دعوات التقشف المسمومة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 1:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


دعوات التقشف المسمومة

نشر فى : الأربعاء 4 يناير 2017 - 9:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 يناير 2017 - 9:10 م
ما زال النظام الرأسمالى يضطرب عبر التاريخ بدورات اقتصادية حتمية يراها أكثر المتعصبين للرأسمالية خاصية لصيقة بها، لكن المرور عبر تلك الدورات صارت ضريبته مرتفعة على المجتمع مع اتساع النشاط الاقتصادى وتعقده، وسرعة تعاقب تلك الدورات المرتبطة بسرعة تدفق المعلومات فى الأسواق.

الدعوة إلى اتخاذ الحكومات إجراءات للتقشف دائما ما تحضر عند تعاقب الدورات الاقتصادية، لكن التطبيق التاريخى لتلك الإجراءات، والأساس النظرى الذى استندت عليه يؤديان إلى سبيل واحد.. هو رفض إجراءات التقشف كبديل للخروج من الأزمات الاقتصادية، بل اتهامها بتعميق الأزمة وإطالة أمد الدورة الاقتصادية. هذا على الأقل ما ذهب إليه «مارك بليث» فى كتابه «التقشف: تاريخ فكرة خطيرة» الصادر عام 2013 عن مطابع جامعة إكسفورد.

منذ نشأة علم الاقتصاد الحديث فى نهاية القرن الثامن عشر وربما قبل ذلك بقرون ــ إذا عدنا إلى مقدمة ابن خلدون ومؤلفات المقريزى مثلا ــ والخلاف محتدم بين الداعين إلى تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى، وبين الداعين إلى الأيدى الخفية و«دعه يعمل دعه يمر»، وظلت حدود وآليات التدخل الحتمى للدولة فى أعقاب انتصار النظرية العامة لكينز موضوع خلاف الاقتصاديين حتى اليوم، وظلت معضلة شهيرة تحكم علاقة الرأسماليين بالدولة مضمونها: «لا نستطيع أن نحيا معها ولا بدونها، ولا نريد أن ندفع لها شيئا».

فى إطار ذلك الاختلاف نشأ خلاف آخر حول إجراءات الدولة للخروج من الأزمات، ومدى الضرر الذى يمكن أن تسببه لو أنها تدخلت لإنقاذ قطاع ما أصبح انهياره حتميا، لأن المؤسسات والقطاعات أيضا تموت، وفى موتها استمرار النظام الرأسمالى، حيث سرعان ما تبعث البدائل، وتقام على أنقاضها مؤسسات وقطاعات أكفأ، تضطلع بمسئوليات ومهام تلك التى حان أجلها.

النظام الرأسمالى بات يعرف داءه جيدا، لكن القائمين عليه كثيرا ما يصفون الدواء الخطأ الذى من أعراضه الجانبية زيادة معدلات الفقر، والدين العام، وارتفاع أسعار الفائدة ومعدلات التضخم والبطالة.. وسائر أعراض الركود التضخمى الذى أصبح مرض العصر فى الدول النامية.

***

الوصفة التى ينصح بها صندوق النقد الدولى ومن ورائه نسبة الواحد فى المائة المتحكمة فى شئون اقتصاد الدول والمتراكم فيها الثروات ورؤوس الأموال، عادة ما تكون اتخاذ إجراءات تقشفية! ويقصد بها إجراءات خفض الإنفاق العام، وزيادة معدلات الضرائب على الدخل، ودعم القلة المقرضة على حساب الغالبية المقترضة من خلال قرارات إعفاء ضريبى ومساعدات للبنوك والمؤسسات الكبرى المتضررة من الوضع الاقتصادى.. إلخ.
لذا لا أتعجب أن يتبنى بعض الإعلاميين من أصحاب الدخول المليونية، وغيرهم من كبار المنتفعين بأراضٍ وامتيازات الدولة خطابا عنيفا ينهر الشعب ويبكته من أجل تحمل إجراءات التقشف التى تتبناها الدولة بل تدعوهم إلى فرض التقشف على أنفسهم وذويهم فيما يخص ميزانية الأسرة! يتناسى هؤلاء تزايد معدلات الفقر لتناهز ثلث السكان وفقا للبيانات الرسمية، وتتخطى ذلك بكثير وفقا لخط الفقر العالمى. لم ينتبهوا إلى أن معدلات النمو المستهدفة محفزة أساسا بالاستهلاك، وأن أى تقشف يعنى تراجع معدلات النمو وهكذا تنبأت مؤسسة فيتش أخيرا وغيرها من مؤسسات تصنيف ترى عدم واقعية معدلات النمو المستهدفة. لم ينتبهوا إلى أن الدورة الاقتصادية التى نمر عبرها هم أهم أسبابها، وأن ما حصلوا عليه من امتيازات وإعفاءات ضريبية وغير ضريبية من جيب دافعى الضرائب كان سببا فى تراكم الثروة واختلال توزيعها وزيادة الدين العام ومن ثم عجز الموازنة العامة بصورة مزمنة، واتجاه الدولة إلى طباعة النقود، لتتراجع قيمة العملة ويصل التضخم إلى 20.2% سنويا وفقا للمعلن رسميا، دون حافز حقيقى للإنتاج، فى ظل أسعار فائدة كبيرة تثبط الاستثمار وتحول المعروض النقدى إلى تضخم خالص.. هؤلاء الداعون إلى التقشف، الزاعمون أن الله يعاقب الشعب! يعلمون أن الخروج من الأزمة يجب أن يأتى من حيث صنعوها، لا بإجراءات تقشفية تزيد من حدتها وتطيل أمد الدورة الاقتصادية، فى محاولة يائسة لإنقاذ كيانات غير منتجة على حساب ملايين الضحايا، الذين يفقدون وظائفهم، وقليل مدخراتهم، ويعجزون عن الاستهلاك المعتاد والحفاظ على مستويات معيشتهم الراهنة، ناهيك عن التطلع إلى تحسين تلك المستويات.

***

كيف يكون الحل إذن؟ تقشفت أيرلندا واتبعت وصايا صندوق النقد، وضخت 70 مليار يورو فى البنوك المتعثرة على خلفية انفجار فقاعة عقارية وائتمانية فى نهاية 2007، فزادت معاناتها، وارتفعت معدلات البطالة (من 4.5% إلى 14.8% بين عامى 2007 و2012)، وانكمش الاقتصاد بمعدلات وصلت إلى ــ6.99% عام 2008 وحقق الناتج القومى الإجمالى معدلات سالبة حتى بعد بدء انفراج الأزمة عام 2011 لأن الامتيازات الضريبية التى منحتها أيرلندا للشركات جذبت شركات عابرة للجنسيات، فأقامت مراكزها فى دبلن، لكن تدفقات أموالها لم تكن تدور داخل الاقتصاد الأيرلندى، وارتفع الدين العام إلى الناتج المحلى من 37% عام 2007 إلى 108% عام 2012، وخضعت رقاب المواطن والحكومة للترويكا التى تحكمت فى اقتصاد أيرلندا خلال الأزمة وحتى اليوم.. فى المقابل لاقت أيسلندا ظروفا مشابهة، وكان حجم أصول البنوك عشر أضعاف الناتج المحلى ومع هذا فقد تركت أيسلندا بنوكها المتعثرة لتفلس! تركتها لتلقى مصيرها الحتمى ولم تنقذها بضخ المليارات فيها بما يتبع ذلك من إجراءات تقشفية يدفع ثمنها المواطنون.

اختارت أيسلندا زيادة الإنفاق الحكومى، وزيادة فرص العمل والحرص على تحقيق رفاهة المواطن، كى ينفق ويحرك الاقتصاد. تحسن الاقتصاد الأيسلندى بسرعة، وتراجعت معدلات البطالة والتضخم وتحسنت معدلات النمو بسرعة غير متوقعة. على الرغم من كون الاقتصاد الأيسلندى معتمدا على البنوك بنسبة أكبر بكثير من نظيره الأمريكى والأيرلندى.

***

فى مصر يبدو الوضع معكوسا ــ ظاهريا ــ لأن البنوك هى التى تدعم الحكومة من ودائع المواطنين ومدخراتهم! البنوك تقرض الحكومة بشراء سندات وأذون الخزانة حتى بلغ الدين العام المحلى ما يقرب من 100% من الناتج الإجمالي!. هذه الديون المتراكمة يزيد من أعباء خدمتها الارتفاع الكبير فى أسعار الفائدة، والذى قصد به امتصاص الآثار التضخمية لقرارات السياسة النقدية الأخيرة وفى مقدمتها التعويم، وقرارات السياسة المالية ومن أبرزها فرض ضريبة القيمة المضافة، ورفع التعريفة الجمركية على كثير من السلع، وتحريك أسعار الوقود، ورفع الدعم جزئيا.. وسائر القرارات ذات الطابع التقشفى التى تحملها المواطن منفردا.

لن تستمر البنوك فى إقراض الحكومة بغير سقف، خاصة مع توقف الأخيرة عن السداد، لكن البنوك تحقق أرباحا ورقية على أية حال، وهى أرباح تنفث هواء عطنا فى فقاعة مصرفية كبيرة تتضخم حاليا بشكل غير مسبوق، خاصة مع تراجع حجم الودائع المصرفية، وعدم اضطلاع البنوك بدورها كوسيط بين أصحاب العجز وأصحاب الفائض، وكمحول كفء للمدخرات إلى استثمارات. فإذا كانت الحكومة لن تستثمر إلا فى حدود ضيقة، وتتقشف فى إنفاقها الاستهلاكى، ومن ناحية أخرى يتقشف المواطن مضطرا أو مختارا تحت وطأة القرارات السابق الإشارة إليها، والخطاب الإعلامى المنحرف والمتحيز! فسوف يأتى الدور على المصارف لا محالة كى تطلب العون من الحكومة ومن البنك المركزى، وقد تبتلع المليارات لإنقاذها بغير طائل، بينما تطبع الدولة البنكنوت لسداد الديون وحماية المصارف من شبح الإفلاس، والنتيجة ارتفاع غير مسبوق فى المستوى العام للأسعار.

حينها ستقف الدولة أمام أحد خيارين: إما مزيد من التقشف الذى أثبتنا فشله عمليا ونظريا، أو ضرائب تقدمية تستهدف الثروات، وتفرض لمرة واحدة على أولئك الذين صنعوا الأزمة بادئ الرأى، وكذلك ضرائب على تسييل الأصول وخاصة ديون الدولة، وقيود على تدفقات رؤوس الأموال خارج مصر capital control، مع محاولة استعادة ثروات البلاد المنهوبة فى ملاذات ضريبية، خاصة تلك التى خرجت عبر قنوات غير شرعية، والمزيد من جهود وقف نزيف الهدر والفساد، وهى جهود جديرة بالإشادة أبطالها جهات رقابية على رأسها هيئة الرقابة الإدارية.

بقى أن أنوه إلى أن الدعوة إلى فرض ضرائب تصاعدية هى حق أريد به باطل، لأن الدولة لا تفرض تلك الضرائب إلا على دخل العمل دون رأس المال، ولا ترى فى القطاع غير الرسمى أى ممولين يمكنهم توسيع القاعدة الضريبية، فتكون النتيجة مزيدا من الضغوط على الملتزمين، وتمتع المتهربين بجنة ضريبية.

أصحاب دعوات التقشف المسمومة يعرفون أن فرض ضريبة كبيرة على ثرواتهم لمرة واحدة يمكنه إخراجنا من الأزمة الراهنة، لذا يريدون صرف الانتباه عن تلك الثروات بوضع المواطن الفقير فى مرمى النيران.
مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات