الدراجة والتابلت - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 12:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

الدراجة والتابلت

نشر فى : السبت 4 يوليه 2015 - 11:15 ص | آخر تحديث : السبت 4 يوليه 2015 - 11:15 ص

طُلِبَ مِن أطفالٍ أربعة لا يعرف أحدهم الآخر تمنّى أشياء يرغبون فى الحصول عليها، هدية تأتيهم مِن حيث لا يحتسبون، عابرة حواجز الفقر، ومُتخطية ترتيب الأولويات الذى تحرص عليه غالبية العائلات متوسطة الحال. هم أربعة مِن الأطفال؛ صبيان وصبيتان فى أعمار متقاربة لا تتجاوز الثلاثة عشر عاما؛ ثلاثة منهم طلبوا أن تكون الهدية المنتظرة «تابلت»، أى ذاك الجهاز الإلكترونى الصغير الذى يغرق الناس فى شاشته لساعات، أما الصبى الأخير فطلب دراجة، وبدا بطلبه هذا غريبا عن المكان والزمان.

أول ما خطر ببالى أن الصبىّ عتيق الأفكار مقارنة بزملائه، «دقة قديمة» بالتعبير الدارج، وقد اكتشفت أنه أصغرهم عمرا إذ لم يتعد الأحد عشر عاما. تمعنت فى التفاصيل والمبررات التى صاغها الحالمون بالتابلت: شرح الصبى الأول سبب حاجته إليه، فذكر قراءة القصص والروايات، ومعرفة معلومات كثيرة عن العالم، ودافعت إحدى الصبيتين عن التابلت قائلة إنه ضرورى لتصوير ذكرياتها مع أصدقائها، ولالتقاط صور المناظر الطبيعية خلال الرحلات المدرسية التى تحبها.

الصبية الثانية كانت أكثر حنكة، فقدمت فى البداية مبررا لا يمكن مراجعتها فيه: تريد «تابلت» لتذاكر عليه. أضافت لاحقا أنها ترغب فى الاتصال بأصدقائها عبر الفيس بوك، وفى حفظ مناظر وخلفيات متنوعة لمساعدتها فى تنمية هواية الرسم.

قال طالب الدراجة الوحيد إنه يريد أن يعلب بها مع أبناء الجيران، وأن يستخدمها فى الذهاب إلى المدرسة مع زملائه. ذكر فى جملة اعتراضية أنه سيصبح طيارا فى المستقبل ليزور بلاد العالم.

***

تذكرت بعد أن نحيت الدهشة الأولى جانبا كم لعبت صغيرة بالدراجة، وكم عدوت وراء الكرة، وكم اخترعت مِن ألعاب ومسرحيات يجتمع فيها أطفال البناية التى أقطنها والبنايات المجاورة، وقضينا معا ساعات طويلة ممتعة، نتحرك فى حماسة دون كلل. مرت سنوات وصار الجهدُ البدنى عبئا كبيرا، ينفر منه الكبار والصغار على حد سواء. لا يريد أحدٌ أن يبذل حركة زائدة عن الضرورات، لا يريد أحدٌ أن يتزحزح مِن قعدته ليأتى بكوب ماء، لا طفل يتقافز مرحا كما فى عهود ماضية.

الرءوس مُنكّسة، والأعناق مَحنية، والشاشات الصغيرة تبتلع الأشخاص مهما كبرت أحجامهم. تضاؤل الجهد البدنيّ وكسل الأجساد صحِبه خمولٌ للعقول، فتدفّق المعلومات والانفعالات يخنقُ أى محاولة لإخراج فكرة ولو بسيطة. يبدو أن كثيرا مِن الناس باتوا يعانون شللَ التفكير عبر الوسائط الإلكترونية، شللَ القدرة على الإبداع. الصبيّ قد لا يكون غريبا كما انطبع فى ذهنى. نعم، الصبى قد لا يكون غريبا إلا لأنه تمكّن مِن الحفاظ على طبيعة البشر الاجتماعية، وسط جموع الأشخاص المتجمدين، المتوحدين بالشاشات على اختلاف أنواعها وإمكانياتها.

***

أنّبت نفسى على السخرية التى انتابتنى لوهلة مِن فكرة الدراجة، فقد بدا لى الصبيّ بعد تأمل قصير مُتسقا مع نفسه، قادرا على اتخاذ المبادرة التى تتفق مع أحلامه، وخططه، وتصوارته لمستقبل يتمناه. رغبة الصبى تعنى أنه لا يريد أن يكتفى بمشاهدة العالم، وتلخيصه على المستطيل الصغير، بل يفضل أن يستكشفه بذاته. تعنى أنه لا يريد أن يأتى العالم إليه فى مكانه، بل يطمح أن ينتقل هو إليه، وأن يتفاعل معه فى الواقع، وأن يختبره بحواسه كلها، بذراعيه وساقيه قبل العينين والأذنين.

الصبى لا يزال قادرا على كسر قيود الشاشات الكئيبة التى تقيدنا جميعا داخلنا، وتربط أصابعنا بها، وتشد أعيننا إليها، وتحصر مجال رؤيتنا فى مستطيل صغير مضىء، وتحجب عنا فيما تحجب سماء مفتقدة، وجلسات صفاءٍ مع النفس، ومسامرات مع آخرين ننعزل عنهم ونغترب. تفور أدمغتنا بانفعالات وقتية عنيفة؛ فرحة أو غضب أو اشمئناط وضيق، ونظل سجناء راضين، ننتظر لحظة خلاص تردنا إلى الأرض وترد إلينا بعضا مِن العقل.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات