الضرائب بين دعاة التخفيض ودعاة الزيادة! - محمد يوسف - بوابة الشروق
الأربعاء 8 يوليه 2020 11:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الضرائب بين دعاة التخفيض ودعاة الزيادة!

نشر فى : السبت 8 ديسمبر 2018 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 8 ديسمبر 2018 - 7:35 م

الحديث عن الضرائب هو بطبيعته حديث مُنفر. لأن الضرائب تشكل عبئا ماليا يتحمله الممولون، وعليهم أن يقتطعوها من دخولهم ويدفعوها جبرا للخزانة العامة للدولة، كمساهمة منهم فى تحمل الأعباء العامة والاجتماعية. ومادامت الضرائب تشكل عبئا ماليا على مموليها، فيجب أن يتوزع عليهم هذا العبء بعدالة اقتصادية واجتماعية صارمة.
وفى التطبيق العملى، تنقسم الضرائب لأنواع وصنوف شتى، منها العادل، ومنها دون ذلك. إلا أن التقسيم المُفضل لدينا عن عدالة الضرائب يجعلنا نصنفها لنوعين: ضرائب مُبصرة، وأخرى عمياء. فعندما يراعى النظام الضريبى ثروات ودخول الممولين وقدراتهم على الدفع، تصبح الضرائب التى ينتجها مُبصرة. أما إذا لم يأخذ هذ النظام فى حسبانه قدرات هؤلاء الممولين، ولم يفرق بين إمكانياتهم فى تحمل عبء الضرائب، نصبح أمام نظام ضريبى غير عادل، كونه ينتج ضرائب عمياء!
***

إن الصراع بين العدالة الاجتماعية وبين الكفاءة الاقتصادية قديم قدم النشاط الاقتصادى للإنسان. فحاملو لواء الكفاءة الاقتصادية يعتقدون يقينا أن الكفاءة وحدها هى التى ستحقق العدالة. وهم يغضون الطرْف عن أى مظاهر للظلم الاجتماعى، باعتبارها المرارة التى يتعين تجرعها حتى يشفى الاقتصاد من أسقامه، والتى تنتج ــ فى رأيهم ــ حين تغيب هذه الكفاءة. أما أنصار العدالة الاجتماعية، فهم على النقيض من ذلك تماما. إذ يرون أن الوصول للكفاءة الاقتصادية، لن يحدث دون عبور الاقتصاد على جسر العدالة الاجتماعية. ويرون كذلك أن التضحية ببعض مقومات الكفاءة ضرورة حتمية لكى يرفل الناس فى مجتمع عادل.
ولكن، ما علاقة مثل هذا «الصراع السرمدى» بموضوع الضرائب، وتحديدا، قضية زيادة معدلات الضرائب أو تخفيضها؟ للإجابة عن هذا السؤال، سآخذك قارئى العزيز فى رحلة سريعة للماضى القريب. ففى مطلع ثمانينيات القرن الماضى، أعلن الرئيس الأمريكى «رونالد ريجان» برنامجه لإدارة الاقتصاد. وقد بُنى هذا البرنامج على المنطق الاقتصادى القائل بأن النزول بالضرائب على أرباح الشركات للحدود الدنيا، كفيل بأن يُزيد من قدرات هذه الشركات ــ ومن ثم قدرات الاقتصاد الأمريكى ــ على التراكم والنمو. وعندما تنمو الشركات، ستتساقط آثار هذا النمو على الأفراد من قناتى الانخفاض فى الأسعار والتوسع فى الوظائف. فالكفاءة الاقتصادية إذن تأتى من النزول بمعدلات الضرائب، لا من التصاعد بها.
على أن المنطق الكامن وراء هذه الفلسفة الضريبية، والداعى لتخفيض الضرائب، يعنى أنه حتى لو أُضيرت العدالة مؤقتا، كنتيجة للتخلى عن معيار العدالة الضريبية القائل بأن الضرائب تفرض على المنتفعين والقادرين (وهم فى حالتنا الشركات)، فإن هذا الضرر سرعان ما سيزول، بعدما يتساقط خير الأغنياء فى جيوب الفقراء، فيما عرف حينها بـ«أثر التساقط TrickleــDown Effect». لكن الرياح أتت بعد ذلك بما لا تشتهى السُفن. ذلك أن العديد من الدراسات التى رصدت التطورات فى مؤشرات الاقتصاد الأمريكى خلال الفترة «الريجانية»، وبحثت فى جدوى السياسات الضريبية التى طبقت آنذاك، وقيمت نتائجها الاجتماعية، أثبتت أن «ماكينة التساقط» مُعطلة، وأن جيوب الفقراء والعمال الأمريكان لم يطرأ عليها تغير يذكر، وأن الوعود البراقة التى صاحبت الدعاية الصاخبة لفكرة التساقط، لم تجد سبيلها للتحقق.
وإذا كانت «ماكينة التساقط» تلك لم تتمكن من الدوران فى حالة الاقتصاد الأمريكى، على الرغم من تمتعه بالعديد من المقومات التى كانت كفيلة بدورانها؛ فكيف يمكن لنا أن نتوقع أن نفس هذه الماكينة ستعمل فى الدول النامية إذا خفضت معدلات الضرائب، أو تركت معدلات هذه الضرائب منخفضة، فى ظل معاناة هذه الدول من العديد من المشكلات التى ستزيد من أعطال تلك الماكينة؟!
خذ هنا مثلا مشكلة غياب القوانين والتنظيمات الاقتصادية الضامنة لحقوق الأطراف ذات العلاقة بالشركات فى أغلب الدول النامية، وتردى فاعلية القائم منها. فعندما يمنح القانون تخفيضا ضريبيا للشركات، لن يتساقط أثر هذا التخفيض على زيادة حقوق العمال؛ لأنك لن تجد فى المقابل قانونا فعالا يحافظ على حدود دنيا للأجور، ولا يربط بين معدلات الغلاء وبين معدلات الزيادة السنوية فى هذه الأجور. كما أن التحايل على قوانين التأمين على العمالة، وعلى حصة العمال فى الأرباح المحققة، تفقد العمال جزء أصيل من حقوقهم لدى الشركات التى يعملون بها. وزد فوق ذلك أن التخفيض الضريبى الممنوح للشركات ليس ضامنا وحده زيادة قدرات هذه الشركات على النمو، وعلى خلق فرص عمل جديدة. إذ إن خلق فرص عمل جديدة نتيجة التوسع فى الإنتاج، يتحدد، فى المقام الأول، بعوامل تخص أحوال الطلب على إنتاج هذه الشركات فى الأسواق.
وبغياب القوانين والتنظيمات التى تراعى تنمية حقوق الدولة فى مواردها الطبيعية الناضبة، تستطيع الشركات التى تستخدم هذه الموارد أن تستأثر بكل تخفيض ضريبى فى شكل زيادة أرباحها المحققة، ودون أن يتساقط جزء من هذه الأرباح على مالكى هذه الموارد. ويمكن أن تقول مثل ذلك على حقوق الأطراف الأخرى ذات العلاقة بالشركات بخلاف العمال والحكومة، كعملاء الشركة ومورديها وجزء من مالكى أسهمها.. إلخ.
***
ومما هو جدير بلفت الانتباه فى هذا الخصوص، أن ضعف الوعى الاقتصادى لدى أغلب الشركات المحلية العاملة فى الدول النامية، يجعلها تحجم عن نقل جزء من الفائض الذى تولده بفعل التخفيض الضريبى إلى الأطراف ذات العلاقة بها، وخصوصا العمال. والوعى الاقتصادى الذى نقصده هنا، هو إدراك إدارة الشركة بأن كل تحسن فى أحوال عمالتها ومستويات أجورهم الحقيقية، وكل تحسن فى البيئة الاقتصادية التى تعمل فيها، سيزيد من ولاء هذه العمالة، وسيحسن من إنتاجيتها، وسيرفع من الطلب الإجمالى فى السوق، وبما يعود عليها بالنفع المباشر والمستدام. وبسبب طغيان حوافز الربح السريع لدى معظم الشركات المحلية، تقل فاعلية سياسة تخفيض الضرائب فى تحسين الأوضاع الاقتصادية الكلية فى الاقتصاد، ويتعطل جزء مهم من «ماكينة التساقط».
وكما نعلم، فإنه فى ظل تردى المناخ الاقتصادى العام فى معظم الدول النامية، وبسبب مخاطر غياب الاستقرار النقدى والمالى عنها، تتركز أنشطة الشركات الأجنبية فى القطاعات سريعة دوران رأس المال (المولات التجارية والأنشطة المالية أوضح مثال)، وتحجم هذه الشركات عن بناء خطط مستقبلية للتوسع والنمو، وتنتهز كل فرصة لتحويل أرباحها للخارج. وإذا أضفنا لذلك وجود معاملة ضريبية تفضيلية للشركات الأجنبية فى معظم القطاعات الاقتصادية بالدول النامية، من باب تحفيزها على القدوم والتوطن، فإن السمات السابقة تقيد عملية التساقط المتوقع من أنشطة الشركات الأجنبية العاملة فى هذه الدول.
وعلى أى حال، فلقد سارت العديد من الدول النامية فى «الطريق الريجانى»، اعتقادا منها بأن التخفيض فى المعدلات الضريبية، سيقلل من مسببات التهرب الضريبى من الشركات، وسيوسع من مظلة الضرائب، وسيزيد، بالتالى، من الحصيلة الضريبية الإجمالية؛ وهو الهدف الأساسى التى تسعى وراءه دائما (لاحظ أن السياسة الضريبية فى مصر اعتمدت هذا النهج فى العام 2005).
وكما يتوقع القارئ الآن، فإن بيانات البطالة والأجور والنمو الاقتصادى فى الدول النامية التى اتبعت هذه الفلسفة الضريبية، لم تقدم أدلة دامغة على عملية التساقط المزعومة، وبما يؤكد أن «ماكينة التساقط» غير موجودة من الأساس فى تلك الدول. وإذا أضفنا لذلك أن الجهد الضريبى للاقتصاد النامى (نسبة حصيلة الضرائب لإجمالى الدخل الوطني)، لم يشهد تحسن مستدام نتيجة تطبيق هذه الفلسفة، فإن كل دولة نامية خفضت معدلات الضرائب على الشركات، تكون بذلك قد أضاعت على نفسها موردا ماليا مهما، وتكون قد قدمت خصما مجانيا ودون مقابل للفئة القادرة على تحمل عبء هذه الضرائب، وخصوصا من فئة الشركات التى لا تعمل فى أنشطة مفيدة للتنمية الصناعية والزراعية المستدامة.
***
ولئن كان التحليل السابق يثبت لنا أن تخفيض الضرائب على أرباح الشركات لا يساقط ثمارا طيبة على الاقتصاد النامى؛ فهل يعنى ذلك أن زيادة الضرائب فى هذه الدول هو الحل؟!
نحن نعتقد أن زيادة معدلات الضرائب يمكنها أن تفيد النمو الاقتصادى فى الدول النامية؛ لكننا، وبكل تأكيد، لا نقصد هنا زيادة جميع أنواع الضرائب. ففى ضوء ظروفها الاقتصادية الخاصة، يتعين على كل دولة نامية أن تحدد بدقة أى نوعية من الضرائب التى يجب زيادتها، وما هو المعدل الأمثل لهذه الزيادة، والتى ستختلف من دولة لأخرى، وستختلف من وقت لآخر داخل الدولة الواحدة. ومع دعوتنا لزيادة معدلات الضرائب، فإننا نُخرج الضرائب على الإنفاق (مثل ضريبة القيمة المضافة فى حالة الاقتصاد المصرى) من نطاق هذه الدعوة. فلأن هذه النوعية من الضرائب تقع على كاهل المستهلكين فى السوق، ولأنها لا تفرق بين قدرات هؤلاء المستهلكين على تحمل عبئها، فهى بالتالى تندرج ضمن تصنيفنا للضرائب العمياء. إذا أنها لا تضر بمعايير العدالة الاجتماعية فحسب، بل هى تثبط النمو الاقتصادى الإجمالى كذلك.
لكل ذلك، فإن دعوتنا لزيادة معدلات الضرائب تنحصر فى أربعة أنواع من الضرائب. أولها هى الضرائب على حيازة واكتناز الثروات بجميع أشكالها؛ وثانيها هو الضرائب على أرباح الأنشطة التجارية والعقارية والمالية منخفضة القيمة المضافة؛ وثالثها هو الضرائب على المكاسب الرأسمالية القدرية، والتى ترتفع مع ارتفاع معدلات التضخم فى الاقتصاد؛ ورابعها هو الضرائب الجمركية على الواردات من السلع والخدمات الترفيهية. فزيادة معدلات الضرائب على هذه الأوعية الضريبية الأربعة كفيل بزيادة الجهد الضريبى للاقتصاد النامى، ويمكنه أن يقلل من الغبن الاجتماعى القائم فى هذه الاقتصادات، ودون أن يضر ببواعث الاستثمار والتشغيل فيها
****
على بينة من التحليل السابق، نرى أنه من غير المقبول أن تتحدث أى دولة نامية عن معاناتها من قصور إيراداتها الضريبية عن مواكبة نفقاتها العامة، أو أن تبحث عن بدائل اقتصادية خارجية للتصدى لمشكلة العجز فى موازنتها العامة، مادامت لم تعطِ لقضية تعبئة ممكناتها الضريبية الأهمية التى تستحقها؛ وإلا سينطبق عليها قول الشاعر العربى الفصيح: كالعيس فى البيداء يقتلها الظما .. والماء فوق ظهورها محمول!
خبير اقتصادى

محمد يوسف أستاذ الاقتصاد المساعد
التعليقات