ما وراء أزمة الأحزاب السياسية الإسلامية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 15 سبتمبر 2019 8:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



ما وراء أزمة الأحزاب السياسية الإسلامية

نشر فى : الخميس 4 يوليه 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 4 يوليه 2013 - 8:00 ص

لقد كتبت فى الماضى، كما كتب غيرى، عدة مقالات بشأن حق الأحزاب السياسية الإسلامية، مثل غيرها، فى استلام الحكم طالما أن ذلك قد تم عن طريق انتخابات نزيهة وتنافس شريف مع الآخرين، وطالما أن تلك الأحزاب قد قبلت الالتزام بضوابط اللعبة الديموقراطية من تعددية إيديولوجية سياسية وتبادل سلمى للسلطة واحترام لحقوق الإنسان.

 

لكن عند ذاك لن يكفى التزام تلك الأحزاب بالدين الإسلامى، إيماناً وقيماً وممارسة للشعائر، حتى يرضى النّاخبون والمناصرون عن أدائها فى الحكم. إذ إنها ستحتاج أيضاً إلى تحقيق إنجازات فى الواقع المعيشى اليومى للمواطن من عمل وسكن وصحة وتعليم وبنيات خدمية أساسية من مثل الطرق والكهرباء والماء.

 

ولكى أنقل الصورة إلى أعلى الوضوح ذكرت بأنه حتى لو حملت تلك الأحزاب القرآن الكريم فوق أسنًّة الرماح كدليل على التزامها بالدًّين وامتثالها للأوامر والنواهى الإلهية، فإنُ الناخبين والمناصرين سينفضًّون من حول تلك الأحزاب إذا فشلت فى الاستجابة الكفؤة العادلة لمطالب حاجاتهم المعيشية الأساسية أو تعثًّرت فى إقامة حكم رشيد ديموقراطى عادل.

 

فى الماضى كتبت ذلك كدفاع عن القوى السياسية الإسلامية فى الجزائر، عندما تدخًّل العساكر ومنعوا تلك القوى السياسية من الوصول إلى الحكم بالرّغم من نجاحهم فى انتخابات نزيهة عادلة. وعندما قادت الانتخابات فى مصر وتونس ما بعد الثورات المبهرة إلى استلام السلطة من قبل الأحزاب السياسية الإسلامية كتبت أيضاً مسانداً لحق الناس فى الاختيار وحق الأحزاب فى الحكم طالما أن ذلك كله تم بصورة ديمقراطية معقولة وبإرادة الناس الحرة.

 

اليوم، كمثل صارخ، تثبت الأحداث الجارية فى مصر الثورة تلك المقولة البسيطة: سيتمسّك الناس بالأحزاب السياسية الإسلامية إذا نجحت فى ممارسة الحكم بكفاءة ونزاهة وعدل وتمسُكت بالاستقلال الوطنى والالتزامات القومية العربية العليا، وسينفضَّون من حولها إذا فشلت فى ذلك. ولن تستطيع آثار السجود على الجباه ولا الأيادى الرَافعة للقرآن الكريم أن تبطل تلك المقولة البسيطة التى حكمت كل ممارسات السياسة عبر التاريخ البشرى.

 

●●●

 

دعنا هنا نطرح سؤالاً:

 

ما الذى يوصل الأحزاب السياسية الدينية إلى تلك المرحلة المحزنة المتمثلة فى انفضاض الناخبين من حولها، مع إنه من المفروض أنَّها تمارس نشاطاً سياسياً ملتزماً بقيم وأخلاقيات الدين والتى تسمو بالحياة، ومع أنه من المفروض أنًّها تمارس التقوى والخشية من الله المراقب المحاسب، مصدر القسط والحقّ والميزان فى هذا الكون؟

 

قد توجد أسباب كثيرة ولكننى أعتقد أن من بين أهمّها وأخطرها إسناد مسئولية القيادة الروحية مع مسئولية القيادة السياسية إلى فرد قائد واحد. وسواء أسٍّمى هذا الفرد مرشدا أو رئيسا أو أمير مؤمنين أو إماما فقيهاً فإن نقطة الضعف تبقى واحدة. ذلك أن الفرد الأتقى والأكثر إلماماً بعلوم الدين والأكثر قدسية واحتراماً لدى أعضاء الحزب ليس بالضرورة هو الأكثر فهماً لأسس ومتطلبات السياسة وقواعد ممارستها. إن عالمى الدين والسياسة هما عالمان مختلفان وفنون التعامل مع كل منهما متباينة حتى لو كانت المشاعر والقيم الدينية التى تحكمها واحدة.

 

إن من صفات القائد الروحى، عند أغلبهم وليس كلهم بالطبع، الإصرار على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة الكاملة دون غيره، وبالتالى عدم القدرة على الأخذ والعطاء والتعامل مع الحياة السياسية بمرونة. كيف تستطيع شخصية منغلقة كهذه أن تكون مرجعية سياسية لحقل أبرز مايتصف به هو المرونة والحلول المتوازنة وتغيُّر السلطة الدورى وقبول الآخر وعدم إقصائه والتعامل مع الحقائق النسبية الدنيوية؟

 

هل ستستطيع الأحزاب السياسية الإسلامية أن تعى دروس الحاضر وتكون لها قيادتان، روحية وسياسية، تتحاوران وتتفاعلان وتتناغمان، ولكن عندما تتخذ القرار السياسى فإن الكلمة الفاصلة تكون فى يد القيادة السياسية؟ المطلوب هنا ليس الفصل الشكلى وإنما الحقيقى الذى بدونه ستبقى الأحزاب السياسية الإسلامية فى أزمة خارج الحكم وداخله. إنها معادلة صعبة ولكن غير مستحيلة.

 

هل يعنى ذلك تنازل هذه الأحزاب عن الأهداف الإيديولوجية الإسلامية التى يسعون إلى تحقيقها؟ أبداً وإطلاقاً لا. ذلك يتعارض مع المنطق والديمقراطية التعددية وحريًّة الاعتقاد السياسى وتكوين الأحزاب.

 

●●●

 

إن القضية لا تكمن فى الأهداف السياسية الإسلامية ولا فى الحقوق المدنية الكاملة للأحزاب التى تنادى بها. إنها تكمن فى التجارب المريرة التى أظهرتها السنتان الماضيتان من عمر ثورات الربيع العربى. لقد تبيًّن وجود خلل ما فى تعامل الأحزاب السياسية الإسلامية مع الواقع العربى، على مستوى الوطن والأمًّة. إن الانقسامات والصّراعات فيما بينها، إن عدم حسم موضوع الديمقراطية فى عقيدة بعضها السياسية، إن الاضطراب والتناقضات فى المواقف الناتجة من عدم حسم موضوع الخطوط الفاصلة والمتقاطعة بين القيادة الدينية والقيادة السياسية، إن عدم القدرة على التعايش والتعاون مع القوى السياسية الأخرى (مع استثناء المحاولة فى تونس) لتعويض ضعف التجربة التاريخية فى ممارسة السلطة عند هذه الأحزاب، إن كل ذلك وأكثر على الأغلب، يحتم أن تجرى الأحزاب السياسية الإسلامية مراجعة معمقة لما واجهته خلال السنتين الماضيتين من عمر الثورات الربيعية العربية، هذا إذا كانت تريد أن تحجز لها مكانا فى المستقبل العربى السياسى.

 

 

 

مفكر عربى من البحرين       

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات