عن فؤاد قنديل وروايته الرائعة - جلال أمين - بوابة الشروق
الأحد 21 أبريل 2024 4:09 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عن فؤاد قنديل وروايته الرائعة

نشر فى : الثلاثاء 14 يوليه 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليه 2015 - 9:25 ص

عندما سمعت فى الشهر الماضى بوفاة الروائى فؤاد قنديل فجأة، أثار الخبر دهشتى وحزنى. الدهشة لأننى لم أسمع أو أقرأ عن مرض ألم به، والحزن، رغم أننى لم أعرفه عن قرب، بل التقيت به مرات قليلة لقاءات عابرة، بسبب ما كنت قد قرأت له من قصص جميلة، وظللت أتوقع منه عملا جديدا رائعا مثل أول رواية قرأتها له: «روح محبات».

صدرت هذه الرواية لأول مرة فى سنة ١٩٩٧، أى منذ ثمانية عشر عاما، عن المركز المصرى العربى، وتفضل بإهدائها إلىّ رغم أننا لم نكن قد التقينا قط. كانت هذه الرواية السبب فى لقاءات تالية بيننا، وظللت أشيد بها منذ ذلك الوقت، كلما جاء ذكر فؤاد قنديل.

عندما سمعت بوفاة مؤلفها كنت قد نسيت تفاصيلها وتطور أحداثها، فيما عدا شيئا واحدا لا يمكن نسيانه، إذ إنها تقوم على علاقة خيالية تماما، وغير مألوفة بتاتا، ولكنها، لهذا السبب نفسه، ضمنت للقارئ رواية مشوقة جدا، إذ يظل القارئ متلهفا على معرفة كيف يمكن ان تتطور هذه العلاقة الغريبة، وما يمكن أن تنتهى إليه. ولكن هذا وحده، رغم انه مكتوب ببراعة، لم يكن ليضمن فى رأيى هذا التميز للرواية، الذى جعلنى ولا أزال اعتبرها من أفضل ما قرأت فى الأدب المصرى الحديث.

وجدت على غلاف الرواية ثناء عليها من واحد من أكبر نقاد الأدب فى مصر (الدكتور على الراعى)، وصفها فيه بأنها تمكن من «النفاذ إلى روح الحياة والإنسان». كما اعتبرها أستاذ مرموق للأدب العربى (الدكتور رشيد العنانى) «من أفضل ما كتب بالعربية فى هذا الفن فى جيل ما بعد يوسف إدريس». ولكننى للأسف لم أحصل على نقد الدكتور الراعى أو الدكتور العنانى كاملا، ولا على أى نقد آخر لهذه الرواية، حتى من بين ما كتب عن فؤاد قنديل فى أعقاب وفاته. علىّ إذن أن أحاول بمفردى اكتشاف سر هذه الرواية الفريدة.

* * *

على الرغم من أن الرواية يمكن أن يعتبرها بعض القراء مجرد حكاية مسلية، غريبة ولكنها مشوقة، لاشك عندى فى أنها رواية فلسفية. إننى لا أبنى هذا الرأى فقط على غرابة العلاقة التى تقوم عليها الرواية: علاقة الحب والعشق، بما فى ذلك العلاقة الجنسية، بين امرأة وديك جميل تملكه، بل وبين هذا الديك نفسه وبين عدد كبير من نساء وفتيات القرية، مما يوحى بأن المؤلف يرمى إلى معانى أخرى غير المعانى الظاهرة. بل أبنى هذا الرأى على أمور أخرى.

فقبل أن تبدأ الرواية، يقتطف المؤلف فقرة من كتاب مشهور اسمه (الغصن الذهبى The Golden Bough) لعالم اسكتلندى رائد من علماء الانثروبولوجيا، هو (جيمس فريزر James Frazer)، ونشر فى ١٨٩٠. يقول فيها: «مرت فكرة الإنسان عن الإله بخمسة أطوار، كان أحدها المذهب الطوطمى، حيث تتخذ القبيلة فيه طائرا أو حيوانا معبودا وراعيا يحميها من غضب الطبيعة وعدوان البشر أو الحيوان. وكان السائد فى الأذهان.. الاعتقاد بأن القبيلة وطوطمها الذى اختارته، من طبيعة واحدة.. أى أن أسلاف القبيلة ترتد إلى هذا الحيوان أو الطائر. فإذا اتخذت قبيلة ما الغراب طوطما لها، فذلك لأن الغراب التقط قوقعة، وأن القوقعة تحولت إلى امرأة.. واقعها الغراب، ومن هذا القران انحدرت العشيرة. ولم يكن الانتساب إلى الطوطم ــ طائرا كان أو حيوانا ــ ينفى الطبيعة الإنسانية للفرد».

ويضيف فؤاد قنديل إلى ذلك قوله هو «عذرا.. فكلما نبت فى خاطرى شعور بالميل نحو القطرة يتمرد العقل، يوقد نار الجدل حول العلاقة بينهما: العقل والفطرة، المدينة والبدائية، الفكر والغريزة.. تنتابنى الحيرة، إلى أيهما أنحاز، فأنا هما معا، وكلاهما يأبى أن أكون كذلك».
المؤلف يشعر إذن بأنه، على الرغم من عمر الإنسان الطويل، منذ أن ترك عالمه البدائى الأقرب إلى عالم الحيوان، ورغم تاريخه الطويل فى مضمار الحضارة، لم يتخل الإنسان قط عن نوازعه البدائية. فإذا بهذه الزوجة الريفية (محبات)، التى تتوق إلى الإنجاب دون أن يحالفها الحظ فى ذلك، تشعر بالألفة والحب، إلى درجة العشق، نحو طائر جميل، وتسمح له بأن يواقعها، المرة بعد المرة، من وراء ظهر زوجها، فإذا بها تحصل على الطفل المنشود، وإن كان طفلا له بعض الشبه بالديك، إذ لا تتكون يده من خمسة أصابع بل أربعة، ويصل بين صدره وذراعيه غشاء جلدى لا يوجد فى الجسد البشرى.

الإنسان والطائر ليسا إذن كائنين متميزين تمام التميز. ولكن هناك أيضا إيحاء بالعلاقة القوية بين الجسد والروح، أو بين الجسم المادى للإنسان وبين مشاعره. ففى الرواية إشارات إلى أن محبات لا تحب زوجها فى الحقيقة. ومن ثم فقد يكون عجزها عن الإنجاب مصدره خلو قلبها من المشاعر إذا كانت مع زوجها. فهل يمكن أن تكون هناك علاقة بين المشاعر التى أثارها فيها هذا الديك، ولم يثرها فيها زوجها، وبين واقعة الإنجاب المادية؟ بل وهل يمكن أن يكون سبب نجاح الديك فى تحقيق الأمل فى الإنجاب، لدى كثيرات من نساء القرية وفتياتها، هو نجاحه فى إثارة مشاعر الحب فى قلوبهن؟ هل نأخذ خطوة أخرى فنقول إن الوقوع فى حب الديك، هذا الشعور الذى انتشر بين نساء القرية، رمز لما ينطوى عليه القلب الإنسانى من مشاعر لا تتفق دائما مع ما يظهره؟

لقد خامر رشوان (زوج محبات) الشك فى أن الديك هو منافسه الحقيقى، ففعل كل ما يستطيع للتخلص منه. ثم ثار غضب عام فى القرية عندما تكرر الأمر فى أسرة بعد أخرى، حتى أنه ظهرت عشر حالات ولادة فى بيت العمدة وحده، حيث أقام الديك أطول مدة. «كانت بناته يخفين الديك، ولم يعرف العمدة بأمره إلا بعد أسبوع وبالمصادفة.. تجمع الرجال بعد أن أيقنوا بأن الفاعل واحد ووحيد ومحدد. احتشدوا أمام دوار العمدة، وكل منهم يحمل عصا غليظة..».

ولكن القصة لم تنته بقتل الديك (إذ هل يمكن أن تقضى على مشاعر الناس الحقيقية وإن اضطروا إلى إخفائها؟) لقد استطاع الديك أن يهرب، فإذا بالقرية تقيم تمثالا كبيرا ومهيبا له. لقد تخلى أهل القرية عن اعتباره جانيا أو مجرما، بل اعتبروه مجرد وسيلة بريئة، وإن لم تكن مفهومة تماما، لتمكين المرأة العاقر من الإنجاب. أصبح النساء الراغبات فى الإنجاب يأتين إلى التمثل للتبرك به، ثم شيئا فشيئا أصبح يأتى إليه للتبرك «من يريد أن ينجح فى الامتحان، ومن يريد الفوز فى الانتخابات، ومن يطلب رضا المحبوب، ومن يود أن يتخلص من خصومه الأشرار، ومن يطلب عملا أو سترا أو صحة.. وبعد سنوات قلدت قرى أخرى كثيرة قرية محبات، وأقاموا الأضرحة الرمزية للديك المهيب الغريب...».

ولكن الرواية تنتهى نهاية أبعد من هذا فى الرمز إلى وحدة الوجود. فالإنسان والحيوان والجماد ليست أشياء مختلفة بالدرجة التى نتصورها. فالذى حدث للديك أنه طار مبتعدا عن القرية «وانطلق فى السماء.. علا وعلا ميمما وجهه شطر قرص الشمس المودع. ضرب الأجنحة بقوة وواصل الصعود نحو البؤرة البرتقالية المهيبة. كان قرص الشمس يكبر ويحمر ويصفو، تخايل جبينه أطياف الرضا بالنهاية. هبط الديك على القرص. ظل باسطا إلى أقصاهما جناحيه. عانقه. اتحد به.. وما لبث العرف الأحمر أن ذاب.. وسال نهر أحمر، وانتشر على القرص الذى كان يوالى هبوطه فى بحار المدى البعيدة».

جلال أمين كاتب ومفكر مصري كبير ، وأستاذ مادة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ، من أشهر مؤلفاته : شخصيات لها تاريخ - ماذا حدث للمصريين؟ - عصر التشهير بالعرب والمسلمين - عولمة القهر : الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر.
التعليقات