فى يوم المرأة العالمى تحية لها.. وله أحيانا - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2020 3:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

فى يوم المرأة العالمى تحية لها.. وله أحيانا

نشر فى : الأربعاء 11 مارس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الخميس 12 مارس 2020 - 2:08 م

ترص أكياس الملوخية المقطعة بعناية، تضع قربها باقات النعناع الطازج فتملأ رائحته المكان، يلمع وجهها بابتسامة صباحية تنذر بعودة الربيع وتتغزل بما أمامها من طيبات نظفتها وغلفتها بنفسها. هى مدرسة لغة عربية فى الصباح، وبائعة بعد الظهر، هى معيلة صباحا ومساء ومسئولة عن ثلاثة أطفال بعد أن رحل زوجها عنهم. تحية لها.
***
تستقبل الزوار وترحب بهم، تساعدهم فى اختيار مكان جلوسهم، تسألهم عن أخبار العائلة وتعرض عليهم ما لذ وطاب مما طبخته، تقارن بين المواسم وتشرح اختياراتها فتقول إن أفضل الخضار هى التى تؤكل فى موسمها. تعامل المكان على أنه بيتها وكذلك يتعامل معه الزوار. هى سيدة المكان ومديرة المشروع، وحولت الطبخ من روتين يومى إلى موضوع حديث الإعلام الدولى الذى زار فسحتها. تحية لها.
***
تجلس أمامى تستمع إلى قصصى، لا تعلق كثيرا ولا تصدر أحكاما، تهز برأسها عند اللزوم ثم تعيده إلى مكانها ولا تتحرك. تنظر بعينين مهتمتين ولا تسمح لأى سبب أن يقطع عليها الاستماع. «لا توجد مسلمات»، تقول بين حينة وأخرى، فهى تترك لخيالها براح الاختيار وتصور الاحتمالات دون أن يقيده أى عرف أو قاعدة. تحية لها.
***
ترسم بقلبها قبل أن تمسك حتى بالريشة والألوان، تعطى عينيها لمن يزور معرضها يرى بها العالم كما رأته. تفتح قلبها على مصرعيه فيخيل لمن يقف أمام لوحاتها أنه دخل فى حياتها ولو للحظات. اللوحات شديدة الشفافية تحكى قصصا لا تنتهى عنها وعن مسيرتها، عن معتقداتها وعن مواقفها دون الحاجة إلى الكلام. تحية لها.
***
تتحرك على المسرح بفخفة قطة وقوة نمر، تكاد أن تطير فوق رءوسنا وتحط على الخشبة أمامنا من جديد لتفرش حكايتها مع السياسة ومع الرجال ومع الدين فى القاعة دون أن تسمى الأشياء بأسمائها. تبسط كفيها أمام الحضور فتخرج منها حيوات كاملة وقصص عن الحب والموت والنضال، بينما تتلوى هى بجسدها الممشوق وبمرونتها المدهشة، لخصت فى ساعة على المسرح سنوات من الحروب والسلامات الهشة. تحية لها.
***
تتساءل عن جدوى حياة أمضتها تهتم بمن حولها وترعى من يكبرها سنا، تساعد الصغير والكبير وتمسح بيدها على رؤوس من يطلب المساعدة فيظهر قوس قزح حولهما. هل بنت لنفسها مسارا مهنيا كما بات متعارف عليه اليوم؟ لا ولكنها متعددة المهام أكثر مما هو متعارف عليه، ومديرة للموارد البشرية أكثر كفاءة ممن يترأسون أقساما فى الشركات الكبرى. هى كمبعوثى السلام يعيدون العلاقات إلى مجراها بعد جفاء. تحية لها.
***
فى اليوم العالمى للمرأة أحاول أن أفكر بالمرأة بمنأى عن ارتباط دورها بالعائلة. فلا أريد أن أبارك لها لأنها زوجة أو أم أو أخت. أريد أن أبارك لها على شخصها، على وجودها فى عالم تملك هى نصفه وتسيطر عليه فقط لأنها امرأة وليس لأنها أفضل زوجة وأحلى أم.
***
تقول لى صديقة إن اليوم العالمى للمرأة هو يوم للتذكير بحقوقها وليس يوما للاحتفال بها وأظن أن صديقتى قد أصابت الهدف تماما، فأنا كثيرا ما أتساءل عن جدوى تقديم الورود والاحتفاء والحب والحقوق ما زالت منقوصة. أعود أحيانا إلى الواقع، خصوصا فى منطقتنا، بعد حادث يمس المرأة لأنها امرأة ويذكر بأننا، ورغم كوننا فى القرن الواحد والعشرين إلا أن ثمة ما يعيق التحاق المرأة بالعصر الحديث بغض النظر عن تقدميتها أو تقدمية أسرتها ومن حولها. هناك إصرار مؤسسى ومنهجى على عدم إعطاء المرأة القدرة على ممارسة حياتها بشكل كامل وفقا لقراراتها. لا تملك القرار المطلق وفى معظم الأحيان يحاول من حولها أن يثنيها عن قرارات قد تضعها خارج الأطر المتعارف عليها ثقافيا واجتماعيا. أقاوم رغبة فى صد كل من لا يزال يردد جملة «حقوق المرأة من حقوق الإنسان»، إذ لا أفهم أن ثمة حاجة للتذكير بذلك.
***
أنا عن نفسى أريد قوانينا للأحوال االشخصية تناسب العصر وترى فى المرأة والرجل فردين لا وصاية لأحدهما على الآخر. أريد شارعا آمنا لا تحرش فيه ولا كلمات نابية تشعرنى أننى أخطأت رغم أن من أخطأ هو المتحرش. أريد أن يجرم العنف الجنسى تماما وألا نخجل من الحديث عنه بسبب الحياء المجتمعى. أريد أن تحب ابنتى جسدها بغض النظر عن طولها ووزنها وأريدها أن تشعر بالأمان وليس بالاستباحة. أريد أن يفهم ابنى أنه نصف المجتمع وليس كله، وأن يتجاهل تماما فلتر النوع الاجتماعى فلا يحكم على شخص أى كان بسبب نوعه إنما يحكم عليه بسبب أدائه وكفاءته ونزاهته فقط.
***
فى اليوم العالمى للمرأة أشعر أن الدنيا قد أنصفتنى بإعطائى أولادا من الجنسين حتى تفرض على أن أطبق ما أدافع عنه. أعترف أننى أسأل نفسى الكثير من الأسئلة وكثيرا ما أراجع مواقفى حتى أتأكد أنها خالية من التمييز، وليس ذلك بالتمرين السهل ولا التلقائى، فالتمييز ما زال يظهر أحيانا من حيث لا أدرى فى داخلى ويفاجئنى، لذا فتحيتى الأخيرة هنا هى للرجل الذى تخلص تماما من التمييز ورفض أن يسائل المرأة من حوله عن أمور لا يتوقف عندها مع الرجال. فى يوم المرأة العالمى تحية لذلك الرجل.
كاتبة سورية

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات