رحلة في تاريخ فلورنسا المعماري والفني من خلال معاناة الأطفال في عصر النهضة - بوابة الشروق
الأربعاء 25 مارس 2026 8:39 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

رحلة في تاريخ فلورنسا المعماري والفني من خلال معاناة الأطفال في عصر النهضة

منى غنيم
نشر في: الجمعة 9 يناير 2026 - 6:23 م | آخر تحديث: الجمعة 9 يناير 2026 - 6:23 م

تُعد دراسة التاريخ الاجتماعى والثقافى للأماكن والمؤسسات من أفضل الوسائل لفهم تطور المجتمعات الإنسانية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمصائر الأطفال والفئات الضعيفة، ولذا يعد كتاب أستاذ الأدب الإيطالى فى كلية بارد بنيويورك وأحد أبرز الباحثين فى أعمال الشاعر والفيلسوف الإيطالى «دانتى»، جوزيف لوزى، عن مستشفى الأبرياء فى فلورنسا بمثابة نافذة فريدة على عالم النهضة الإيطالية، حيث يلتقى الجمال الفنى بالمعاناة الإنسانية، حيث كشف كيف تداخلت المبادئ الأخلاقية النبيلة مع دوافع عملية قاسية أحيانًا.

وحاول المؤلف - الذى اشتهر بقدرته على إبراز صلة الفن والأدب الإيطالى فى العصور الوسطى المتأخرة وعصر النهضة بواقعنا المعاصر- عبر الكتاب تقديم دراسة موجزة حول مستشفى الأبرياء فى فلورنسا، المؤسسة الأولى فى أوروبا المكرسة لرعاية الأطفال غير المرغوب فيهم، والتى أثارت اهتمام «لوزى» منذ زيارته لها عام 1987 خلال سنة دراسته بالخارج.

وبدأ الكتاب الذى يحمل عنوان «الأبرياء فى فلورنسا» بسرد مؤثر لقصة أول طفل تم تركه عند أبواب المستشفى فى عيد القديسة أجاتا عام 1445، وقد تعرض الطفل للعض من قبل الفئران، مما يعكس واقعًا قاسيًا كان شائعًا فى فلورنسا حينها، حيث شكل الأطفال نصف سكان المدينة، وكان التخلى عنهم ممارسة مألوفة، بسبب ضغوط الكنيسة على الإنجاب ورفضها استخدام وسائل منع الحمل البدائية آنذاك.

وكانت الغالبية العظمى من الأطفال المتروكين إناثًا، حيث فرضت الأعراف الأبوية الصارمة قسوة على النساء والفتيات، بينما كانت الأمهات تعلقن نصف عملة نقدية على الطفل على أمل لم شملهن به لاحقًا، كما ورد عبر صحيفة الجارديان.

ومزج المستشفى، كما أوضح «لوزى»، بين دوافع نبيلة وأخرى عملية أو قاسية، فقد تم تشييده بتمويل نقابة النسّاجين فى فترة كان فيها المساهمة المالية للأثرياء فى الحياة المدنية تقاس وفق حسابات أرباح وخسائر الأعمال، وقد صمّم المعمارى الشهير، فيليبو برونيلسكى، أقواس المبنى، واحتوى على أعمال فنية بارزة لرسامى عصر النهضة، مثل جيرلاندايو وبوتيتشيلى وبيرو دى كوزيمو، بالإضافة إلى لوحات أخوة ديلا روبيا.

ومن خلال رعاية وتعليم الأطفال، ساهم المستشفى فى إنقاذ العديد منهم من الفقر أو التسول أو الاتجار بالبشر، كما ساعد على تقليل وصمة العار المرتبطة بالأطفال غير الشرعيين، كما ساهم فى ترسيخ فكرة أهمية مصير كل طفل، وألهمت مساهمته تلك تأسيس مؤسسات مماثلة عالميًا، مثل مستشفى الأطفال فى لندن عام 1739 بقيادة رجل الأعمال البريطانى توماس كورام.

وانتهج «لوزى» فى هذا الكتاب أسلوب السرد المباشر بعيدًا عن المزج بين المذكرات والدراسة الأكاديمية الذى يميز أعماله السابقة، مكتفيًا بالإشارة بشكل وجيز إلى خلفيته الشخصية فى مجال الرعاية، حيث فقد زوجته الحامل فى حادث سيارة وأصبح أبًا أرمل، وساعدته والدته وأخواته فى تربية ابنته، وهو ما أوجده اهتمامًا عميقًا بموضوع رعاية الأطفال كما رواه فى كتابه السابق «فى غابة مظلمة».

ومن مآثر الكتاب، إنه يغمر القراء فى تصوير سينمائى وحسى لفلورنسا فى أوائل العصر الحديث بكل تفاصيلها المتناقضة بين الجمال والقسوة، فالمستشفى كان يوزع الأطفال على مربيات، غالبًا بطريقة استغلالية تقارب القسوة الاقتصادية، كما كان ينفق التبرعات على الأعمال الفنية الباهظة بينما يكتفى بتقديم الخبز والماء للأطفال، حيث كان الخبز مصنوعًا من نخالة القمح نفسها التى تُعطى للحمير.

وتلقى الأولاد تعليمًا متنوعًا يشمل الرياضيات والبلاغة والموسيقى، بينما تعلمت الفتيات الحياكة، وأُجبرت على حياة الخدمة المنزلية، معرضات بذلك للاستغلال الجنسى رغم علم إدارة المستشفى بالمخاطر.

وسلط الكتاب الضوء على مستشفى الأبرياء كدراسة حالة توضح كيف أن أعظم أعمال الفن المعمارى واللوحات فى عصر النهضة كانت غالبًا تغطى على معاناة البشر والعمالة القسرية واستغلال الأطفال والعبيد، بما يتوافق مع مقولة الناقد الألمانى والتر بنجامين: «لا توجد وثيقة للحضارة لا تحمل فى الوقت نفسه وثيقة للوحشية».

وفى النهاية، قدم «لوزى» فى هذا الكتاب دراسة موجزة لكنها مكثفة، تجمع بين الوصف التاريخى والاجتماعى والتحليل النقدى، لتسلط الضوء على التناقضات الأخلاقية والجمالية فى فلورنسا خلال عصر النهضة، مؤكدًا أن الجمال الفنى غالبًا ما يخفى وراءه قصصًا من المعاناة الإنسانية، حيث إنه لم يستعرض فقط التاريخ المعمارى والفنى لفلورنسا، بل غاص فى تفاصيل حياة الأطفال المتروكين، وتجاربهم المؤلمة، وما خلفته سياسات الرعاية على المجتمع بأسره.

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك