تحت الكوبري - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 18 يونيو 2021 11:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

تحت الكوبري

نشر فى : الجمعة 14 مايو 2021 - 10:00 م | آخر تحديث : الجمعة 14 مايو 2021 - 10:00 م
كثيرةٌ هي الكباري التي تمّ إنشاؤها في الآونةِ الأخيرةِ. بعضُ الأحياءِ صارت كباريها أكثر مِنْ شوارعها وميادينها أقلّ مِنْ مطالعها ومنازلها. غرض الكوبري تسهيلُ الحركةِ وعبور تقاطعات لن يفيد منها السائرُ في اتجاه مباشر مستقيم، لكنّ بعض الكباري المستحدثة لم يُفهم حتى الآن الغَرَضُ مِنْ تشييدها.
***
تحتَ الكوبري ظهرت محالٌ ومقاهي ومطاعم. سلاسلُ شهيرة وأخرى مجهولة، بعضُها فخم والبعضُ الآخر متواضع. بدأ الأمر بسيطًا ثم تفاقَمَ، تراصت الكراسي متجاورة، لا يُعرف إن كان الجمعُ الجالسُ عليها كتلةً واحدةً؛ مَجموعة مِنْ الأصحاب يتسامرون سويًا، أم أشخاصٌ فرادى مستقلون شاء الحظُ أن يضعهم متلاصقين كأنهم توائم.
***
محال تحتَ الكوبري مزدحمة بزبائنها ليل نهار؛ وإن تضاعف العددُ في الأمسيات بحكم درجات الحرارة المُتصاعدة وشروط الصيام النهاري لمن أراد. العابرُ أمام المحال أغلب الأوقات؛ يَعجزُ عن الإنصات لما سوى صيحات ونقاشات المتحلقين حول مناضد صغيرة؛ تظهرُ بينَهم بالكاد. الكل يتكلم في وقتٍ واحدٍ؛ فتختلط الكلمات وتتداخل ويصبح الفصلُ بينها عسيرًا. قد يُجيب شخصٌ عن سؤال تطاير في الأجواء ولم يكن موجهًا إليه، وقد تعلّق واحدة على رأي وصَلَها عن غير قصد لا تدري من قاله، والمحصّلة النهائية مَحفل كبير خارج عن سيطرة الضيف والمضيف.
***
الحق أن التقاء الأصدقاء والصديقات، وتبادُل الأخبار والأفكار والدعابات؛ سلوكٌ اجتماعيٌ أصيلٌ صعب الصدِ والردِ، عصيٌ على الاستغناء، لا تحل محلّه مواقع التواصل الاجتماعية ولا حتى المهاتفات المباشرة؛ قصيرة كانت أو مطولة، إذ يحمل التفاعل وجها لوجه عوامل جذب قوية تدفع المرءَ نحوها متناسيًا السلبيات ومتجاوزًا عن التبعات. رغم هذا؛ فإن انتقاءَ مكانٌ حافلٌ بأنواع الصخب والضوضاء على اختلافها، مُحاط بزمامير العربات، مُشبع بأدخنة العوادم والسجائر وما في حكمها، مَدفون تحت بناء ضخم يرتج بما فوقه؛ لأمرٌ من العجب بمكان، ولو لم يكن هناك كائن دقيق متربص بفرائسه، لكان العجب على الدرجة نفسها؛ فمستجلبات السرور ودواعي الانبساط؛ صعبة التحقق في ظل هذا الضجيج المرعب والتزاحم المثير للضيق.
***
لم أكن أبدًا من دُعاة المغالاة في الاحتراز، أو في توخي الحيطةِ والحَذر بما يحيل الحياة جحيمًا؛ لكن المشهد تحت الكوبري تجاوز ما تصورت وتوقعت. إزاء احتمالات التقاط العدوى والمرض، ينهجُ الجالسون مَنهج التحدي، وفي مواجهة مخاطر الإصابة المتصاعدة، يقامرون بصحتهم عبر ثلة من السلوكيات ينكرها العقل في الأحوال الطبيعية. صدَرت التعليمات من جديد بإغلاق الأماكن المَفتوحة ومن بينها المنتزهات والشواطئ، سألت نفسي إن كانت مقاهي وحوانيت تحت الكوبري في حُكم المفتوحة أم المغلقة، لكني لم أصل لإجابة قاطعة، ولم أُرهق نفسي بجولة للاستطلاع، ففوق كل قرار تتفتح ثغرة، ومع كل أمر صارم تتولّد وسائل التحايل، والقُدرة على المراوغة عند شعب تخطى من النوازل والخطوب ما لا حصر له، وعايش عصور احتلال قاسية دامت قرون، هي قدرة لا يقف أمامها شيء.
***
إذا أحسّ الناسُ بصدقِ النوايا ولَمَسوا شفافية في التعاطي مع الواقع، ورغبة حقيقية في التدارك والإصلاح؛ لقاموا من تلقاء أنفسهم بما يليق، لكن الحال ليست كهذا، والاختيارات تأتي من جنس العمل، ولا تُعدم التبرير.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات