نجيب محفوظ وموقفه من السلطة - جلال أمين - بوابة الشروق
السبت 15 يونيو 2024 3:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

نجيب محفوظ وموقفه من السلطة

نشر فى : الثلاثاء 9 سبتمبر 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 9 سبتمبر 2014 - 8:00 ص

كان لنجيب محفوظ موقف متميز من السلطة الحاكمة يختلف اختلافا بينا عن موقف معظم الكتاب والأدباء والمشهورين من المصريين. وهو موقف ينطوى على توفيق ناجح فى رأيى، بين نظرة المصرى التقليدية والمتوارثة إلى حكامه، وبين شعور الكاتب بالكبرياء واحترام النفس. أعتقد أن نجيب محفوظ كان فى هذا الموقف أيضا، يبدى درجة عالية من الحكمة، كالتى كان يبديها فى كثير من تصرفاته الأخرى.

كان نجيب محفوظ، مثل معظم المصريين، يشعر برهبة الحاكم وبقدرته الواسعة على الإضرار به أو الانعام عليه كما يحلو له، وهو شعور ربما كان له ما يبرره فى مصر أكثر مما له فى معظم بلاد العالم. إنها ظاهرة فرعونية بلا شك، ولابد أن لها أسبابا تاريخية وجغرافية سحيقة فى القدم، وقد توارثها الفلاحون المصريون، أبا عن جد، وجيلا بعد جيل، ولم تحظ مصر للأسف، فى تاريخها الطويل، بما يكفى لإضعاف هذا الشعور من جانب المصرى نحو حكامه، ولا شعور الحكام نحو الشعب المصرى. كثيرا ما أتذكر صورة معينة نشرتها الصحف لنجيب محفوظ وهو واقف فى مكان مكشوف، فى يوم شديد البرودة، ليستقبل رئيس الجمهورية عند وصوله لافتتاح معرض الكتاب الدولى واللقاء مع المثقفين. ظهر نجيب محفوظ فى الصورة محتميا بمعطفه السميك، وقد انحنى برقبته انحناءة خفيفة جدا، وهو يمد يده لمصافحة الرئيس، ولكن كانت على وجهه ابتسامة مشرقة كعادته وكأنه مبتهج حقا بلقاء الرئيس. قلت لنفسى إن كاتبا مثل عباس العقاد لم يكن ليقف مثل هذه الوقفة، ولكننى لم أشعر بأى ميل للوم نجيب محفوظ وذلك بسبب ما أعرفه عن شخصيته وآرائه ومواقفه. لقد رأى نجيب محفوظ نفسه واقفا لمصافحة فرعون مصر، وفرعون مصر يجب تقديم الاحترام الواجب له (هكذا يشعر نجيب محفوظ) مهما كانت صفاته الشخصية أو عيوبه أو عمره أو درجة ثقافته. والرئيس على أى حال جاء للقاء المثقفين المصريين وتكريمهم، فلا بد أن يقابل هذا العمل بما يستحقه.

ولكن فلتفحص أى تصريح صدر من نجيب محفوظ، أو أى مقال كتبه فى مناسبة سياسية أو غير سياسية، فلن يمكنك أن تجد أى شيء يشبه النفاق أو أى تملق لحاكم أيا كان. ومحفوظ، على أى حال، رغم أنه يدرك الأهمية الشديدة للسياسة والسياسيين فى تحقيق تقدم مصر أو تخلفها، ويتتبع الأخبار السياسية باهتمام شديد، لا يحب الخوض فى أى حديث مباشر فى السياسة، ولو مع أقرب المقربين. لم يكن هذا قطعا من قبيل احتقار السياسة، بل كان مدفوعا بأمرين: الأول حماية النفس من التهلكة، والثانى الحرص الشديد على أن يهيئ لنفسه الظروف اللازمة لاستمرار إنتاجه الأدبى. كانت الكتابة الأدبية هى الهدف (ربما الوحيد) من حياته، وقد قال مرة انه يشعر بأن الموت سوف يجيئه متى توقف عن الكتابة. ان رجلا كهذا يشعر بأن عليه أن يحمى نفسه من أى شىء قد يعوق استمراره فى الكتابة، سواء كان العائق من جانب السلطة أو من أقرب الأقارب.

قد يبدو من المدهش مع هذا، الأهمية التى تحتلها السياسة فى كتاباته، فهى لا تكاد تختفى أبدا حتى من أكثر أعماله حميمية، ولكنها دائما كتابة أدبية. من السهل أن تكتشف من قراءة ما يكتبه نجيب محفوظ ما يعجبه وما لا يعجبه من السياسات، ولكن من الصعب أن تتخذ منها دليلا قاطعا على معارضته لنظام معين فى الحكم أو لشخص معين من الحكام. هكذا نجد مثلا روايته «ثرثرة فى النيل» ورواية «ميرامار» اللتين نشرتا فى حياة عبدالناصر، وقد تناولت الأولى حالة الاغتراب التى يعانى منها المثقفون، (مما أثار عليه غضب المشير عبدالحكيم عامر وتهديده له)، ووجهت الثانية نقدا شديدا للديكتاتورية، ولكنهما فى نهاية الأمر «قصتان»، لا يمكن أن تتخذا كأساس لإدانة الكاتب ومعاقبته.

ربما كان هذا هو السبب فى أن عبدالناصر، وان كان قد أبدى لنجيب محفوظ الدرجة الواجبة من الاحترام، فإنه لم يظهر له من المودة ما كان يظهره لتوفيق الحكيم مثلا. كان توفيق الحكيم أقل استعدادا لتعريض نفسه لغضب السلطة، ولم يكن لديه الدافع القوى للتعبير عما لا يرضى عنه فى النظام السياسى، مثلما كان لدى نجيب محفوظ. كان محفوظ بلاشك أكثر اهتماما بالقضايا الاجتماعية والقومية من الحكيم، كما كان أكثر إدراكا منه لما يمكن أن يكون للنظام السياسى من أثر فى تحقيق التقدم أو التدهور فى هذه الميادين. وكان هذا الاهتمام وهذا الإدراك حافزين قويين لدى محفوظ لتناول النظام السياسى فى كثير من رواياته، وان لم يتجاوز قط الخطر الذى كان يمكن أن يتعرض بعده للاعتقال.

على العكس من ذلك، التزم الحكيم بدرجة أعلى من الحرص فى كتاباته الأدبية وغير الأدبية، ولكنه نشر بعد وفاة عبدالناصر كتابا قاسيا فى نقد نظامه تحت عنوان «عودة الوعى» الذى أثار غضبا شديدا لدى محبى عبدالناصر وأنصاره، واعتقد أيضا أنه أثار بعض التحفظ لدى نجيب محفوظ عندما قرأه قبل نشره، ولعله كان يفضل ألا يقوم الحكيم بنشره. فقد ذكر محفوظ فى حديثه لرجاء النقاش (فى كتاب: نجيب محفوظ، صفحات من مذكراته، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1998، ص248)، ان الكتاب «كان فى عهد عبدالناصر، وهى وجهة نظر مناقضة لما عرف عن علاقة الحب التى ربطت بينهما منذ قيام الثورة. كان الزعيم الذى حلم به الحكيم فى (عودة الروح) هو عبدالناصر، وكان لدى عبدالناصر نفس هذا الإحساس، لذلك أكرم الحكيم دائما وأحبه، ومن هنا كانت صدمة (عودة الوعى)».

كان نجيب محفوظ يشعر بالامتنان لنظام عبدالناصر بسبب إجراءاته الاقتصادية وما فعله للفقراء، ولكنه لم يكن ممن يمكن ان يغفروا له الديكتاتورية. كان محفوظ ينتمى إلى جيل يعشق سعد زغلول ومصطفى النحاس عشقا، ويؤمن إيمانا عميقا بالديمقراطية السياسية، ولم يكن على استعداد (مثلما كان جيلى مثلا) لأن يتغاضى عن القيود المفروضة على الحريات فى سبيل تحقيق التقدم فى مجال العدالة الاجتماعية. وأظن أن جيلى قد أصبح الآن، بعد أن رأى ما رآه، أكثر تفهما لموقف هذا الرجل العظيم.

جلال أمين كاتب ومفكر مصري كبير ، وأستاذ مادة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ، من أشهر مؤلفاته : شخصيات لها تاريخ - ماذا حدث للمصريين؟ - عصر التشهير بالعرب والمسلمين - عولمة القهر : الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر.
التعليقات