في قلب الأحداث 5.. مذكرات نبيل فهمي: الطريق إلى غزو بغداد - بوابة الشروق
الجمعة 27 مايو 2022 8:22 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

في قلب الأحداث 5.. مذكرات نبيل فهمي: الطريق إلى غزو بغداد

عرض- أشرف البربري:
نشر في: الأحد 16 يناير 2022 - 9:12 م | آخر تحديث: الأحد 16 يناير 2022 - 9:12 م
عمال يابانيون أبلغوا بلادهم بتحرك قوات العراق نحو الحدود الكويتية قبل الغزو

توماس بيكرينج أبلغنى بقلق أمريكا من قبول صدام الانسحاب الجزئى من الكويت دون قتال

المحافظون الجدد سعوا إلى تفكيك الجيوش العربية كأفضل وسيلة لضمان أمن إسرائيل

كولن باول اعترف بتعرضه للتضليل فى ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية قبل الإدلاء بشهادته أمام مجلس الأمن

وفد مصرى يضم أسامة الباز وماجد عبدالفتاح وجمال مبارك سافر إلى واشنطن لتقييم حقيقة النوايا الأمريكية

السياسات الأمريكية تجاه العراق بعد الغزو كانت أسوأ كثيرا من الغزو نفسه

تواصل "الشروق" نشر مقتطفات لصفحات من كتاب "في قلب الأحداث" للدبلوماسي المصري البارز نبيل فهمي، وزير الخارجية الأسبق، والصادر عن دار الشروق.

ويستعرض الكتاب نصف قرن من الأحداث الدولية والإقليمية والوطنية تابعها مؤلفه عن قرب؛ بصفته مواطنًا طموحًا وشاهدًا مباشرًا وممارسًا دبلوماسيًّا ومسئولًا سياسيًّا.

وفي الحلقة الخامسة، نستعرض مقتطفات من شهادة وزير الخارجية الأسبق حول الغزو الأمريكي للعراق.

انطلق العقد الأخير من القرن العشرين بتصاعد التوتر بين العراق والكويت، مع اتهامات قوية للكويت بسرقة النفط العراقى. وشهدت مصر مشاورات مكثفة داخل مؤسساتها الدبلوماسية والأمنية حول كيفية التعامل مع الأزمة. وتضمن ذلك التشاور مع عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المصرية فى الخارج، ومنهم عمرو موسى الذى كان مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، وكنت عضوا فى البعثة فى ذلك الوقت، ومن ثم كنت شاهدا على الكثير من الأحداث.
وفى الليلة السابقة على سفر عمرو موسى إلى القاهرة للمشاركة فى هذه المشاورات، أصر نظيرى فى البعثة اليابانية لدى الأمم المتحدة على عقد اجتماع عاجل معى، ولما كنت منغمسا فى ملفات الأزمات الإقليمية التى نواجهها، فلم أكن متحمسا لمثل هذا الاجتماع بسبب صعوبة التوقيت. ووافقت بعد تردد وعلى مضض على مقابلة الدبلوماسى اليابانى، الذى سألنى بشكل مباشر عما إذا كان صدام حسين سيغزو الكويت قريبا. وفى ظل غياب أى تعليمات مباشرة من القاهرة بشأن هذه القضية، ترددت فى الإجابة على السؤال، لكننى أكدت المخاوف المصرية من تحركات صدام حسين وشرحت جهودنا لمنع نشوب حرب وشيكة.

وسألت الدبلوماسى اليابانى عما جعله حريصا على طرح هذا السؤال بهذا القدر من الإلحاح، ورد بعيون مفتوحة بالقول إن شركات التشييد اليابانية تعمل فى العراق، وقد رأى العمال اليابانيون قوات عراقية كثيرة بعتاد ضخم تتحرك فى اتجاه الحدود الكويتية، بما يتجاوز ما هو مطلوب للتهديد أو التخويف.
وبسرعة شديدة نقلت هذا الكلام إلى موسى قبل سفره إلى مصر، الذى كان فى البداية متشككا فى معلومات الدبلوماسى اليابانى، ومع هذا أرسل برقية عاجلة إلى القاهرة مضمونها هذا اللقاء مع الإشارة إلى أن بعثة مصر لدى الأمم المتحدة ترى أن غزو الكويت أمر وارد وقد يحدث قريبا.
وفى الثانى من أغسطس 1990 غزت العراق الكويت، مدعيا حقوقا تاريخية له فيها، باعتبارها كانت محافظة عراقية فى القرن التاسع عشر. ودعا مجلس الأمن الدولى إلى سحب القوات العراقية فورا من الكويت، لكن العراق رفض الدعوة. وفى يناير 1991 منحت الأمم المتحدة تحالفا عسكريا دوليا بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة مصر وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجى حق استخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت.

التصرفات العدوانية لصدام حسين كانت وما زالت تستحق إدانة شديدة. ورغم أننى لست من مؤيدى نظريات المؤامرة الكبرى فقد لفت نظرى أن الولايات المتحدة كانت منزعجة من محاولات العديد من قادة العالم حل النزاع سلميا. وأتذكر أيضا أنه فى ديسمبر 1990 اقترب منى توماس بيكرينج مندوب أمريكا الدائم لدى الأمم المتحدة، فى قاعة الوفود رغم انشغالى بمكالمة تليفونية لكى يعرب عن قلقه من احتمال موافقة صدام حسين على انسحاب جزئى يعيد قواته إلى 10 كيلومترات فقط داخل الأراضى الكويتية، لأنه سيجعل من الصعب تبرير أى تحرك عسكرى من جانب التحالف الدولى لتحرير الكويت، ولكن صدام حسين لم يستفد من هذه الفرصة، والتى كانت ستجنبه وتجنب العالم العربى كله فوضى هائلة.
والحقيقة أننى فوجئت بأسلوب تدخل بيكرينج ومدى انزعاجه من احتمالية الانسحاب الجزئى. وأيقنت حينذاك أن القراءة الأمريكية للموقف مختلفة وأنهم عاقدون العزم على التصدى لصدام عسكريا، وهو ما نقلته البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة فى نيويورك إلى القاهرة.
وكان عدد من صقور إدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب وعلى رأسهم ديك تشينى وزير الدفاع، يريدون القضاء على قوة العراق نهائيا أثناء تلك الأزمة، لكنهم اصطدموا برفض العديد من الدول وفى مقدمتها مصر لتحويل مهمة التحالف الدولى من مجرد تحرير الكويت إلى غزو العراق وإسقاط نظام صدام. ولما عاد الصقور إلى السلطة مرة أخرى فى إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2001 أصبح تشينى نائبا للرئيس ودونالد رمسفيلد الذى أصبح وزير الدفاع، قرروا استكمال ما اعتبروها المهمة غير المكتملة بغزو العراق والإطاحة بنظام حكم صدام حسين؛ حيث كانت هذه المجموعة المعروفة بتبنيها فلسلفة المحافظين الجدد التى تقوم على أساس استخدام القوة العسكرية للترويج للسياسة الأمريكية والدعم المطلق لإسرائيل والرفض الكامل لأى تقارب بين الدول العربية.
يمكن اعتبار الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، أحد تداعيات الغزو العراقى للكويت قبل ذلك التاريخ بنحو 13 عاما.

وحتى المشككين فى نظرية المؤامرة من أمثالى، لا يمكنهم تجاهل الكثير من التحركات والأنشطة المتعددة على حساب العالم العربى والتى توفر مبررا قويا للاعتقاد بأن هناك تخطيطا واسع النطاق يتم تنفيذه على حساب العالم العربى، خاصة فى ظل إصرار أمريكى على تجاهل الحقائق أو تزييفها. على سبيل المثال، لم تتضمن تقارير المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة التى قدمها رئيس فريق التفتيش «رالف إيكوس» خلال الفترة من 1991 إلى 1997 أى دعم للادعاءات الأمريكية عن استمرار وجود أسلحة كيماوية وبيولوجية لدى العراق، كما أن التقارير التى قدمها هانز بليكس ثم محمد البرادعى مديرا الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التوالى، أكدت أنه لا يوجد دليل على امتلاك العراق برنامج لتطوير أسلحة نووية وقت الغزو. كما أعلن المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سى. آى. إيه) جورج تينت أن الوكالة أخطأت فى القول بأن العراق كان يمتلك مخزونا من أسلحة الدمار الشامل.

والأسوأ من كل ما سبق، جاء عندما تحدث وزير الخارجية الأمريكى كولن باول أمام مجلس الأمن الدولى فى فبراير 2003 من أجل تبرير الغزو المنتظر للعراق؛ حيث أشار إلى خطاب من وزير خارجية النيجر أليلى حبيبو بتاريخ أكتوبر 2000 ويتعلق بشراء العراق لكمية من اليورانيوم، باعتباره دليلا على وجود برنامج عراقى لتطوير أسلحة نووية. ولكن فى نفس جلسة مجلس الأمن كذب محمد البرادعى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية كلام باول، وقال إن حبيبو ترك منصبه كوزير لخارجية النيجر قبل سنوات من تاريخ الخطاب، ومشيرا إلى أن هذا الخطاب مزور. وبعد ذلك بعام وخلال عملى سفير لمصر فى الولايات المتحدة من 1999 ــ 2008 قابلت باول فى مناسبة اجتماعية بعد أن ترك منصبه، وسألته بطريقة غير دبلوماسية، لماذا فعل ما فعله أمام مجلس الأمن، خاصة وأنه شخص «غير قابل للابتزاز» فى ضوء سجله العسكرى المميز ومكانته الخاصة فى المجتمع الأمريكى، فقال إنه «كنت مجهدا وتم تضليلى فى هذا الملف».
شاركت مجموعة المحافظين الجدد داخل الإدارة بفاعلية فى التمهيد لغزو العراق؛ حيث كانوا يرون أن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط هدف استراتيجى سواء لمواجهة المخاطر التى تمثلها الجماعات الإسلامية المتطرفة على الأمريكيين، أو لضمان أمن إسرائيل فى مواجهة خصومها الإقليميين فى العالم العربى، وأن أفضل وسيلة للوصول إلى هذا الهدف هو تفكيك الجيوش العربية القوية، حتى لو لم تكن هذه الجيوش تستهدف إسرائيل فى اللحظة الراهنة. وكان العراق هدفا مناسبا تماما لاختبار هذا السيناريو.
وكان الغزو الأمريكى للعراق إحدى أكثر النقاط إثارة للخلاف بين مصر وإدارة الرئيس الأمريكى جورج بوش. فقبل هذه الفترة زودت مصر العراق ببعض الذخائر أثناء حربه مع إيران خلال الفترة من 1980 إلى 1988 بالاتفاق مع الولايات المتحدة، ورغم ذلك لم يكن الرئيس مبارك معجبا بصدام حسين وكان قلقا تجاهه.

وأتذكر أنه عندما زار الرئيس مبارك واشنطن فى العام الأول لرئاسة جورج بوش الابن عام 2001، عرضت وزارة الدفاع الأمريكية عليه محاكاة لنظام اتصالات والعمل الأمنى الجوى المشترك، على أمل إقناعه بانضمام مصر إليه. وفى أثناء العرض ظهرت خريطة لا تحمل اسما باعتبارها مسرحا للهجوم الذى تجرى محاكاته. وبعد ذلك وعندما ركبنا سيارة الرئيس، قال مبارك لى باستهجان هذا المسرح يشبه بشدة أراضى العراق، وقد كان هذا انطباعى الأول أيضا.
بالتأكيد كان الغزو الأمريكى للعراق معدا بشكل مسبق سواء على الخرائط أو فى التقارير والدراسات، وأتذكر لقاء مبكرا مع نائب الرئيس الأمريكى ديك تشينى قبل أول جولة شرق أوسطية له فى مارس 2002؛ حيث أكدت أهمية الصراع العربى الإسرائيلى والحاجة إلى المضى قدما فى تسويته، وفوجئت برد تشينى الصريح والمباشر، بأن التركيز سيكون على العراق، وهو ما كان مؤشرا واضحا عما هو قادم وأن الإدارة الأمريكية لديها خطة مسبقة لضرب صدام حسين والعراق.
فى أوائل خريف 2002 وقبل حوالى ثمانية أشهر من الغزو الأمريكى للعراق، أرسلت برقية رسمية إلى القاهرة من السفارة فى واشنطن تؤكد أن الولايات المتحدة ستغزو العراق قبل ربيع 2003. وأوضحت أن حجم وتكوين القوات العسكرية الأمريكية المنتشرة فى دول الجوار العراقى، تعطى مؤشرات مهمة على أنه يتم التجهيز لهذا الغزو وأن الطقس الحار فى الصيف فى العراق، سيعرض التحرك بحلول الربيع على أقصى تقدير. كما أرسلت تقريرا مهما يقيم مدى تأييد المحافظين الجدد لهذا الغزو وخلفياتهم وأيديولوجيتهم.
واتصل بى وزير الخارجية فى ذلك الوقت أحمد ماهر، وقال لى إننى معروف بالهدوء فى مواجهة الضغوط، لذلك فإنه فوجئ هو والرئيس مبارك بهذا التقييم المتوتر الذى أرسلته، فقلت للوزير إننى لست قلقا ولا متوترا وإنما واضحا وصريحا، كما يجب أن يكون عليه حال أى شخص فى مثل هذا المستوى الدبلوماسى، وبخاصة فى ضوء خطورة هذا الموضوع، وكان ماهر رجلا مجادلا لا يقبل آراء الغير بسهولة وإنما كان أيضا شديد الذكاء، فتراجع الوزير قليلا وسألنى عن مدى تمسكى بهذا التقييم وطلب الاستماع مرة أخرى إلى مبرراتى، وقد استندت فى تقييمى على قراءتى للسياسة الأمريكية، إلى جانب مصادرى من المسئولين المدنيين والأمنيين.
كما كنت مدركا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية ستكون عاملا حاسما فى تحديد توقيت وطبيعة العملية، ورغم أن وزارة الدفاع الأمريكية يقودها مدنيون، فإن الضباط العاملين لهم تأثير رئيسى عند اتخاذ القرارات التى تتعلق بتوقيت وطبيعة العمليات العسكرية، ومن خلال مشاهداتى وما كنت أسمعه فى واشنطن، أتذكر أننى أخذت بشكل خاص بتعليق من جانب عضو مجلس الشيوخ ريتشارد لوجار من ولاية إنديانا، وهو صديق مقرب وخبير فى مجال الحد من التسلح والأمن القومى؛ حيث قال إنه عندما يصل عدد القوات الأمريكية المنتشرة فى الدول المجاورة للعراق إلى أكثر من 100 ألف جندى، فلا يمكنها العودة إلى معسكراتها فى أمريكا دون شن عملية عسكرية بشكل ما.
وكتب تومى فرانك قائد القيادة المركزية الأمريكية فى مذكراته أن الرئيس مبارك أبلغه أن صدام حسين لديه أسلحة بيولوجية، كما أن الملك عبدالله الثانى ملك الأردن حذر من تعرض القوات الأمريكية للقصف بالأسلحة البيولوجية من جانب القوات العراقية.
فى المقابل فإن مبارك أبلغنى أنه لم يقل شيئا صريحا فى هذا الشأن، وقد يكون بالفعل قد حذر من احتمال استخدام العراق لأسلحة الدمار الشامل إن كانت لديه، خاصة وأنه سبق له استخدامها فى الحرب ضد إيران وضد الأكراد فى الشمال العراقى، لكن الأمريكيين اعتبروا أن التحذيرات المصرية والأردنية بمثابة رسالة لتأكيد امتلاك العراق أسلحة كيماوية رغم أنها لم تتضمن أى معلومة قاطعة بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
ومع اقتراب الربيع، أصبحت حتمية حدوث الغزو الأمريكى غير العقلانى للعراق أمرا بديهيا. فطبول الحرب تصاعدت، والإدارة الأمريكية رفضت الانتباه إلى مخاوف حلفائها، بما فى ذلك فرنسا وألمانيا عضوا حلف شمال الأطلسى (ناتو) الذين عارضوا فكرة الغزو. وفى مؤتمر قمة شرم الشيخ بمصر انقسمت الدول العربية حول القضية؛ حيث عارضت الأغلبية بما فيها مصر الهجوم المنتظر، وقدمت الإمارات العربية المتحدة اقتراح اللحظة الأخيرة خلال القمة بأن يتنحى الرئيس صدام حسين عن السلطة، مقابل توفير ملاذ آمن له. وبعد ذلك يمكن للعراق المضى قدما فى المسار السياسى. ورغم أن هذه المبادرة كانت حسنة النية، وكان يمكن أن تمنع من الناحية النظرية اشتعال الحرب، لكن السياسيين المتمرسين فى ذلك الوقت كانوا يدركون استحالة تخلى صدام حسين عن السلطة بطريقة سلمية، واستحالة تراجع جورج بوش عن خططه الحربية. ولم تحظَ المبادرة الإماراتية بأى مناقشة جادة من الأطراف العربية المشاركة فى اجتماع شرم الشيخ، بل لم توزع رسميا على المشاركين فى الاجتماع.
ورغم تأكيد الإمارات العربية المتحدة أنها مبادرة إماراتية تماما وتستهدف تجنيب منطقة الخليج ككل والعراق بشكل خاص تداعيات الغزو الأمريكى الوشيك، فإن الأحداث والتحركات الدولية أثارت شكوكا قوية حول مصدر هذه المبادرة وقال البعض إنها كانت خطة أمريكية فى الأساس.
كسفير لدى واشنطن، تم تكليفى بإبلاغ الإدارة الأمريكية بأن مصر لا تؤيد الغزو وبقائمة من الأمور الواجب مراعاتها وتجنبها إذا حدث الغزو، منها أهمية ضمان استقرار هياكل الدولة بما فى ذلك الجيش العراقى، حتى فى حالة الإطاحة بقياداته العليا.
ومع اقتراب الغزو الأمريكى للعراق، أرسل الرئيس حسنى مبارك وفدا إلى واشنطن من أجل تقييم الموقف لآخر مرة، رغم تأكيده المتكرر على أن تقييمى يبدو قريبا من التحقق. وكانت صحة وزير الخارجية المصرى تتدهور حينذاك، لذا تشكل الوفد من السفير أسامة الباز مستشار الرئيس، وسكرتير الرئيس للمعلومات ماجد عبدالفتاح ونجل الرئيس جمال مبارك. وقبل أن تبدأ الزيارة كلفنى مبارك برئاسة الوفد رغم وجود الباز لاعتبارات صحية، وتمسك بأن يكون اسم نجله الأخير فى قائمة أسماء أعضاء الوفد وهو قرار حكيم من ناحية البروتوكول. وأبلغته بأننا سنعالج مشاركة نجله فى الوفد بالطريقة التى طلبها خاصة وأنه لا يشغل أى منصب رسمى. إنما أضفت أن أسامة الباز كان دبلوماسيا مرموقا عندما التحقت بوزارة الخارجية لأول مرة منذ عقود لذلك فإننى أفضل منحه رئاسة الوفد، ورد مبارك بقدر من الحدة «لا يهمنى كيف ترتب الأمور وإنما أنت وليس أسامة المسئول لأنك سفيرى. كما أنك ستبلغنى بالنتيجة»، واستغللت هذا التوجيه لإعطاء أسامة مكان الصدارة فى الجلوس، مع عدم التردد فى التدخل لضبط الأمور كلما لزم الأمر، والقيام بإعداد وتقديم التقارير للرئيس.
وعقد الوفد المصرى عدة اجتماعات مع الأمريكيين وبخاصة مع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية وبول ولفويتز نائبها، وأعاد الوفد تأكيد معارضة مصر للغزو فى الوقت الذى قدم فيها قائمة طويلة بما يجب مراعاته إذا ما كان الغزو واقعا لا محالة.
رغم أن رايس كانت أكثر نشاطا وتستفسر منا عن العديد من الأمور بأسئلة تفصيلية فقد راعت عدم كشف النوايا أو القرار الأمريكى. كان اللقاء مع ولفويتز أكثر فائدة بالنسبة لى ويعكس الاختلاف فى المواقف والتوجهات الاستثنائية بين أعضاء الإدارة الأمريكية. فرغم أن ولفويتز كان هادئا ومتحفظا ويستمع باهتمام ويتحدث قليلا، لدرجة أن الأمر بدا وكأنه وافق على استقبالنا من باب المجاملة السياسية أو الواجب الوظيفى فقط، فاستخلصنا من سكوته أن الولايات المتحدة عقدت العزم بالفعل على القضاء على صدام حسين، وأنه غير مهتم بالاستماع إلى أى حجج بشأن قرار الحرب من عدمه، أو حتى الخطوات التى يجب مراعاتها إذا اتخذت هذه الخطوة. وخرجت من هذا اللقاء واثقا أن الحرب على الأبواب.
ومع تقدم الاجتماع، دخل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بشكل مفاجئ، وشعر الوفد المصرى بما فيه أنا بالدهشة، وبعد مجاملات سريعة نظر إلىَّ وقال «سعادة السفير، ألا تستطيع مصر إخراجه؟» فهمنا أنه يعنى صدام حسين لكننا لم نفهم على وجه اليقين ما يقصده بكلمة «إخراجه»؛ حيث يمكن أن يفسر التعبير بالإنجليزية أيضا إخراجه من الساحة أى القضاء عليه. كانت واقعة وزير الدفاع الأمريكى فى توقيت مهم للغاية؛ حيث كان وزير الخارجية كولن باول يقدم تقريره أمام مجلس الأمن الدولى فى نيويورك، ودعا رامسفيلد الوفد المصرى إلى غرفة جانبية لمتابعة جلسة مجلس الأمن عبر شاشة التلفزيون، ونظر نحونا كما لو كان يجب أن نقتنع بالموقف الأمريكى ضد العراق.

بمجرد أن غادرنا مبنى البنتاجون، نظر أعضاء الوفد المصرى نحوى بدهشة وسألونى «هل ما زلت تعتقد أنهم سيتجهون إلى الحرب خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فى حين ما زالت كل تلك الأسئلة معلقة فى الهواء لم تجد إجابات؟». كنت واثقا من صحة قراءتى للموقف، فى الوقت نفسه بدأت أشعر بقلق متزايد من أن الولايات المتحدة لا تمتلك خطة جيدة لمرحلة ما بعد الحرب التى تتجه نحوها بغطرسة وجهل، ودفع الشرق الأوسط وبخاصة العالم العربى ثمنا باهظا للكارثة التى كانت على الأبواب.

فى يوم 20 مارس 2003 غزت أمريكا العراق، لم يكن هناك شك فى أن القوات الأمريكية ستهزم القوات العراقية، لكن السؤال كان يتعلق بحجم الخسائر الحتمية فى صفوف المدنيين العراقيين، إلى جانب الخسائر التى ستتعرض لها منطقة الشرق الأوسط ككل.
وكانت السياسات الأمريكية تجاه العراق بعد الغزو أسوأ كثيرا من الغزو نفسه، وكلاهما كان كارثيا وغير عقلانى على أقل تقدير، فقد تم تفكيك كل مؤسسات الدولة فى العراق بدلا من إصلاحها، كما تم حل الجيش العراقى وتسريحه بأسلحته، ثم تشكل نظام سياسى طائفى، وتم تشكيل سلطة تنفيذية وفقا لصيغة مصطنعة لتقاسم السلطة بين مختلف مكونات المجتمع العراقى العرقية والطائفية والدينية.

بالتأكيد كانت الخطة الأمريكية لإعادة بناء العراق بعد الغزو كارثية، وبخاصة قرار حل الجيش العراقى واجتثاث حزب البعث الحاكم والمماطلة فى نقل السلطة إلى العراقيين. فقد وفرت هذه الخطة البيئة المناسبة لنمو بذور الطائفية والانقسامات، وتمدد الكيانات غير الرسمية فى البلاد، بما فى ذلك تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش» الإرهابى. كما أدت الخطة إلى اختلالات إقليمية واضحة لصالح دول غير عربية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، فى الوقت الذى أدت فيه إلى انتشار سرطان الطائفية فى نسيج الدول العربية فى مناطق الخليج والشام. وما زال الشرق الأوسط يدفع ثمن هذه الكارثة بعد مرور أكثر من عقد ونصف عليها.


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك