من داخل الجنازة الرسمية - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الجمعة 13 مارس 2026 9:01 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

من داخل الجنازة الرسمية

نشر فى : الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 9:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 9:50 م
«لكن أنا مش من هنا.. أنا من وطن تانى.. لا مال ولا جاه ولا غنى.. ده كله عالم فانى»

هذا الجزء من الترتيلة هى بعض ما سمعته من أهالى ضحايا التفجير الإرهابى الذى أودى بحياة ٢٣ مصريا قبطيا وأصاب العشرات صباح الأحد الماضى.

فى الحادية عشرة من صباح أمس الأول الاثنين ذهبت إلى النصب التذكارى للجندى المجهول المواجه للمنصة، للمشاركة فى التشييع الرسمى الذى نظمته الدولة المصرية.

كان الموعد المتفق عليه للتجمع هو الحادية عشرة والنصف. ذهبت مبكرا خوفا من الزحام المتوقع. لكن التشييع بدأ عمليا بعد الثانية ظهرا واستمر نحو نصف ساعة، بعد ان جاءت جثامين الشهداء من إحدى كنائس مدينة نصر.

فى السرادق المنصوب فى الجانب المجاور للنصب التذكارى للجندى المجهول وأمام المنصة، كان هناك معظم فئات الشعب المصرى، وكان ملفتا أن العدد الأكبر لرجال الدين الإسلامى والمسيحى على حد سواء.

خلال الانتظار الطويل قبل مجىء الجثامين انهمك الكثيرون فى تحليل الحادث، وتخيل سيناريوهاته المختلفة، لكن أحدا لم يتطرق إطلاقا لفرضية التفجير الانتحارى، وسار الجميع وراء الفرضية التى تسربت عقب الحادث وهى أن سيدة زرعت قنبلة فى ركن السيدات.

الزميلة سامية زين العابدين المحررة العسكرية المعروفة ونائب رئيس تحرير المساء، تحدثت إلى أحد أعضاء لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، وقالت له: «حرام عليكم هؤلاء هم الإرهابيون الذين تريدون الإفراج عنهم». بعض الزملاء الإعلاميين قاموا بتهدئة الزميلة سامية الذى اغتال الإرهابيون زوجها العميد عادل رجائى منذ أسابيع فى حى العبور.

وصلت الجثامين وبدأت المراسم، وكان عدد المدعوين كبيرا. كنت قريبا جدا من أسر الضحايا وكانوا فى مؤخرة الصفوف على الجانب الأيمن. الغضب كان باديا على الجميع والحزن أيضا، جميعهم يطالب بالقصاص وليس ترديد الكلمات والشعارات. سمعت كلمات كثيرة غاضبة، وقدرت أنها شعور إنسانى طبيعى لا ناس فقدوا أعز أحبائهم.

سمعت صوت سيدة شبه منهارة تقول بصوت عال: «كنت عايزها يا نبيل» فى إشارة إلى إحدى الضحايا التى لحقت بقريبها. وفتاة عشرينية تنتحب بحرارة وتقول: «رايحة عروسة.. هو عايزها» تقصد المسيح بالطبع. وفجأة تطلق سيدة أخرى زغرودة كبيرة.

وبعد ذلك بدأت جميع السيدات فى تلاوة تراتيل كنيسة كما فهمت من إحدى عضوات مجلس النواب كانت تسير بجوارى، استطعت أميز منها عبارة تقول: «يا ابنى اطمن لا تخاف.. أنا يسوع حامى الخراف»، وفى كل مرة كان منسوب الغضب يتزايد، كان أحد رجال الدين يتدخل للتهدئة، أو إحدى السيدات تقول بصوت عال: «يارب» والجميع يهتف وراءها مسلمين ومسيحيين، باعتبار أن المصاب يخص الجميع وليس فقط المسيحيين كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته المرتجلة عقب نهاية العزاء الرسمى. انتهى العزاء الرسمى، وهو رسالة مهمة بأن الدولة بأكملها وليس فقط الحكومة أو الرئاسة تقف مع الضحايا فى مصابهم الجلل.

وأظن أن كشف الرئيس لاسم الانتحارى والقبض على بعض المتهمين قد يخفف قليلا من حالة الحزن. لكن أتمنى أن تلاحظ السلطات المختصة فى أى مناسبات كبرى تقام فى هذا المكان، حجم الغضب فى نفوس سكان مدينة نصر والذين يستخدمون هذه الطرق والأماكن.

ورغم ذلك، فظنى الشخصى أن هذه الجنازة وما صاحبها من تصريحات الرئيس خففت إلى حد كبير من الاحتقان العارم. هى لن تجعل الضحايا ينسون المصاب الأليم، الحل ليس الغضب الأهوج، بل التفكير الهادئ والمدروس حتى لا نحقق للإرهاب بالغضب ما لم يستطع أن يحققه بالتفجير.
عماد الدين حسين  كاتب صحفي