو معلن فإن «اردوغان» أقرب إلى الإحجام عن أى تدخل عسكرى مباشر خشية التورط فى المستنقع الليبى دون أى غطاء دولى، فضلا عن حجم الانتقادات الداخلية فى بلاده، إلا أنه لم يصدر عنه أى تصريح يفيد أنه سوف يتوقف عن إمداد الميليشيات المتمركزة فى طرابلس بالسلاح والمستشارين والخبراء العسكريين، أو يمتنع عن إرسال مرتزقة مسلحون من سوريا لميادين المواجهة.

بطبائع الأمور فإن الأطراف الأخرى فى الصراع سوف تصعد بالمقابل من مستوى دعمها العسكرى للجيش الوطنى الليبى الذى يقوده المشير «خليفة حفتر».

ثم.. هل بوسع المباحثات المقترحة فى جينيف بين طرفى الصراع الليبيين أن تتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار؟
هذا سؤال ثالث يكاد يلخص بحساباته تعقيدات الموقف العسكرى.

فميليشيات «السراج» تلح على وقف إطلاق النار وانسحاب قوات «حفتر» إلى مواقعها القديمة قبل بدء الهجوم على العاصمة طرابلس فيما تدعو موازين القوى الحالية «حفتر» إلى الحسم العسكرى بعد أن توغلت قواته فى بعض أحياء العاصمة وسيطرت بسهولة مفاجئة على مدينة «سرت» الاستراتيجية.

بالمقابل تطلب قوات «حفتر» تفكيك الميليشيات، وهذا طلب يستحيل أن يتقبله الطرف الآخر، فهو إعلان نهائى بالهزيمة.
بتعبير المبعوث الأممى إلى ليبيا «غسان سلامة» فإنه يتوافر لديه الآن «مفتاح للأزمة»، غير أن الأبواب المغلقة بمتاريس يصعب فتحها بمفتاح!

باليقين شىء ما تحرك فى برلين، خطوة للأمام، لكنها أقل بكثير من حجم المشكلة وتعقيداتها.

أسوأ ما حدث فى برلين غياب الليبيين عن قمة تناقش مصير ليبيا ومستقبلها.

كان ذلك تعبيرا عن حجم التدخل الدولى والإقليمى وقدر ما أصاب ليبيا من ضرر فى تمثيلها السياسى.

لا «السراج» يمثل شرعية حقيقية، فأساس شرعيته اتفاق «الصخيرات» الذى وقع فى نوفمبر (2015) تقوض بالكامل، لم يتبقَ منه سوى أشلاء نصوص والمغرب نفسها التى احضنت هذا الاتفاق استبعدت من قمة برلين فغضبت، كما دول أخرى فى الجوار أهملت دعوتها حتى وقت متأخر كتونس فاعتذرت، أو استبعدت تماما كالسودان فاستنكرت.

ولا «حفتر» يمثل قوة سياسية لديها مشروع متماسك، دوره العسكرى استقطب قطاعات واسعة فى بلاده دون أن يبلورها فى رؤى وتصورات لإعادة بناء ليبيا من جديد بما يضمن وحدتها ومدنية نظامها السياسى وديمقراطيته.

غياب الليبيين انتفاض فادح من شرعية مخرجات قمة برلين.

هذه حقيقة لا يقلل منها ما أدارته «ميركل» من مباحثات منفصلة مع «حفتر» و«السراج» فى دار المستشارية.

لم يلتقيا، أو أن يحضرا أعمال القمة، كأن هناك من يحارب بالنيابة ويفاوض بالنيابة!

سيناريو مقارب حدث فى موسكو حيث أجريت مفاوضات غير مباشرة مع الخصمين الليبيين بمبادرة مشتركة من الرئيسين الروسى «فلاديمير بوتين» والتركى «أردوغان» انتهت إلى الفشل الذريع بممانعة من «حفتر» الرقم الصعب فى المعادلة الليبية.

فى برلين جرت مقاربة واقعية لحسابات القوى على أمل حلحلتها بخطوات لاحقة تتبناها الأمم المتحدة فى جينيف، أو عبر ممثلها شبه المكبل.

بتعبير رئيس الوزراء البريطانى «بوريس جونسون» فإن «الحروب بالوكالة تنتهى عندما يقرر الوكلاء الخارجيون أنهم يريدون وضع حد لها».

هذه حقيقة صادمة فى الأوضاع الليبية المعقدة، وقد جرى تصميم قمة برلين على أساسها.

روسيا أثبتت تعاظم حضورها فى معادلات الإقليم تحاول أن تمسك بخيوط اللعبة وتدير توازناتها وفق مصالحها الاستراتيجية شرق المتوسط والامتيازات فى النفط والغاز التى تسعى إليها، تماشت مع ضغوط «أردوغان» فى طلب الهدنة بطرابلس وإدلب حتى لا تفقد الورقة التركية الاستراتيجية لكنها لم تظهر التزاما حقيقيا فى الحالتين، فهناك حسابات وأوراق أخرى لا ترغب فى خسارتها.

دول الاتحاد الأوروبى، على اختلاف أدوارها ومصالحها، ارتفع مستوى حضورها فى قمة برلين، التزمت المبادئ العامة خشية أن يؤدى الاقتراب من التفاصيل إلى انهيارها، أشارت إلى مواضع الخلل فى الأداء التركى بالجلسات الجانبية دون مواجهة حقيقية.

والولايات المتحدة حضرت القمة بتمثيل أقل من الرئاسى، غاب «دونالد ترامب» وحضر وزير خارجيته «مايك بومبيو»، اكتسبت تصريحاته قيمتها من وزن بلاده لا من وضوح سياساتها فى الأزمة الليبية، التى انطوت على تناقضات والتباسات يصعب فك ألغازها فى الموقف من «حفتر» مرة تدعمه فى سعيه لحسم الصراع بقوة السلاح ومرة أخرى تدعوه لوقف هجومه على طرابلس بحسابات أخرى مع أنقرة.

فى الحسابات الدولية المتعارضة تكتسب الصادرات النفطية سلم الأولويات فى النظر إلى الأزمة، وقد يمثل قرار وقف نقل النفط بموجب حالة القوة القاهرة عبر الموانئ الليبية، التى يسيطر عليها الجيش الوطنى الليبى، أهم اختبار ممكن لمخرجات برلين.

توزيع عوائد النفط تفتقد إلى قواعد العدالة بين المناطق الليبية المختلفة، وبعضها يستخدم لتسليح الميليشيات.
أزمة نقل النفط تطرح نفسها بإلحاح على جدول أعمال ما بعد برلين بذات قدر إمدادات السلاح وخرق الهدنة من وقت لآخر.

إذا لم يكن هناك دخول إلى المناطق الشائكة فى الأزمة الليبية يصعب أى حديث عن أفق سياسى يضع حدا لمعاناة مواطنيها، هذا ما عجزت عنه أعمال القمة.