يمنٌ يبحث عن سعادة - خولة مطر - بوابة الشروق
الخميس 2 ديسمبر 2021 9:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

يمنٌ يبحث عن سعادة

نشر فى : الإثنين 29 سبتمبر 2014 - 8:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 29 سبتمبر 2014 - 8:45 ص

المكان عند شواطئ البحر على حافة أفريقيا الشرقية بالتحديد جيبوتى والزمان 1986 و300 صحفى ومصور صحفى يصطفون فى انتظار القادمين الهاربين من جحيم اقتتال الإخوة فى اليمن الجنوبى، الرفاق يتقاتلون بأشرس من قتال الأعداء، هكذا قال بعضهم حتى ذاك اللبنانى الهارب من حرب أهلية لم تبق حجر على حجر فى بيروت إلا ونبشته وهدته، هو الآخر قال إنها أقسى من حرب لبنان الطويلة.

كانت الطرق قد قطعت ولم يعد هناك أى منفذ سوى البحر نعبر منه لنكتب عن الرفاق الذين حملوا السلاح لسنين ضد المستعمر وضد الرجعية وما لبثوا أن عادوا ليوجههوه فى وجوه بعضهم البعض.. جاءت الحكايات والصور اللفظية موجعة لكل الحالمين بأن من عدن سيأتى الفرج وسيتخلص الخليج من براثن الاستعمار المستورد والمحلى الصنع!!!

•••

جاءت السفن محملة بالهاربين وحكاياتهم عن المدافع التى قصفت سرب أطفال هارب من الجحيم إلى الجحيم وعن بيوت دكت على رءوس أصحابها وعن الدم الذى سقى الأرض حتى غصت.. وعن نساء ورجال لا يعرفن إلى أين يرحلون.. هم من غير اليمنيين رحلوا عندما أرسل الاتحاد السوفييتى حينها والصين وغيرها بواخرهم لإجلاء رعاياهم العاملين هناك.. ولكن إلى أين يرحل اليمنى فالبحر من أمامه وأخوه ورفيق دربه الذى تحول إلى عدو من خلفه.. صار الصحفيون يجرون حول القادمين يصطادون القصص ويتنافسون.. وفيما يغادر الجميع السفن العملاقة تبقى بضعة وجوه سمراء تطل من الشبابيك الصغيرة للمركب تلوح بيدها وتستنشق بعض الهواء الخالى من رائحة الموت القاتلة.. تساءلنا من يكونون ولماذا لا يغادرون السفن ليقال لنا إنهم جميعا من دول عربية أعضاء بأحزاب شيوعية أو اشتراكية أو فقط معارضين لأنظمة هم أيضا لا مفر لهم ولا ملجأ فسفراء بلدانهم سيصطادونهم حال نزولهم ويعودون بهم إلى أقبية السجون المظلمة فى دولهم!!! لهؤلاء كانت روايات الألم العربى موجعة.. العربى المتهم بمعاداة النظام أو فقط بالاختلاف معه.. لا يزال العربى ملاحقا حتى بعد «ربيع» طال انتظاره!!!

يومها وحين أصر الصحفيون على الرحيل إلى عدن وبحثوا عن سفن صيادى السمك لتقلهم، حينها تنافس الاستعمار القديم على توفير السفن فأرسلت بريطانيا الفرقاطة جوبيتر وأرسلت فرنسا سفينة آخرى بعدها بيوم ليس حبا فى الصحفيين ولا الخبر الصحيح ولكن نكاية بالعدو القديم.. بين موج البحر فى ليل حالك رحل الصحفيون بحثا عن الخبر يندسون بين القادمين المفترشين السفن يسألونهم عن قيادات الثورة التى كانت ومن بقى منهم؟؟ كثرت الأسئلة التى لم تكن الإجابات عليها سهلة ولا صوت يعلو سوى صوت المدافع والقصف المدمى.. وجوه متعبه راحت تردد بخوف شديد وهى تتحسس أطرافها الموجعة من هول الصدمة.. كانت عدن مدينة المدن وكان البعض يتصور أن يوتوبيا ثورية ستبدأ من هناك وفى ليلة اعتزل فيها القمر عن مشاهدة كل هذا القبح الآدمى فتحت السماء على جحيم لم يتوقف حتى مع أنين الأطفال الرضع والنساء الحبلى ولم يعد هناك عقل سوى القبيلة التى كانت قد غرست بذرة فى داخلهم بل بداخلنا جميعا حتى نبتت شجرة شيطانية.

•••

كل هذه الأمكنة والصور عادت من جديد قبل أيام وحكايات جديدة تأتى هذه المرة ليس من عدن عبر جيبوتى بل من شمال اليمن السعيد الذى لم يعرف السعادة إلا بشعبه الرائع المقاوم للموت إما فقرا أو رميا بالرصاص والمدافع.. من حرب إلى حرب هو هذا اليمن الواقف عند خاصرة العرب.. اليمن أرض العنب والبن.. اليمن حيث تحتضن الجبال الغيم القادم ببعض المطر.. اليمن امرأة تقاوم الجهل بكثير من العلم والعمل وشباب وقفوا أشهر بل سنة يبحثون عن ربيعهم كما ربيع ذاك الذى أحرق نفسه أو الذى وقف على نيله فى وجه المدرعة أو كتب على جدران مدينته حرية.. حرية ربما لم يكن يعرف كيف تأتى الحرية لأنها بعيدة المنال ولأنه كما قال أستاذى الكبير قد غيب عن العمل السياسى والميدانى لسنين طويلة.. ذاك اليمنى الآخر سرقت فرحته وثورته قبل أن يقطف ثمارها هو الآخر كشباب كل هذا الوطن عاد إلى زاويته يستمع لبعض الموسيقى ويرقص حزنا لا فرحا.. فهل تسمعون صوت صمتهم؟

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات