الثلاثاء 21 مايو 2019 9:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

فى انتظار عودة الروح إلى الأمة: صورة مقربة للواقع العربى.. المهين!

نشر فى : الثلاثاء 26 فبراير 2019 - 11:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 فبراير 2019 - 11:40 م

لكأنما يدور التاريخ بالعرب القهقرى ليرميهم خارج العصر، وخارج أحلامهم وتمنياتهم وإنجازاتهم المنقوصة فى القرن العشرين: قبائل وعشائر ببطون وأفخاذ وعداوات وثارات منسية.
سقطت «دول الاستقلال» التى كان بعضها – فى المشرق العربى – عروشا لأبناء الشريف حسين، مطلق نداء الثورة من أجل الوحدة، وقد ترجم فيه الاستعمار البريطانى تصوره «للشرق الأوسط» بعد الحرب العالمية الأولى، أما بعضها الآخر فصيرت دولا غير مكتملة النمو نتيجة التقسيم الذى أملاه النفوذ الأجنبى (البريطانى والفرنسى.. ومن ثم الأمريكي) مستبقيا ضمنا «مساحة» للكيان الإسرائيلى الذى سيقام (مستقبلا) على أرض فلسطين وعلى حساب شعبها ومعه الأمة العربية جميعا.
كانت كل من هذه «الدول» تنظر إلى الأخرى وكأنها قد اغتصبت بعض أرضها (سوريا ولبنان، سوريا والأردن، العراق وإيران)، فى حين مزقت شبه الجزيرة العربية ليقام فى العتبات المقدسة عرش آل سعود، وتتناثر واحات الصحارى دولا لا ذكر لها فى التاريخ، لكن النفط والغاز أو الموقع الاستراتيجى والتقاسم بين الأقوى جعلها دولا: الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر، فضلا عن البحرين القاعدة البحرية لبريطانيا ثم للأمريكيين.
أما مصر التى شكلت مع قيادة جمال عبدالناصر مصدر الأمل والاقتراب من تحقيق حلم الوحدة، فقد تصدت بعد سنتين من العدوان الثلاثى ( 1956) لتحقيق الحلم العربى الدائم بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا، وهى لم تعمر أكثر من ثلاث سنوات انهارت بعدها بانفصال سوريا.. ثم جاءت ثورة اليمن 26 سبتمبر 1962 بالحرب على الجيش المصرى فيها، ما مهد لهزيمة 5 يونيو 1967.
بعدها تم خلق المناخ الضرورى للتصادم بين الثورة الفلسطينية والنظام الأردنى، ما أدى إلى نتائج دراماتيكية تزامنت مع رحيل عبدالناصر فى سبتمبر 1970: أُخرجت قوات الثورة الفلسطينية من الأردن لتستقر فى لبنان بتكوينه الطائفى الهش، ما أدى إلى تفجيره بحرب أهلية امتدت سنوات طويلة.. خصوصا وقد زامنها اجتياح إسرائيلى لبعض الجنوب (1978)، سرعان ما تمدد مع تردى الوضع العربى وانهيار التضامن ليصل شارون إلى العاصمة بيروت، ويتم بإشرافه انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية فى ظل قوات الاحتلال الإسرائيلى.. وهو الذى كان قد زار الكيان الإسرائيلى مرات، تمهيدا لأن يحظى بمباركته.
.. ولقد جاء التدخل الدولى لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، مقابل جلاء قوات الاحتلال الإسرائيلى فى «صفقة» ساوت بين الاحتلال وبين المطرود بالقوة من أرضه.. ليعقد تفاهما مع إسرائيل سرعان ما أسقط لتعود الأمور سيرتها الأولى.. وقد استعادت سوريا موقع التأثير فى القرار اللبنانى.
كل ذلك صار من التاريخ الآن.. لكن نتائجه لا تزال ظاهرة، حيث انكشف الضعف العربى، سياسيا وعسكريا، أمام القوة الإسرائيلية المعززة بالتأييد الدولى، ما مهد لاتفاق أوسلو الذى سمح لمنظمة التحرير الفلسطينية ــ بعدما تم تجريدها من السلاح ومن القضية المقدسة ممثلة بالتحرير ــ بأن تدخل كحكومة بلا دولة ولا جيش ولا مال إلى أرضها المحتلة ــ لتكون شرطة إضافية تعمل تحت إشراف الاحتلال الإسرائيلى.
بعد قيام الثورة الإسلامية فى إيران ( 1979) تم إغراء صدام حسين فى العراق بشن حرب على «جمهورية الخمينى» استنزفت البلدين، وبالذات إيران التى استولدتها الثورة حديثا، ما زين لصدام حسين غزو الكويت باعتبارها ــ من وجهة نظره ــ قضاء تابعا لمحافظة البصرة فى العراق، فكانت حربه الثانية التى اجتمع عليه فيها بعض العرب ودول التحالف الغربى بالقيادة الأمريكية فى العام 1991.. ثم كان الاجتياح الأمريكى فى العام 2003 الذى أدى إلى إسقاط النظام فى بغداد، مع مشروع فتنة حاول الأمريكيون إشعالها بتسليم صدام حسين إلى شيعة العراق، كى يتولوا إعدامه فى فورة غريزية كادت تدمر ما تبقى من العراق.
ذلك من الماضى وفيه.. لنعد إلى أحوال العرب الآن:
فأما المغرب فبعيد جدا عن المشرق، كما لم يكن فى أى وقت: العرش فى الرباط يحاول أن يقف على مسافة واحدة من «إخوانه» جميعا. لا هو يرغب فى أن يتدخل فى شئونهم، ولا هو يريد أو يقبل أن يتدخلوا فى شؤونه.. وأخيرا أدار وجهه غربا، خصوصا بعدما «اختلف» مع السعودية، وربما لهذا استثنى الأمير محمد بن سلمان من جولته التى كان بين محطاتها القاهرة وتونس ثم موريتانيا والجزائر فى طريق العودة.
أما الجزائر التى تعيش قلقا سياسيا وأزمة اقتصادية تتسبب فى بطالة متصاعدة، فإن بين ما يقلق شعبها أن رئيسها الأبدى عبدالعزيز بوتفليقة يسعى إلى ولاية خامسة، بينما ترتفع – هذه المرة – أصوات الاعتراض على «الرئاسة المفتوحة» فى البلاد الغنية بثرواتها بينما الجزائريون يطلبون «الفيزا» للخروج ألوفا مؤلفة.
ولقد انطفأت صرخة البوعزيزى فى تونس بعد انتفاضة مجيدة انتهت بإعادة الاعتبار إلى الحبيب بورقيبة، خوفا من «الإسلاميين».. وها هى الآن تعيش سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية تعيد فتح أبوابها أمام الساحل الأوروبى بعنوان فرنسا.
أما ليبيا فقد ذهبت دولتها مع صاحب النظرية العالمية الثالثة، الذى افترض أن بلاده بثروتها من النفط والغاز، مع أفكاره التى كانت تطمح إلى تغيير الكون.. وها هى ليبيا الآن يتقاسمها جيش مدعوم برعاية خارجية، ومجموعة من الميليشيات المسلحة تتبع جهات خارجية مختلفة.
* * *
يبقى لبنان الذى كان كلما اختلت التوازنات عربيا دفع من استقراره السياسى والاقتصادى الثمن باهظا..
ومع غرق سوريا فى دمائها عبر الحرب فيها وعليها، وانشغالها بذاتها، عادت «الدول» بالقيادة الأمريكية تحاول توسيع مساحة نفوذها فى هذه «الشرفة الممتازة» التى تطل وتتفاعل مع أقطار المشرق العربى جميعا، من سوريا إلى العراق فإلى الخليج والسعودية، مع علاقة «حب عتيق» مع مصر وسائر أقطار المغرب.
ومفهوم أن يكون العدو الإسرائيلى هاجس المقاومة الإسلامية فى لبنان التى هزمته، مرة أولى، بإجباره على الجلاء عن الأرض التى كان يحتلها فى جنوبه، ثم مرة ثانية فى الحرب التى شنها على لبنان فى صيف العام 2006 وانتهت بهزيمة نكراء لـ «جيشه الذى لا يقهر».
وحيث تعجز إسرائيل فإن الولايات المتحدة الأمريكية جاهزة لتوقيع العقاب والحظر على مناصرى «حزب الله» حيثما وجدوا، لا سيما فى المغتربات، أساسا فى إفريقيا ثم فى بعض دول أميركا اللاتينية.. ومن هنا فإن السفارة الأمريكية فى بيروت لم تعد تتورع عن إظهار «عدم رضاها» عن مشاركة «حزب الله» فى الحكومة الجديدة مع أنه شارك فى الحكومات جميعا منذ أكثر من عشر سنوات.
***
لكأنما قد بات على العرب، مشرقا ومغربا، أن يستسلموا للهيمنة الأجنبية، سواء أكانوا أغنياء بثرواتهم الطبيعية (النفط والغاز) كما فى أقطار الخليج، من دون أن ننسى العراق، أو فقراء لا يملكون إلا أرضهم وعقولهم وعرق الجباه.
ولا شك أن غياب مصر عن دورها الريادى الذى لا بديل له، ثم تغييب سوريا فى الحرب فيها وعليها المفتوحة منذ سبع سنوات والتى كادت تدمر العمران فيها، ثم انشغال العراق بالخراب العميم الذى خلفته حقبة حكم صدام حسين، ثم الاحتلال الأمريكى لأرض الرافدين، قد وسع مجال الحركة أمام الإمارات الخليجية التى تملك المال لكنها تفتقر إلى الكفاءة القيادية.
كل ذلك قد وسع المجال أمام الفوضى والضياع عن الطريق إلى الغد العربى المرتجى، وساعد على تعاظم صورة العدو الإسرائيلى نتيجة اندفاع عدد من الأنظمة العربية إلى الصلح معه.
وفى انتظار عودة العرب إلى أنفسهم وصحوتهم وتنبههم إلى قدراتهم وحقهم فى بناء غدهم الأفضل، سيكون مقدرا عليهم أن يعيشوا حياة غير التى كانوا يحلمون بها والتى تستحقها شعوبهم التى أثبتت جدارتها وحقها فى الحياة الكريمة، كلما أتيح لها أن تعبر عن تمسكها بحقوقها كأمة جديرة بأن تكون فى المستقبل.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات