«سبيفاك».. مفكرة عالمية فى «أبوظبى للكتاب» - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أغسطس 2022 3:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

«سبيفاك».. مفكرة عالمية فى «أبوظبى للكتاب»

نشر فى : السبت 4 يونيو 2022 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 4 يونيو 2022 - 7:35 م

ــ 1 ــ
ربما يمر هذا الاسم مرور الكرام على من يسمعه للمرة الأولى، إذا صادفه ضمن جدول فعاليات معرض أبوظبى للكتاب المنتهية فعالياته يوم 30 مايو الماضى، لكن الحقيقة أن هذا الاسم يعد الآن، وفى قلب المشهد العالمى؛ النقدى والفكرى والنظرى المعاصر، أهم وأكبر الأسماء التى عرفها ربما فى الثلاثين عاما الأخيرة.
عن الناقدة والمنظرة والمفكرة الهندية الكبيرة، والأستاذة بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، جاياترى تشكرافورتى سبيفاك، أتحدث، والتى كانت على موعد ولقاء مع زوار وجمهور معرض أبوظبى للكتاب فى دورته الـ 31 التى انقضت فعالياتها منذ أيام.
تُعتبر «سبيفاك» رمزا عالميا للدفاع عن المسحوقين والمضطهدين والمهمشين من الفلاحين والعاملين، خاصة فى البلدان المنضوية تحت ما تسميه هى بالجنوب العالمى، وهو مصطلح قديم جديد للدلالة على رهط من الدول التى نهشها الفقر والاستبداد، مما جعل شعوبها فى مصاف «المهمشين»، و«التابعين» للغرب والبلدان المتقدمة.
سبيفاك ببساطة هى واحدة من أهم النقاد والمفكرين على مستوى العالم المؤثرين فى حركة النقد الحضارى، والأدب الذى يؤرخ لمرحلة ما بعد الكولونيالية.
ــ 2 ــ
هذه السيدة التى أنتجت أفكارا نظرية ونقدية معتبرة (ضمن مجموعة من الأسماء العالمية البارزة؛ منها الناقد الفلسطينى الراحل إدوارد سعيد، والباكستانى إعجاز أحمد، والهندى هومى بابا؛ فيما عُرف بنقاد ما بعد الاستعمار ودراسات التابع، ثم دراسات النقد الثقافي) أحدثت هذه الدراسات ثورة حقيقية فى مجال النظرية النقدية، والنقد الثقافى، وأسَست لما عرف بنظريات (التابع ينهض أو يتكلم) فى مجال الدراسات الثقافية. لا يوجد مشتغل بالنقد النظرى، والدراسات الثقافية، لا يعلم من هى «سبيفاك» وقيمتها وأثرها فى العالم كله.
أذكر جيدا أننى سمعت اسمها لأول مرة من المرحوم جابر عصفور فى محاضرات مذاهب النقد الأدبى المعاصر (فى مرحلة الماجستير) وكان حماسه جارفا لشرح أفكار ونظريات سبيفاك، وأحالنا إلى نصوصها التى كلف واحدا من تلاميذه «حسام نايل» لنقلها إلى العربية ضمن حركة ترجمة نصوص النقد المعاصر (من البنيوية وما بعدها) إلى العربية.
كما أذكر جيدا ما قرأته عنها للمرحومة رضوى عاشور، وللناقد العراقى محسن جاسم الموسوى الذى كان يجلس إلى جانبى فى محاضرة سبيفاك بالمعرض، وكذلك ترجمة سامية محرز لدراستها المهمة «تفكيك التأريخ.. دراسات التابع» (إذا لم تخنى الذاكرة!)
ترجم حسام نايل فيما أذكر المقدمة المستفيضة التى كتبتها سبيفاك لترجمتها الإنجليزية لكتاب دريدا (علم الكتابة)، هذا النص الذى سيكون أحد أهم وأبرز المعابر المعرفية لفكر «التفكيك» ونصوصه وتشعباته المعرفية فى الثقافة الغربية، وقد أوضحت سبيفاك فى هذه المقدمة مراجعتها الجذرية لتيارات الحداثة، وما بعدها، ليندرج إسهامها فى الدائرة التى ضمت الأسماء الألمع فى الدراسات النظرية فى العالم كله.
وأذكر أن الدكتور جابر عصفور، فى واحدةٍ من محاضراته، قد وزع علينا نسخا من ترجمة هذا الكتاب، وطلب منا أن نكتب تلخيصا وافيا له.

ــ 3 ــ
فى نظرى أن لقاء سبيفاك فى معرض أبوظبى للكتاب 2022 (بالإضافة إلى اختيار شخصية طه حسين شخصية المعرض الثقافية للاحتفاء بها وتكريمها) هو اللقاء الأهم والأكبر قيمة؛ إنه حدث معرفى وثقافى ومهم خاصة أنها ألقت محاضرة فى صميم وصلب التحديات الإنسانية الراهنة..
ولم ينفصل ما تحدثت عنه فى المحاضرة عن نشاطها العام، وتجربتها العريضة فى التدريس الجامعى والعمل الأكاديمى والعمل الاجتماعى معا. لقد أنشأت سبيفاك مدارس ابتدائية للطلبة الأميين فى بلدها الأم «الهند»، ومارست التدريس فيها طوال عقود. ولقد أمكنها، بطريقةٍ ما، أن تدرِس النظرية النقدية لطلبة الجامعة فى إحدى جامعات النخبة الأمريكية (كولومبيا)، مع قيامها بتدريس التمكين الديمقراطى للطلبة القرويين فى غرب البنغال. فقلما اندمجت النظرية والتطبيق فى شخص واحد بمثل اندماجهما فيها.
لذا فمن الطبيعى والمنطقى جدا أن تتناول فى محاضرتها موضوع «التعليم» من منظور إنسانى وخاص، وقضية عدالة التعليم، وعن الظروف المواتية للحصول على تعليم جيد ومستحق وكريم. تحدثت عن أخطار التغير المناخى، وصعود وانتشار اليمين المتطرف والأصولية، وتحدثت عن تجربتها فى التدريس بجامعة كولومبيا، وعن طلابها هناك، وعبرت عن امتنانها الشديد لهؤلاء الطلاب والطالبات.

ــ 4 ــ
سألتها إحدى الحاضرات عن السؤال الذى تحب أن توجهه إلى العالم أو تطرحه فى هذا المحفل الكبير؛ سألتها: لو أردتِ أن تطرحى سؤالا حول ما الشىء «القيمة أو المعنى أو الكيفية» لفكرة ما أو موضوع ما.. ماذا سيكون السؤال؛ بروفيسورة سبيفاك؟
جاءت إجابتها حاسمة وسريعة وواضحة: عدالة التعليم.. والعمل على انتشاره.
عبر محاضرتها التى استغرقت قرابة الـ 45 دقيقة، عرضت خلالها ثلاث أو أربع صور فوتوغرافية، شرحت من خلالها وعليها بعض الأفكار التى تضمنها المحاضرة، استعرضت سبيفاك هموما وقضايا وتحديات معاصرة، بنظرة طائر على العالم كله من الولايات المتحدة إلى الهند، مرورا بفلسطين وسوريا والعالم العربى.
دائما ما تحاول الناقدة الكبيرة رتق بعض الصُدوع الفكرية فى عالم ما بعد رأسمالى شيأ كل شىء حتى الكتابة ورمزيتها، فتتساءل سبيفاك من هذا المنطلق عن كيفية الكتابة اليوم فى ظل صراع الحضارات وتصادم الثقافات واللا تكافؤ الصارخ بين مختلف الشعوب والجماعات الإنسانية. تتساءل أيضا عن آفاق الكتابة، ولمن هى موجهة أساسا.

ــ 5 ــ
فى ختام محاضرتها دار حوار قصير جدا بينى وبينها؛ قالت فيه إنها لاحظت إنصاتى ومتابعتى لها بتركيز، وأن «ابتسامتك كانت تملأ وجهك... أسعدنى هذا للغاية، وأشعرنى بأننى لست مملة، ولا أقول شيئا مستعصيا على الفهم.. شكرا لك وأسعدنى حضورك».
وفى الحقيقة أنها هى التى أسعدتنا وأفادتنا، ووسعت من أفقنا، ومن رؤيتنا الإنسانية للقضايا العالمية والتحديات التى تحاصر البشرية من كل جانب.