الطريق إلى الديمقراطية - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأربعاء 11 ديسمبر 2019 5:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الطريق إلى الديمقراطية

نشر فى : الأحد 14 ديسمبر 2014 - 8:10 ص | آخر تحديث : الأحد 14 ديسمبر 2014 - 8:10 ص

رغم كل الإحباطات المسيطرة على التيارات السياسية والاجتماعية الداعمة للتغير والديمقراطية بفعل ما بدا واضحا من تراجعات على مستويات متعددة، خاصة فى مسارات العدالة وحقوق الإنسان والحكم المدنى، إلا أن تذكير الجميع بأننا فى مرحلة انتقال قد يكون هاما ليس من أجل رفع المعنويات فحسب، ولكن من أجل التأكيد أيضا على حقائق التاريخ، ومن أهمها أن عصر الانتقالات السريعة قد ولى وأننا فى مصر نشهد تحولا بطيئا، ولكنه حتميا نحو الديمقراطية. لا أعلم كم من الوقت نحتاجه لإتمام هذا التحول، لكن يقينى المبنى على مؤشرات ميدانية عدة، يؤكد أن طريق التحول الديمقراطى قد بدأ بالفعل، وإن كان ذلك لا ينكر أبدا أنه طريق طويل نسبيا، وسيكون مليئا بالمصاعب والصراعات.

الديمقراطية من حيث المبدأ ليست نظاما مثاليا مطلوب لذاته، وهى على عيوبها المتعددة ما زالت النظام البشرى الأفضل نسبيا من حيث القدرة على إحداث قدر من الرقابة والتوازن بين التيارات السياسية والجماعات الإثنية والشبكات السياسية المختلفة. هى باختصار نظام بشرى يسعى لعدم استئثار فئة بعينها بعملية صنع واتخاذ القرارات، ومن ثم احتكار توزيع الموارد والقيم فى المجتمع.

•••

وفى تقديرى فقد اجتازت مصر مرحلتين من أصل ست مراحل مطلوبة للتحول الديمقراطى، وهى الآن فى المرحلة الثالثة فى انتظار ثلاث مراحل أخرى قد تستغرق عقدين من الزمان على الأكثر، وربما ننال المراد قبل ذلك قطعا.

أولا: اجتاز الشعب المصرى حاجز الخوف من السلطة ومن رمزيتها المقدسة. سقطت هيبة المناصب للأبد فى مصر منذ تنحية مبارك وظهوره خلف القضبان مختبئا عن الأعين، وقتها أدرك المصريون للأبد أن الرئيس هو مجرد بشر يصيب ويخطئ، ويحاسب ويحاكم ويخلع. لا أعلم عدد المصريين الذين كانوا على علم بموقع قصر الاتحادية قبل يناير ٢٠١١، ولكنهم بكل تأكيد تضاعفوا الآن بعد أن خلعوا عن القصر الهالة الكهنوتية التى كان يتمتع بها وأصبح مجرد مكان لممارسة مهام الدولة العليا. تكرر الأمر فى يونيو ٢٠١٣، ومن المتوقع أن يتكرر أكثر من مرة فى المستقبل.

ثانيا: ارتفع مستوى الوعى السياسى عند المصريين عامة وعند القوى السياسية الشابة الفاعلة فى الحياة السياسية خاصة. لا تخدعك تلك الحملات الإعلامية الفاشية المسعورة المحرضة على الشمولية، صحيح أنها قد هزت وشوهت المعلومات والمواقف عند بعض المصريين، لكن الأغلبية التى أقابلها بشكل عشوائى فى الشارع من مختلف المستويات التعليمية والاجتماعية أبدت إشارت واضحة أنها تفهم ما وراء الستار وأن ما يعيقها عن الحركة والتعبير الاحتجاجى لرفض ما يحدث هو إما غياب البديل أو الخوف من انهيار الدولة أمام التهديدات الإرهابية أو كليهما. أما عن تلك القلة الفاعلة سياسيا، والتى كانت المحرك الرئيسى للجماهير منذ عقد من الزمان وصولا إلى إجبار مبارك على التنحى فى فبراير ٢٠١١ فرغم أخطائها الكثيرة وحركتها السياسية المرتبكة على مدى السنوات الأربع الماضية فقد شهدت تحولات جذرية هى الأخرى فى الخروج مما يسميه الدكتور أشرف الشريف «فانتازيا الثورة» إلى مرحلة أكثر واقعية من إدراك تحديات العمل العام.

ثالثا: أما وقد انتهينا من المرحلتين السابقتين فقد ولجنا الآن إلى مرحلة ثالثة وهى مرحلة الاستقطابات السياسية والصراعات الاجتماعية العنيفة، وفى تاريخ الدول التى تحولت إلى الديمقراطية فإن هذه المرحلة ضرورية للتحول الديمقراطى رغم كلفتها العالية، صحيح أن هناك دولا تحولت سلميا إلا أن العديد من التجارب الدولية خاصة فى الموجات الأولى والثانية للتحول الديمقراطى كانت الصراعات السياسية والاجتماعية بعد فترة سبات طويلة هى المخاض الذى يولد منه ذلك الوعى الجديد بحدود القوة وتكلفة الصراع واستحالة تحقيق انتصارات كاملة فى مقابل هزائم صفرية، مما يجبر الجميع على الدخول فى مرحلة توازن الضعف انتهاء بإطار للدمج الإجبارى لجميع المتصارعين.

رابعا: بعد انتهاء المرحلة السابقة، من المتوقع أن يبدأ الفاعلون فى التحول لتصحيح الأوضاع وإعادة هيكلة علاقات القوة داخل مؤسساتهم وتياراتهم أولا، هى عملية أشبه بعملية المقرطة الداخلية، بحيث تولد المراحل السابقة قوى جديدة داخل كل تنظيم وتيار يتمتع برؤية أفضل وثقل كبير فى فهم تعقيدات السياسة وكلفة الصراعات ليتبوأ هؤلاء مقاعد القيادة وصنع القرار وتحديد قواعد لعب جديد داخل تياراتهم وتنظيماتهم.

خامسا: ثم تبدأ عادة مرحلة جديدة، وفيها تدرك المؤسسة العسكرية كلفة الانخراط فى السياسة، ويدرك المدنيون أهمية المؤسسة العسكرية فى حفظ الأمن من ناحية واستحالة استبعادها تماما من عملية صنع القرار، وبالتالى قد ينشأ إطار تفاوضى جديد بين المدنيين والعسكريين يتنازل فيه الأخيرون عن الهيمنة على عملية صنع القرار لإتاحة الفرصة أمام السيطرة المدنية المتمتعة بالمؤسسية والرشادة والتنظيم والقادرة على انتاج البدائل السياسية، فى مقابل الاتفاق على تمتع العسكريين بقدر من الاستقلالية الاقتصادية والمؤسسية وبعض الميزات المجتمعية.

سادسا: ثم أخيرا تأتى المرحلة التى يكون فيها الجميع جاهزين لوضع قواعد جديدة للعبة بعد أن مروا بكل المراحل السابقة التى لم يكن تأثيرها الوحيد فقط فى تعليمهم وترشيد أفعالهم، لكنها أيضا ستكون قد لعبت دورا مهما فى إعادة صياغة علاقات المجتمع بكل البنى السلطوية الدينية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية وتلك الأخيرة ستكون أقل قدسية وكهنوتية وانغلاقا وأكثر استعدادا للإصلاح وإعادة الهيكلة والمأسسة، لتأتى لحظة حقيقية يتمكن فيها المصريون من إعادة صياغة عقد اجتماعى جديد بصياغة دستور يعبر عن حوار مجتمعى حقيقى، ويعكس القيم والمعايير الديمقراطية الجديدة التى يفترض أنها ستتشكل خلال السنوات المقبلة، وهو ما سينتج عنه عادة دستورا أقل سجعا وأكثر تفصيلا مطورا أدوات رقابية لضمان تنفيذ ترتيباته الديمقراطية على جميع اللاعبين السياسيين.

•••

مما لا شك فيه أن مصر قد أدركت اللحظة الفارقة فى تاريخها بنزول الجماهير فى يناير ٢٠١١ سعيا للتغيير والإصلاح، وهذه اللحظة كانت وستظل اللحظة التأسيسية للديمقراطية فى مصر، صحيح إننا تمنينا تحولا سريعا وسلميا نحو الديمقراطية والعدالة والبناء والتقدم، ولكن مراجعة واقعية للوزن النسبى للقوى السياسية والمجتمعية يقودنا إلى الاعتقاد بأن طريق التحول فى مصر لن يكون قصيرا، وسيمر غالبا بمحطات متعددة من الصعود والهبوط، لكنه حتما لن يعود إلى الوراء حتى لو بدت تلك اللحظة أو تلك موحية بهذا التراجع أو بهذه العودة.

الآن ونحن على بعد أسابيع قليلة من الاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة يناير، على القوى المعبرة عن هذه الثورة والطامحة للتغير الحقيقى أن تدرك أن عملية التغير ستكون بين متوسطة إلى طويلة الأجل، وأن التسرع فى الوصول إلى محطة جديدة من محطات الثورة قد لا يكون مجديا طالما أنها غير مؤسسة وغير منظمة وغير قادرة على طرح البدائل والتواصل مع الجماهير لتغيير وعيها وجذبها نحو صفوفها وأجندتها.

الآن ونحن على بعد أسابيع قليلة من الاحتفال بالذكرى الرابعة للثورة الأم، على النظام السياسى المصرى أن يدرك أن التغير قادم لا محالة، وهو إزاء ذلك أمامه طريقين، إما طريق الممانعة والمقاومة والاستجابة لابتزاز الشبكات القديمة ذات المصالح الضيقة، وهو طريق رجعى سيكلف الجميع الكثير فى لحظة تغيير أجلة أو عاجلة، أو الاستجابة لنداءات الإصلاح والتى تتطلب إعلان خارطة طريق جديدة قبل يناير ٢٠١٤ بديلا عن تلك التى أعلنت فى يوليو ٢٠١٣، تضمن تطبيق إجراءات وخطوات العدالة الانتقالية مهما كانت التكلفة وصولا إلى لحظة تسوية حتمية مع قوى التغيير وبغير ذلك لا أمل فى مصر مستقرة.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر