لعله من تحصيل الحاصل القول إن أحدًا فى العالم ما كان يسعه، قبل فترة، أن يتخيل إدارة أمريكية تقدم على فرض عقوبات على دول أوروبا، مثلما يحصل اليوم ويزعزع أبنية الثقة المتبادلة التى قامت بينهما منذ عقود. الأوروبيون متفاجئون مما يحصل لهم وما يقع عليهم من جزاء قاسٍ من دولة كبرى حليف لهم. هذا أقل ما يقال فى وصف هذه النازلة: قسم منهم حانق على واشنطن وناقم يحرض جمهوره عليها مطالبا النخبة الحاكمة فى دولته برد صاع أمريكا صاعين، وفى جملة هؤلاء من يدعون أوروبا إلى الذهاب فى التعاون مع الصين إلى حدود الشراكة الاستراتيجية.
من غير حاجة بنا إلى الإيغال فى التاريخ الماضى للعلاقات السيئة بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين، وما ألقته هيمنتها من كبير الأضرار على المصالح الاقتصادية الأوروبية، تكفينا تجربة عشرين عاما الأخيرة من فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على العالم لترفع الغطاء عن حجم العقاب الذى مارسته واشنطن على دول «الاتحاد الأوروبى» من وراء إجبارها تلك الدول على مجاراتها فى سياسات العقاب تلك وإلزامها الدول إياها بفرضها على الدول المعادية للسياسات الغربية، وتحديدًا التى اختارت أمريكا أن تواجهها باستخدام سلاح الحصار والعقوبات الاقتصادية. إن نموذجًا واحدًا منها ــ هو روسيا ــ يكفى لبيان النتائج الاقتصادية السلبية التى عانتها دول «الاتحاد الأوروبى» من وراء إجبارها على مجاراة الولايات المتحدة الأمريكية فى تطبيق العقوبات على هذا البلد.
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا فى فبراير 2022، ستقطع الأضرار الاقتصادية الأوروبية من العقوبات شوطًا شاقًا مرت فيه بطورين: طور أول خلال عهد جو بايدن، وطور ثان منذ بدأت الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب. فى الطور الأول، دفعت دول الاتحاد الأوروبى ثمنًا فادحًا من انخراطها فى تطبيق سياسة العقوبات على قطاع الطاقة فى روسيا وتوقفها عن استيراد حاجياتها من الغاز الروسى، إذ وجدت نفسها تحت رحمة أسعار باهظة أمريكية كلفتها الكثير من مواردها. أما فى الطور الثانى فدفعت ثمنا أفدح من المشاركة فى تطبيق العقوبات حين باتت هى نفسها عرضة لعقوبات قاسية تبدت فى شكل فرض رسوم جمركية أمريكية عليها. على أنه ما عادت خسارتها من حرب أوكرانيا خسارة اقتصادية تحملتها أملا فى ردع روسيا واستنزافها وحفظ الأمن الأوروبى، فحسب، بل أمست خسارة سياسية وجيواستراتيجية حين تركتها أمريكا ترامب وحدها تواجه الضغط الروسى على أوكرانيا.
إذن، إن دول الاتحاد الأوروبى هى ثانى من يتضرر، بعد روسيا، من استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية الأمريكى، وإنها لا تعدو أن تكون مأمورا يطلب منه تنفيذ سياسات من بيده الإمرة فى عالم اليوم، وليست شريكًا للسيد فى ما يفعله.
عبدالإله بلقزيز
جريدة الخليج الإماراتية