استدامة أى علاقة فى عدلها - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 3:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

استدامة أى علاقة فى عدلها

نشر فى : الأربعاء 11 أبريل 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 أبريل 2018 - 9:40 م

الزواج مثله مثل معظم العلاقات، تحتاج إلى رغبة متجددة من الطرفين فى الحفاظ عليها، وطاقة تستثمر فيها، وكأنه حساب فى بنك إنسانى يضعان فيه من الحب والعطاء وتحمل صعوبات العشرة، فمعاشرة شخص حتى المحبوب، بمميزاته وعيوبه يوميا وعن قرب أمر صعب، والتخلى عن الخصوصية وأيضا عن الكثير من الأحلام والطموحات الشخصية والرغبات اليومية البسيطة (وهو أمر نفعله طواعية كل يوم لمن نحب) كلها جزء من مدخرات المودة والرحمة والحب الموضوعة فى الحساب، والتى نسحب منها فى أوقات الضغط النفسى أو الغضب أو الخلاف ونعود لنضع فيها مرة أخرى. ومهما كان عطاء أحد الزوجين لن تكفى أبدا المساهمة الفردية ولا غير المتوازنة لكى تحافظ على الحساب ممتلئا، فمهما كان لدينا من عطاء سيأتى يوما نيئس فيه ونتوقف عنه إن لم يكن متبادلا.

أساس العدل فى العلاقات أن نكيل بمكيال واحد لا بمكيالين، فنثمن استثمار كلا الطرفين فى البيت من وقت وجهد ومساهمة مادية سواء كانت بالعمل داخل أو خارج البيت بنفس الدرجة، نتناول سلبيات الطرفين بنفس العين الناقدة، فالعصبية والنكد والخيانة والبخل والبرود.. إلخ من العيوب فى الرفيق رجلا كان أم امرأة، وطأة قسوتها على الطرف الآخر واحدة. فبغض النظر عن رد فعل الطرف المجروح فيما يتعلق باستمرار العلاقة، فالجرح لا يقل عمقا والضرر لا يقل وطأة سواء كانت امرأة أو رجلا، ونحن نحتاج إلى أن ندرك أن معدلات الطلاق فى مصر زادت بشكل غير مسبوق، أما الانفصال الإنسانى والجسدى والاجتماعى فى الحياة اليومية للزوجين داخل بيتهما فى مجتمعنا فقد أصبح وكأنه التطور الطبيعى للعلاقة الزوجية.

***
نتناسى أن للمرأة والرجل منظورين للأمور، الاحتياجات مختلفة، والأحلام والمهارات الحياتية كذلك، حتى التجارب مختلفة، وفى هذا حكمة كبيرة من أجل خلق توازن داخل الأسرة. لفترات طويلة تم إرساء مفاهيم وقواعد اجتماعية مبنية على الفكر الأبوى الذى يمثل الطاقة الذكورية فى المجتمع (طاقة القوة والحفاظ على النفس)، واعتدنا أن هذه المفاهيم هى «الأصح» لرؤية الأمور فقط لأننا اعتدنا سماعها وترديدها. تجاهل الرؤية الأنثوية (طاقة العطاء والحفاظ على حقوق الغير) للأمور داخل مؤسسة الزواج فيه ظلم للأسرة التى تحرم من التوازن فى المفاهيم والقيم والقرارات، كما يؤدى إلى عدم رضا ومرارة لدى المرأة حتى فى المجتمعات التى تبرمج فيها على كبت الاحتياجات والرأى، كما أنه يكبل الرجل بهموم والتزامات ليس من العدل أن يحملها وحده فى اقتصاد يحتاج إلى دخلين وزمن تتعلم المرأة فيه مثل الرجل ويجب أن تدرك أن مساهمتها فى العبء المادى لأسرتها ليس تنازلا منها وإنما هو جزء من التوازن المطلوب بين الزوجين حتى لا ننتهى إلى ما نراه فى كثير من الأحيان من شقاء الطرفين الزوج والزوجة.

فلسفتنا فى تناول مؤسسة الزواج فيها الكثير من النفاق والظلم، فنحن فى مجتمعنا «الأبوى» حيث الأب يتحمل المسئوليات المادية مقابل الاحتفاظ بسلطة القرار العليا فى الأسرة، لم نعامل الزواج كشراكة تحتاج إلى قواعد ضبط عادلة مثل أى شركة، فعادة يتحمل الشريك ذو السلطة الأعلى فى الشركة النتائج، وعليه مسئولية الإصلاح، وذلك مقابل سلطاته ووضعه فيها. أما مجتمعنا فهو يصر على احتفاظ الرجل بالسلطة الأبوية دون تحمل المسئولية الأدبية فى الحفاظ على كيان الأسرة، فالمجتمع يحمل المرأة مسئولية استمرار العلاقة الزوجية ومسئولية امتصاص أى هزة تتعرض لها العلاقة ويطالبها بإيجاد حلول لإعادة الاستقرار إلى بناء الأسرة، حتى لو لم تكن هى التى هددت أساساته. وهو ضغط تواجهه النساء ليس فقط من محيطهن ولكن من داخلهن أيضا بسبب موروثهن الثقافى. وهو ضغط يزيد من عدم التوازن بين كفتى ميزان الأسرة فى مجتمعنا والذى لو كان ميزانا عادلا لكان قسم السلطات وبالتالى وزع مسئولية الحفاظ على البيت بين زوجين متكافئين فى حجم العطاء والقدرة على أخذ القرار الأسرى، أما الوضع الحالى فلا هو عادل ولا هو ناجح.

***

مثال آخر وهو آت من عدة دراسات علمية تمت فى أمريكا وأوروبا وتداولتها المجلات ووسائل التواصل الاجتماعى بكثافة حيث تنشر نتائج استبيان لعدد كبير من الرجال والنساء يطلب تعريفا للعلاقة الحميمة غير المرضية، وكانت الإجابة صادمة، فالأغلبية من الرجال كان ردهم هو «الملل» أو «شريكة غير متفاعلة» أو «عدم الوصول إلى النشوة»، فى حين كانت إجابة النساء هو وجود «ألم» أثناء العلاقة الحميمة وقمن بتصنيف الألم إلى درجات. الأبحاث أظهرت أن توقعات الرجال والنساء من العلاقة مختلفة تماما فيما يخص هذه الممارسة الفيسيولوجية التى تتم فى كل بيت والتى هى مبنية على القدرة على التواصل بين الطرفين، (من المهم هنا أن نضع فى الاعتبار أن هذه التجارب كانت فى بلدان لا تمارس قطع الأعضاء الجنسية للفتيات، وأن مصر للأسف ما زال أكثر من ٨٣٪ من نسائها يعانين من تبعات قطع لحم وأعصاب وجلد ينتج عنه ليس فقط فقد للمتعة والتفاعل فى العلاقة ولكن أيضا ألم من الممكن أن يؤثر على متعة الرجل والمرأة معا). «المقبول والمتوقع والطبيعى» بالنسبة للمرأة جزء كبير منه موروث ثقافى، حيث إن مبررات الألم ــ علميا ــ أثناء العلاقة معظمها سببها سوء التجاوب والتفاهم أثناء الممارسة بين الطرفين، أى أنه يحتاج إلى إرساء ثقافة العطاء لدى الرجل والتفهم لاحتياجات المرأة من العلاقة والتى هى مختلفة عن احتياجاته. للكاتبة الجزائرية المبدعة أحلام مستغانمى فى روايتها «عابر سرير» مقولة معبرة جدا عن حال المرأة عموما والمرأة العربية خصوصا: «لا أكثر كآبة من فعل حب لا حب فيه».

محتاجون إلى ميزان واحد لضبط العلاقة، كفَّتاه تزن احتياجات المرأة من منظورها والرجل من منظوره وحساب إنسانى رصيده مسئولية الطرفين. هذا لو كنا جادين فى إصلاح ما أفسده الظلم، فلا رحمة ولا مودة من طرف مهما كانت متدفقة تستطيع أن تملأ حساب يلتهمه الظلم والقسوة من طرف آخر.

هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات