أوضاعنا السياسية فى مفترق الطرق - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 7:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أوضاعنا السياسية فى مفترق الطرق

نشر فى : الأحد 1 مايو 2016 - 9:55 م | آخر تحديث : الأحد 1 مايو 2016 - 9:55 م
تتعدد القراءات لما جرى فى مصر يوم الخامس والعشرين من أبريل الماضى، فوزارة الداخلية والإعلاميون الذين يدعون الحديث باسم الرئيس السياسى أو مناصرته فى كل المواقف يعلنون سعادتهم أن المظاهرات محدودة العدد فى القاهرة وبعض مدن الأقاليم والتى تحتج على قرار الحكومة بإعادة جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية هى دليل على الهشاشة البالغة للقوى اليسارية والقومية التى دعت لها، وأن المواطنين يؤيدون فى غالبيتهم العظمى نظام الرئيس السيسى فى حكم البلاد، وأنه إلى جانب هذه المظاهرات المحدودة كانت هناك تجمعات أخرى باركت قرارات الرئيس، بل ورفعت أعلام المملكة العربية السعودية ابتهاجا بهذه المرحلة الجديدة فى العلاقات السعودية المصرية.

ولكن قد تكون هناك قراءة أخرى لما جرى فى هذا اليوم، تجعله أشبه بالسادس من أبريل سنة 2008 عندما نجحت قوات الأمن فى فض أى تجمعات كبرى فى القاهرة، استجابة لدعوة حركة شباب 6 أبريل إلى إضراب عام فى كل البلاد احتجاجا على مجمل السياسات الاقتصادية لنظام مبارك وعلى القيود التى كان يفرضها على الحياة السياسية.
صحيح استجاب عمال المحلة الكبرى لهذه الدعوة، وخرجت مظاهرات عارمة فى تلك المدينة مزق خلالها المتظاهرون صورة مبارك. ومع ذلك فالاستنتاج الذى خرج به مستشارو مبارك من أحداث ذلك اليوم هو أنه لا داعى للقلق، حجم المعارضة ضئيل للغاية بين المواطنين، ومن ثم لا ضرورة لتلك التنازلات التى أقدم عليها نظام مبارك فى سنة 2005 وسمحت للإخوان المسلمين بأن يكسبوا ومعهم نواب معارضون آخرون قرب خمس مقاعد مجلس الشعب. واتساقا مع هذه القراءة جرت انتخابات مجلس الشعب فى خريف 2010 والتى أقصت بها أساليب مبارك المعهودة فى إدارة الانتخابات مع إضافات أحمد عز ــ أمين التنظيم فى الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم فى ذلك الوقت، ــ أى وجود للمعارضة تقريبا فى ذلك المجلس النيابى. وجاءت الثورة الشعبية فى 25 يناير 2011 لتؤكد خطأ هذه القراءة، وأن هدوء القاهرة تحت قبضة جنود الأمن المركزى كان هدوءا خادعا يخفى لهيب السخط الذى كان يعتمل فى نفوس المواطنين.

القراءة الأولى سوف تبعث الطمأنينة فى نفوس من يحيطون بالرئيس، وسوف يلح عليها، بل لقد ألح عليها بالفعل الإعلاميون المعروفون بتأييدهم كل حاكم فى مصر، ونصيحتهم هى بالاستمرار فى اتباع نفس السياسات، ومواصلة الأخذ بنفس الأساليب فى صنع القرار، هناك فى رأيهم عشرات الملايين من المواطنين يثقون فى حكم الرئيس، ويؤمنون بحكمته، وأنه لا بديل له فى الأفق المنظور، إذا كان هناك بعض المعارضين، فهم لا وزن لهم، فمن وجهة نظر هؤلاء القافلة تمضى والكلاب تنبح.

***

ومع ذلك فلنتصور أن بعض من يحيطون بالرئيس قد ينتابهم القلق، أو على الأقل قد يرون من جانب الاحتياط عدم رفض القراءة الثانية تماما، والاستعداد للتقليل من أى احتمال قد يجعل من 25 أبريل 2016 شبيها بـ6 أبريل سنة 2008، ومن ثم فسوف يطرحون على الرئيس نصيحتهم بما يمكن عمله لتجنب مثل هذا المصير، فما هى حججهم؟ وماذا ستكون نصيحتهم؟.

سيذهب بعضهم إلى أنه لا داعى للقلق، كل الأحزاب المصرية الممثلة فى مجلس النواب هى بالفعل تصطف إلى جانب الرئيس، والأحزاب والقوى السياسية التى دعت للمظاهرات لا تلقى تأييدا واسعا من المواطنين، إذا كان بعض زعماء هذه الدعوة مثل حمدين الصباحى وعبدالمنعم أبو الفتوح قد حصدا فى الانتخابات الرئاسية فى سنة 2012 قرابة ثمانية ملايين صوت، فقد كان ذلك فعلا ماضيا جرى فى ظرف بالغ الخصوصية، وهو رفض هؤلاء الناخبين كلا من الفريق أحمد شفيق والدكتور محمد مرسى، أما وقد انعقد الإجماع الشعبى على قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، فلن يجد الصباحى أو أبو الفتوح أو حتى محمد البرادعى آلافا من المواطنين وراءهم. ومع ذلك فنظرا لأن بعض هذه القوى على الأقل مثل الناصريين واليساريين كانوا ضمن تحالف 30 يونيو ومعهم أعداد كبيرة من الشباب، فليس من الحكمة أن يبقى الرئيس معتمدا فقط على الفصيل الوحيد من تحالف 30 يونيو الذى مازال مؤيدا له، وهم أنصار الرئيس الأسبق حسنى مبارك، لأن ذلك قد يمنح تلك القوى الناصرية واليسارية المعارضة حجة يطرحونها على سائر المواطنين الذين يضيقون بالصعوبات الاقتصادية الناجمة عن السياسات التقشفية التى تنتهجها الحكومة وارتفاع أسعار السلع الأساسية بعد انخفاض قيمة الجنيه فى مواجهة الدولار واليورو بالقول بأن سياسات السيسى هى نفس سياسات مبارك، وأن من ينصارونه هم من النخبة الفاسدة التى التفت حول مبارك وعائلته. لن يضير الرئيس، فى رأى هذا الفريق، أن يعيد إلى صفوف مؤيديه هؤلاء الناصريين واليساريين والشباب الذين تجد أقوالهم صدى لديه، بإفساح المجال فى الإعلام لبعض الشخصيات القريبة من هذه التوجهات، وبإطلاق سراح الشباب المتهم بالتظاهر دون تصريح من الداخلية، والإسراع بالإفراج عمن احتجزتهم الداخلية فى الأحداث الأخيرة، بل وربما الاستفادة من الانقسامات الجارية بين الإخوان المسلمين بتعميق هذه الانقسامات بعرض إنهاء سجن تلك القيادات التى لم تتورط فى أحداث عنف والتى تريد فتح صفحة جديدة مع الشعب ونظام الرئيس السيسى بالاعتذار عن أخطاء الإخوان المسلمين فى الحكم، وربما فتح الطريق أمامهم للمشاركة فى الحياة العامة على نحو ما حدث أخيرا مع حزب الوسط.

لا أعرف فى الحقيقة من هم مستشارو الرئيس، وما إذا كانت هذه الأفكار قد جالت بأذهانهم، ولكننا يمكن أن نجد بعضها فى كتابات صحفية فى أعقاب المظاهرات الأولى حول نقابة الصحفيين التى جرت احتجاجا على اتفاق إعادة الجزيرتين إلى السعودية فى 15 أبريل الماضى. ترددت النصيحة للرئيس السيسى بعدم الاستهانة بهذه المظاهرات واستخلاص الدروس منها واعتبارها مؤشرا على بداية انحسار التأييد له تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية المتردية واستمرار انتهاك الشرطة لحقوق المواطنين.

والواقع أن هذه الأصوات قد خفتت بعد الصدى المحدود الذى لقيته دعوة التظاهر يوم 25 أبريل، ولم يسمع بعد ذلك اليوم سوى أصوات من يسخرون من الناصريين ومن اليسار، ومن يرون أصابع الإخوان المسلمين وراء كل ما يجرى فى مصر. ولا يطرح هؤلاء على الرئيس جديدا، وإنما يشجعون استمراره على نفس السياسات بل ومواصلة قمع هؤلاء الذين يحتجون على سياسات الرئيس لأنهم، فى نظرهم، لا ينجحون إلا فى إثارة القلاقل التى تخيف رجال الأعمال وتثبطهم عن زيادة الاستثمارت التى يحتاجها الاقتصاد أشد الاحتياج فى هذه المرحلة..

***

ولكن سوف يكون من الخطأ البالغ أن يركن الرئيس والمحيطون به إلى ما يقوله هؤلاء الذين يدعون تأييده الآن، وهم الذين كانوا فى مقدمة أنصار مبارك فى الإعلام وفى القطاع الخاص. فهناك دلائل عديدة على انحسار التأييد للرئيس، وليس فقط وسط ما يسميه البعض بالنخبة الثقافية، ولكن فى أوساط المواطنين الذين يعانون شظف العيش نتيجة ارتفاع الأسعار، واستمرار البطالة فى صفوف الشباب، وليس من المحتمل أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية فى القريب العاجل أمام ضرورة ضبط العجز فى الموازنة العامة، وانخفاض تدفقات السياح، وعدم تحقق العائد من المشروعات التى يتبناها الرئيس، وجلها مشروعات خدمية لا تظهر آثارها على خلق العمالة وتحسن مستوى معيشة المواطنين إلا بعد فترة طويلة من الزمن، فضلا على أن استكمال خارطة الطريق بانتخاب مجلس النواب لم يحقق المرجو منه بإكساب النظام السياسى مزيدا من الشرعية بسبب الأداء الهزيل لهذا المجلس.

الدرس الصحيح الذى يمكن استخلاصه من احتجاجات أبريل هو أنها دعوة لتجنب أسبابها من أسلوب فردى فى صنع القرار، ومن استبعاد المواطنين من العلم بما يجرى فى أروقة السلطة العليا من مخططات تمس أدق مصالح الوطن، ومن تنكر لما يدعو له الدستور من إطلاق حريات التعبير والاعتقاد والتنظيم. التعلم من هذا الدرس هو الذى يبعد أوجه الشبه بين أبريل 2008 وأبريل 2016.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات