من هنا مرت «إيزيس غالى» - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الأحد 29 نوفمبر 2020 3:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

من هنا مرت «إيزيس غالى»

نشر فى : الخميس 19 نوفمبر 2020 - 9:45 م | آخر تحديث : الخميس 19 نوفمبر 2020 - 9:45 م

تركت عالمنا طبيبة أطفال وأستاذة جامعية وباحثة فى طب أمراض الغدد الصماء للأطفال، مثلت مصر بعلمها فى مجلات ومؤتمرات عالمية عدة. نشرت فيها أبحاث وإحصاءات جمعتها فى مستشفى أبو الريش لتفهم وتغير بها صحة الطفل المصرى.
أبو الريش، هذا الصرح الطبى العظيم الذى علم أجيالا من أطباء الأطفال ممن انتشروا فى أنحاء مصر، ثلاثة مستشفيات منفصلة إداريا متصلة أكاديميا أسسها وخدم بها وتعلم فيها وطورها أجيال من بنات وأبناء قسم طب الأطفال جامعة القاهرة الذين أفنوا عمرهم فيه وكبروه وكبرهم ليصبحوا أساتذة ورواد علم ومهنة فى تخصصاتهم، مستشفى يستبقل ما يزيد عن ألفى طفل من جميع محافظات مصر يوميا، ليصبح أكبر مستشفى أطفال فى مصر.
كانت الدكتورة إيزيس غالى خير مثال لجيل من نساء ورجال الأطباء فى جامعة القاهرة الذين بنيت على أكتافهم أقسام تخصصية على مدى ما يقرب من قرن. انتشر علمهم وخبرتهم مع مريديهم من طلبة العلم فى جامعات ومستشفيات مصر ليساهموا فى إنقاذ حياة الآلاف من الأطفال المصريين من الوفاة ومن الإعاقة والحياة فى ألم المرض المزمن.
ولدت الدكتورة إيزيس غالى فى عام 1933، فى زمن كان أقصى طموح الفتاة أن تحقق نجاحها من خلال زوجها. لكن شاء القدر أن تولد لأبوين لديهم علم وثقافة، فكان الفن والموسيقى والكتاب جزءا من حياتهم، والأدباء والمفكرون ضيوفا دائمين على بيتهم. حققت حلم والدها فى أن تكون ابنته «إيزيس» المصرية طبيبة وأستاذة بالجامعة. تخرجت فى كلية الطب فى عام 1957 وعُينت بقسم طب الأطفال جامعة القاهرة ثم سافرت فى بعثة إلى جامعة ليون بفرنسا فامتلأت شغفا بعلم أمراض الغدد الصماء فى الأطفال وعادت إلى القاهرة وكلها تصميم على أن يحصل الطفل المصرى على نفس فرص علاج نظيره فى أوروبا. بدأت رحلتها مع فريق صغير من الأطباء الذى كبر سريعا ليشمل أجيال من أساتذة واستشاريين غدد الأطفال فى مصر كلٍ منهم اليوم عالم كبير فى هذا المجال.
كانت الأستاذ الدكتورة إيزيس غالى مثالا لتلاقى العلم مع الشغف مع الاتساق التام مع الأيديولوجية. آمنت بصدق بالحقوق المتساوية لكل إنسان، وكانت شديدة الغيرة على بلدها فحملت على عاتقها توفير المسح المجانى (من موازنة الصحة بالدولة) لكل مولود مصرى لتشخيص نقص هورمون الغدة الدرقية، وهو التحليل الذى يتم عمله من كعب رجل الطفل فى وزارة الصحة فى اليوم الثالث لولادة الطفل، هذا المسح تطلب مجهودا جمعت فيه زملاءها من التخصصات المعنية، وتواصلت مع وزارة الصحة ثم الإعلام ثم التقت أعضاء مجلس الشعب وحضرت جلسات استماع عدة به لتضع أمامهم حقائق بالأرقام لأعداد الأطفال المصريين الذين يصابوا بإعاقات ذهنية وجسدية وما يتم صرفه من مال عام لعلاجهم وتأهيلهم بعد أن تكون خلايا المخ تأثرت بلا رجعة، وكيف يوفر التشخيص والعلاج المبكر المال للدولة والحياة الطبيعية الكريمة للطفل المصاب وأسرته. وبعد أن كان هذا مرض يراه كل طالب طب مرات فى سنوات دراسته لم يعد يراه ولم تعد مصر بها أعداد تذكر من هؤلاء المرضى.
بنفس هذا الشغف تناولت قضية «منحنى نمو الطفل المصرى». ففى التسعينات كانت لكل الدول المتقدمة منحنيات خاصة ببلدها تقيس عليها وزن وطول الطفل فى هذا البلد وكانت مصر تستخدم منحنيات بلدان أخرى. استنكرت دكتورة إيزيس وفريقها ألا يكون لمصر منحنيات نمو خاصة بها، ومرة أخرى خاضت حربا ضخمة «إعلامية» و«اجتماعية» لإقناع عشرات الآلاف من الأسر المصرية أن تتعاون معها بالإضافة إلى جامعات دولية وجهات حكومية وخرجت بمنحنى نمو مصرى ظل يستخدم عشرات السنوات. وعلى نفس النهج سعت هى وفريقها ليدخل قياس وصرف هورمون النمو فى إطار التأمين الصحى الشامل لأطفال المدارس وهو علاج غالٍ لا يستطيع حتى المقتدرين توفيره، والآن هو متوافر لمن يحتاجونه من أطفال المصريين حتى يكون لهم جميعا نفس فرص النمو الجسدى والذهنى.
قبل «انتفاضة دكتورة إيزيس الإكلينيكية»، كان أمرا شائعا أن يتوفى طفل من «كوما السكر» فى أفضل مستشفى فى مصر، لكن وحدة الغدد الصماء فى الأطفال بجامعة القاهرة بكل أساتذتها وأطبائها بقيادة دكتورة إيزيس قررت أن هذا أمر غير مقبول فى زمننا هذا وتم عمل نظام علمى/عملى للتعامل مع هؤلاء الأطفال عند وصولهم الطوارئ بمستشفى أبو الريش. وكان يعلم بهذا النظام والبروتوكول العلمى أصغر نائب وكنا كأطباء جدد نطلب فريق علاج السكر بدون حرج بالتليفون فنبدأ الاتصال بأصغر طبيب إلى أن نصل إلى الدكتورة إيزيس نفسها إذا لم تسعفنا التليفونات الأرضية. وكانت ترد علينا وتطمئننا ثم تحضر هى أو أحد أساتذتنا ليتابع معنا الحالة مهما كان الوقت متأخرا، وكان هذا فى المستشفى الجامعى الحكومى حيث لا جاه ولا شهرة ولا مال، أسس هذا لثقافة لدى المجتمع الطبى بأن السكر مرض من غير المقبول فيه وفاة طفل منه فكل وفاة تمثل حياة كان يمكن انقاذها، ونتج عن هذه الثقافة انخفاض حاد فى معدل وفيات مرضى السكر من أطفال مصر.
فى عزائها الذى امتلأ بمحبيها وكانت روحها تحوطنا بسخريتها اللاذعة، وشخصيتها القوية، وثبات قيمها المبهر، وشجاعتها فى الحق والدفاع عمن تراه مظلوما، حكت لنا الأستاذة الدكتورة منى حافظ ابنة أختها وتوأم روحها أنها ظلت تعمل بعيادة الغدد بأبو الريش إلى وقتٍ قريب وكانت قد أصبحت طبيبا متفرغا منذ عقود، لكن شغفها وحبها للعمل ولتعليم أجيال من شباب الأطباء حال دون أن تجد الراحة إلا فى عملها، وتحكى الدكتورة منى أنها ظلت تصمم أن تقوم من مجلسها وتمد يدها بالسلام لكل مريض يدخل العيادة (وما أدراك بأعداد مرضى أبو الريش)، وأنها كانت تستنكر أى انفعال أو ضيق يبدو على الأطباء من فريقها بسبب ضغوط العمل أو صعوبة ظروفه مذكرة إياهم دائما بأن هؤلاء المرضى يأتون محملين بالقلق والفقر وقلة الحيلة ومشقة الانتقال إلى المستشفى آملين فى شفاء أبنائهم واضعين ثقتهم فى أبو الريش وأطبائها فهم يستحقون الاحترام والابتسامة والجهد المخلص لعلاجهم.
هكذا كانت وهكاذا ستظل دكتورة إيزيس غالى حاضرة بكل من أنقذتهم من أطفال ومن علمتهم من أطباء.
رحمة ونور وسلام على روح مرت وغيرت.

هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات