سر الصرخة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


سر الصرخة

نشر فى : الخميس 31 مايو 2012 - 8:25 ص | آخر تحديث : الخميس 31 مايو 2012 - 8:25 ص

تحكى أحد الأسفار المنحولة (المزيفة) التى رفضها جامعو الكتاب المقدس فى القرن الثالث الميلادى كيف أن أقرب تلاميذ السيد المسيح إليه ويدعى يوحنا الحبيب كان يقف باكيا أمام صليب (أداة الإعدام فى العصر الرومانى) ولم يكن الصليب من خشب بل من نور. ولم يكن مصلوبا عليه رجل واحد بل آلاف الرجال والنساء والشباب والصبايا بل والأطفال، الكل يصرخون ويتوجعون، امتلأ التلميذ بالرعب وهو عاجز عن تحديد أو تثبيت أى من الأشخاص العديدين، كان الجميع يتغيرون باستمرار ويركضون ويختفون، وكان بعضهم يعود مرة أخرى، وبغتة تلاشى الجميع ولم يبق على الصليب أى شىء، إلا «صرخة». لقد تذكرت هذه الأسطورة وأنا فى طابور انتخاب رئيس لمصر فالشعب المصرى خرج بالآلاف بل بالملايين من الرجال والنساء والشباب يتألمون يختفون ويظهرون ولا تستطيع أن تميز شخصا محددا واحدا، لكن من هذه الموجات الوفيرة المتلاحقة من المؤكد أن «الصرخة» وحدها هى التى سوف تبقى، لا حاجة لنا لأى شىء آخر، أنها ذات الصرخة التى بدأت فى ميدان التحرير واستمرت التى سيتم بها خلاص مصر، ولا أقصد بالصرخة هنا صندوق الانتخابات، ولا نتيجة الانتخابات، لكن أقصد صرخة الشعب، تحركه واندفاعه وحماسه ليحقق الخلاص له ولمصر، وماذا يعنى «الخلاص» هنا؟! إنه يعنى إيجاد مبرر جديد للحياة والاستمرار، لأن المبرر القديم استنزف قواه وفقد مضمونه، لقد كان المبرر القديم هو الاستقرار فتحول هذا الاستقرار إلى موات، وكان المبرر القديم هو الخوف من الفتنة، فاكتشف الشعب أن رجال السلطة يستخدمونها لتكميم الأفواه وكان المبرر القديم أيضا هو الرعب من البدائل لكن كل هذه المبررات لم تعد قادرة على دعم حياة الإنسان المصرى ليحلم بمستقبل أفضل، من هنا جاءت الصرخة. لم تكن الصرخة هى الديمقراطية، ولا هى شعارات الثورة، بل حتى لم تكن الصرخة هى الثورة ذاتها لكن الصرخة كانت قبل ومع وبعد كل ذلك هى حركة شعب للبحث عن ذاته أى عن مبرر جديد لوجوده ولاستمرار بقائه وصنع مستقبله، ولنا على هذه الصرخة عدة ملاحظات:

 

 

أولا: لكل عصر صرخته الخاصة به

 

سعيد هو الإنسان الذى يسمع (صرخة) عصره ويعمل بالتعاون معها ويكون لديه الاستعداد أن يموت لأجل تحقيقها وعندئذ سوف يجد خلاصه وحريته. فى تصوير عبقرى لمثل هذه الصرخة جاء المنظر الأخير لفيلم عادل إمام «النوم فى العسل» إنها صرخة «آه» التى قادها عادل إمام من الشارع وأماكن العمل والمسجد والكنيسة حيث خرج المصريون خلفه نساء ورجالا وشبابا ورجال دين فى منظر عبقرى أبدع تأليفه وحيد حامد وأبدع إخراجه شريف عرفة، ولاشك أن عادل إمام يستحق المحاكمة لأنه كان أحد المحركين ببعض أفلامه المهمة والجادة لخروج مثل هذه الصرخة، إن صرخة «آه» لا تعنى معنى محددا، لكنها صرخة شعب ما فى عصر ما تقول إن هذا الشعب شعب حى يبحث عن خلاصه من الحاضر وعن أسس جديدة لمستقبله.

 

 

 

ثانيا: إننا نعيش عصرنا ولذلك لا نراه

 

وهنا علينا أن ندرك أننا قد بدأنا الطريق لنحقق الخلاص لأنفسنا، وقد صلبنا المبررات القديمة لوجودنا وقتلناها وإذا نجحنا فى أن نترجم صرختنا المعاصرة التى تخرج منا جميعا إلى معان مختلفة، فسوف يأخذ هذا منا وقتا وجهدا طويلا لا نعرف مقداره لتحقيقه ربما أربع سنوات أو ثمانى أو خمسين أو مائة سنة فالصرخة هى الحلقة الأولى للتجديد والخلاص، وربما عندما يأتى المؤرخون بعد قرون يسمون هذه الحقبة عصرا وسيطا وليس نهضة أو عصر إصلاح، والعصر الوسيط بتعبير آخر يعنى «فترة توقف» لأن هذه الفترة تكون صراعا بين حضارة تخمد وأخرى تصعد؛ الأولى تفقد قوتها الخلاقة وتنهار لتبدأ حضارة أخرى وأسلوب حياة آخر جديد يحمله جيل جديد من البشر بحب وصرامة وإيمان لإيجاد حضارة جديدة، وما نتيجة المرحلة الأولى للانتخابات الرئاسية إلا مؤشر للصراع بين الحضارتين وقد أعلنت لأصحاب الحضارة الجديدة أنه ما زال أمامهم جهد عظيم يجب أن يبذلوه ووقتا طويلا لتحقيق ما فكروا فيه وأرادوا تحقيقه، فقد تأجلت أحلامهم وتحقيق صرختهم لمدة أربع سنوات على الأقل، وليس عليهم الآن أن يستبدلوا صرختهم المدوية بالمساومة مع أحد وإلا فقدوها للأبد، أو أجلوها لأجل غير مسمى. وكم سعدت عندما علمت أن حمدين صباحى رفض المساومة على صرخة الشعب بمنصب نائب الرئيس. ومن المعروف أن إيجاد حضارة جديدة ليس أمرا مؤكدا، فلا شىء مؤكد فى أى عمل إبداعى، فثورة 25 يناير كانت عملا إبداعيا جماعيا بلا شك وما نراه اليوم يجعل كثيرين يتوجسون قائلين قد يكون المستقبل كارثة شاملة وقد يكون حلا وسطا أحيانا، لكن قد يكون أيضا انتصارا للنفس والشعب الخلاق، وفى هذه الحالة تكون مرحلتنا الانتقالية هى المرحلة التى نعانى فيها آلام المخاض الشديد لحضارة فى طور الولادة، ولأن لا شىء مؤكد فعلى كل الشعب وكل فرد مسئولية جسيمة فى عصرنا هذا غير المتبلور، وهى مسئولية أكبر بكثير من أية مسئولية سابقة وفى عصر غير واضح المعالم وملىء بالاحتمالات يكون لإسهام شعب أو فرد قيمة لا تقدر.

 

 

ثالثا: هناك فارق بين الصرخة وبين تجسيدها على الأرض

 

عندما سأل اليهود النبى يحيى (يوحنا) بن زكريا عن من هو؟ وما هى رسالته؟ أجاب «أنا صوت صارخ فى البرية أعدوا الطريق، كل وطاء يرتفع وكل أكمة تنخفض».

 

لقد كانت ثورة 25 يناير صرخة فى البرية ولكى تتجسد هذه الصرخة على الأرض لابد من إعداد الطريق لذلك التجسد فهناك حفر يجب ردمها وهناك عوائق يجب إزالتها. فى يوم الانتخابات أخذت أسرتى وذهبت للجنة الانتخابات، ركنت سيارتى ودخلنا وبعد أن انتهينا خرجت وإذ بسيارة تسد الطريق وبعد وقوفنا ومعنا أطفال فى الشمس لمدة نصف ساعة جاءت مجموعة من شباب الثورة يعتذرون لأنهم أعاقونا؛ توجهت إليهم وانا أحاول أن أهدئ من نفسى قائلا إن تحرككم ومجيئكم للانتخابات شىء رائع وعظيم، لكن تصرف مثل هذا يجعلنا نقول إننا لم نرتفع بعد لمستوى الحدث العظيم والثورة العظيمة، فالثورة تبدأ بأن أضع الآخر فى وعيى لأنه زميل كفاح ومصير كما كان يحدث فى ميدان التحرير. لا شك أننا نحتاج أن نجسد الثورة على الأرض وهذا لن يتم إلا بالتراكم وليس بالقفزات.

 

إن صرخة الشعب معا ليست مبررا لرفض التدرج والتراكم أى تحويل الكيف إلى كم، بمعنى أن كل خطوة نخطوها مثل إزالة النظام القديم وفيها نردم حفرة ونضع الأساس لنظام جديد ثم انتخاب مجلسى الشعب والشورى، ثم دستور واضح لمصر وانتخاب رئيس جديد، كل خطوة من هذه الخطوات هى «كيف» أى إنجاز لتجسيد الصرخة على الأرض وبضم كل هذه الخطوات لبعضها البعض يتحقق «الكم» أى التراكم؛ وما نقوله هنا من تحويل الكيف إلى كم هو أحد مبادئ التفكير العلمى التى بدونها لا يتم أى نجاح لأى مشروع؛ إن إنتخاب مجلس الشعب خطوة رائعة لكن ممارسات هذا المجلس قللت منها الكثير، وانتخاب الرئيس خطوة لكن طرفى النهاية ليسا من الثورة لذلك نحتاج إلى صبر وجهد ليحدث التراكم المطلوب، إن من أهم ما يجب علينا مقاومته هو ألا تأخذنا الاحتياجات التافهة عن التفكير فى جوهر الأمور وعمق الأشياء، فاللذان صعدا إلى سدة الرئاسة ليتنافسا معا يريدان أن يقولا لنا لقد حققنا ما أرادته الثورة، ولقد جسدنا نحن صرخة الشعب فى 25 يناير وسوف نقوم على حل مشاكل الطوابير والبطالة والمطالب الفئوية.... إلخ، لكن كل هذه الأمور كان يمكن أن تحل فى ظل النظام السابق، لكن الصرخة كانت صرخة حرية ومساواة وعدالة.

 

إن محاولة ترجمة الصرخة إلى سداد الاحتياجات إنما هى أفكار مغشوشة، من مصادر مغشوشة. لم تفكر الثورة يوما أنهم هم الذين سوف يحققون تواجدها على الأرض ويجسدونها للعالم، والمشكلة أن العالم من حولنا يتوق للتعامل مع أى فائز منهما لكى تتم المنفعة والمصلحة وتهدأ الأمور وتسير الحياة والسؤال كيف يستطيع الشعب الصارخ أن يكشف من يحاول إفراغ صرخته من مضمونها؟ والإجابة سهلة، علينا أن نلاحظ لغة الخطاب الذى يوجه للناس ويغازل فيه احتياجاتهم سواء بابتذال التدين وحصره فى الشكل ورفع شعارات تغذى العنصرية بإدعاء التمسك بالتفسير المتشدد للنصوص الدينية وتطبيق الشريعة أو بابتذال الوطنية والمواطنة والأمن مقابل تجنب تحقيق الصرخة التى تنادى بنقلة حضارية جديدة مبدعة فى كل مناحى الحياة المصرية.

 

●●●

 

ترى ما هو واجبنا إذن؟! علينا أن نميز بدقة اللحظة التاريخية التى نعيشها وأن نزج بقدراتنا الصغيرة فى معركة محددة حتى لا نتشتت أو ينجح الآخرون فى تشتيتنا، وكلما كنا على هيئة التيار الذى يدل على الطريق استطعنا أن نعيش الإنسان المصرى فى ارتقائه الصعب غير المؤكد والمحفوف بالأخطار نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات