هل نحن نستعد لما بعد كورونا؟ - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 4:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هل نحن نستعد لما بعد كورونا؟

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2020 - 12:35 ص | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2020 - 12:35 ص

من يكون المسئول عن وضعنا فى الصورة – شعبا وقطاعا خاصا – لما يتم خلف الكواليس؟ فإن عدم تناول وسائل الإعلام المفاوضات التجارية التى تجريها الحكومة والوزارات المختصة على المستويين الثنائى والإقليمى – على الرغم من أهمية شفافية مثل هذه المداولات والمفاوضات – لا يعنى أن الحكومة لا تستعد لمرحلة ما بعد جائحة كورونا من خلال تهيئة الأجواء المناسبة لاستئناف التجارة وإعادة فتح الأسواق. وأن مثل هذه المفاوضات تكون فى غاية الأهمية – أن يتم إجراؤها بالفعل ــ ليس فقط لإنهاء فترة الكساد التى نعيشها إثر الإغلاق الاقتصادى، ونحن فى ذلك لا نختلف عن غيرنا من الدول، ولكن هذه المفاوضات مهمة أيضا فى ضوء الظروف الصعبة التى تمر بها المنظمة العالمية للتجارة والشلل التام الذى ينتاب المفاوضات متعددة الأطراف، مما أفقد العالم الآلية الوحيدة التى يمتلكها لسن القوانين ووضع قواعد متفق عليها للتجارة، لا سيما فى ضوء ظهور العديد من الموضوعات المستجدة، التى أصبحت تطغى على التجارة الدولية، من بينها التجارة الإلكترونية والتحول الرقمى دون إيجاد قواعد متسقة فيما بين الدول وتصرف كل على هواه دون تنسيق أو تنظيم.

ويتعين على وزارة التجارة والصناعة فى مثل هذه الأوقات أن تضاعف من جهودها التفاوضية وتعبئ خبراءها وخبراتها، حيث إن أمامها أكثر من جبهة مفتوحة، سواء كان ذلك فى إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، التى لم تنته بعد المرحلة الأولى من المفاوضات وتبقى وقواعد المنشأ وتحرير التجارة فى الخدمات محل جدل، بما فى ذلك التحول الرقمى لاقتصاديات الدول الأفريقية. كما أنه إزاء تعليق كل الاجتماعات، بسبب الكورونا، لم تبدأ مفاوضات المرحلة الثانية بعد والتى تتناول موضوعات مثل حماية وتيسير الاستثمار وسياسات المنافسة وأوجه حقوق الملكية الفكرية. فهذا ملف ثمين لا نعرف أين نحن منه منذ تسليمنا الرئاسة لدولة جنوب أفريقيا فى أول يناير. فبعد أن كانت وسائل الإعلام – أثناء رئاستنا – تتحفنا يوميا بأكثر من مقال عن أفريقيا ومنطقة التجارة الحرة القارية، أصبحت أخبار القارة فى خبر كان.

كما أنه على وزارة التجارة والصناعة أيضا أن تواصل ما بدأته بالنسبة للمفاوضات التى قامت بتدشينها مع المملكة المتحدة بناء على طلب الأخيرة للاتفاق على منطقة تجارة حرة بين البلدين فى أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وكذا استكمال الحوار مع الاتحاد الأوروبى تمهيدا لبدء مفاوضات موضوعية وجادة أسوة بدول البحر المتوسط حول اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبى أكثر شمولية وعمقا.
وأخيرا وليس آخرا، المفاوضات الجارية بمبادرة من مصر والتى قامت وزارة التجارة والصناعة ببدئها منذ أكثر من أربع سنوات مع الاتحاد الأوراسى، الذى يضم خمس دول وهى روسيا، أرمينيا، كزاخستان، كيرجستان وبيلاروسيا ويصل تعداد سكانها إلى أكثر من 180 مليون نسمة، وكان لهذه المفاوضات أن تنتهى خلال سنتين على الأكثر، وما زالت هناك بعض العقبات من الجانبين والتى من الضرورة التغلب عليها إذا أردنا الاستفادة من هذة السوق الضخمة. كما أن جبهة المفاوضات مفتوحة مع الولايات المتحدة دون تحديد واضح للهدف إذا ما كانت مصر تريد الخوض فى مفاوضات حول اتفاقية تجارة حرة أسوة بكينيا مؤخرا أم أننا ما زلنا نخشى من مبالغة الولايات المتحدة فى مطالبها، لا سيما فى إطار تحرير التجارة فى الخدمات والمشتريات الحكومية وحماية أوجه حقوق الملكية الفكرية. وما نخشاه بصفة أساسية هو نجاح مفاوضات الولايات المتحدة وكينيا استعدادا للأخيرة أن تصبح بوابة شرق أفريقيا وسوق الكوميسا للسلع والخدمات الأمريكية، وهو ما قد يفوت على مصر فرصة سانحة. وإزاء كل هذه الأنشطة الحيوية بالنسبة لمصر وربما أيضا لوزارة التجارة والصناعة، فمن غير المعلوم ما إذا كانت وسائل الإعلام غائبة عنها أم أن الوزارة ما زالت فى فترة استرخاء من جائحة الكورونا وآثارها.
***
وباعتبارى توليت هذه المفاوضات لبضع سنوات بوزارة التجارة والصناعة فهناك بعض الأمور، التى يتعين علينا مراعاتها بحرص، فإن هذه المفاوضات صعبة وشديدة التعقيد. وإنى لا أقول ذلك من قبيل التفاخر ولكن لاهتمامى بأن تكون مصر دائما مُلمة بأبعاد هذه المفاوضات وأهميتها تحقيقا لمصالحنا ورفاهية شعبنا. فأولا تعددية الجبهات المفتوحة ليست عيبا بل أنه يصب فى مصلحة مصر ويعمل على تيسير مهمة المفاوض وجعلها أكثر سلاسة إذا ما كان ملما إلماما جيدا بأبعاد المفاوضات وتداعياتها ويكون له نظرة شاملة لمجرياتها. فإن المفاوضات التجارية كل لا يتجزأ وعادة ما تكون مكملة لبعضها البعض. أمّا النقطة الثانية والتى لا تقل أهمية عن الأولى، فهى أن يعى المفاوض أن المفاوضات ليست قائمة بذاتها، بل إن المفاوضات سلسلة مستمرة تستهدف تحقيق المصالح المتبادلة للدول المتفاوضة. ومن هنا، ضرورة تدارك أن المصلحة ليست مطلقة، فليس هناك رابح مطلق أو خاسر مطلق، إنما هى مقايضة للمصالح والأهداف تحقيقا للأولويات، التى هى متغايرة ومتغيرة. فإن التوصل إلى اتفاق ليست نهاية المطاف، لأنه عادة ما يعقب كل اتفاقية مفاوضات مجددة لاستكمال أو تعميق أو توسيع نطاق الاتفاقية. وعليه، فمن الأهمية بمكان دائما الحفاظ على حسن العلاقات بين المتفاوضين واستمراريتها.
***
ويتعين علينا قبل الخوض فى أى من هذه المفاوضات تحديد أولوياتنا ومصالحنا ومتطلباتنا بكل وضوح، بما يسمح لنا إبان المفاوضات إجراء التنازلات المحتملة والممكنة، التى لا تمس بتلك الأولويات والمصالح. ومن الطبيعى أن تختلف المصالح من اتفاقية إلى أخرى، فمثلا قد ترغب مصر من خلال اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية بداءة إثبات دورها كقائد يهتدى به ويحظى باحترام الدول ومحبة شعوبها مستهدفا النهوض بالقارة ورفاهية شعوبها، فإن ذلك فى حد ذاته من شأنه أن يعمل على تحقيق المصلحة المصرية. كما أنه يكون على عاتق مصر موازنة مصالحها فى مختلف المجالات ما بين التجارة فى السلع والتجارة فى الخدمات والاستثمار وغيرها من المجالات الحيوية، التى تدخل ضمن المرحلة الأولى والثانية للمفاوضات. فقد يوافق المفاوض على فتح السوق فى مجال السلع للدول الأفريقية فى سبيل مقايضة تلك الدول على فتح سوقها بالنسبة للتجارة فى الخدمات، وعليه تكون أفريقيا سوقا مفتوحة للخدمات المالية وخدمات التأمين والصحة وغيرها من المجالات الخدمية والتى تمتاز بها مصر دون غيرها من الدول الأفريقية.
وقد تختلف أولوياتنا تماما بالنسبة للحوار مع الاتحاد الأوروبى والرغبة فى تحديث اتفاقية المشاركة، التى دامت الآن سبعة عشر عاما بعد أن أقرها مجلس الشعب فى عام 2003. وقد حان الوقت للتفكير جديا فى تعميق وتوسيع نطاق الاتفاقية إلى ما يتعدى مجرد تحرير التجارة فى السلع. وقد تتمثل أولوياتنا هنا فى الاستفادة من الخبرة الأوروبية والاندماج فى سلاسل الإنتاج الإقليمية ومساومة الاتحاد الأوروبى على انتقال العمالة المصرية للعمل فى الدول الأوروبية وفقا لما تسمح به اتفاقية التجارة فى الخدمات بموجب الأسلوب الرابع المعنى بانتقال الأشخاص الطبيعيين للعمل فى الخارج.

أماّ بالنسبة للمفاوضات مع المملكة المتحدة، فقد دخلت مصر تلك المفاوضات وهى تعلم جيدا أنه لا يمكنها إدخال تعديلات جذرية إلاّ بعد انقضاء الفترة الانتقالية سواء كان ذلك فى يناير 2021 أو بعدها إذا ما تم تمديد الفترة الانتقالية للمملكة المتحدة لعامين آخرين، وهو الأمر الذى يبدو أكثر احتمالا فى ضوء بطء الحركة التفاوضية بل وتوقفها لبعض الوقت نتيجة جائحة الكورونا. وكانت أولوياتنا عند بدء هذه المفاوضات التعجيل من الانتهاء منها والتصديق عليها ضمانا لاستمرارية سلاسة التجارة على ذات الأسس التفضيلية السائدة بين مصر والاتحاد الأوروبى، حيث تمثل المملكة 41٪ من إجمالى الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر. كما كان التوجه نحو التعجيل أيضا نابعا من هدفنا فى اتخاذ المملكة المتحدة شريكا تجاريا للدخول إلى الأسواق الأفريقية والإسراع من وضع أسس التعاون الثلاثى بدلا من أن تسبقنا إليه كل من المغرب وجنوب أفريقيا اللتين لم تترددا كثيرا فى توقيع الاتفاق مع المملكة المتحدة. والسؤال أين نحن من هذه الاتفاقية؟
***
وإزاء ما تقدم، فمن الواضح اختلاف أولوياتنا وفقا لمصالحنا وأهدافنا بالنسبة لكل اتفاقية، وإن تبقى الشفافية والمصارحة فى نطاق هذه المفاوضات فى غاية الأهمية. فإن هذه الاتفاقيات أولا وأخيرا لخدمة القطاع الخاص والمستهلك، وهما أول المستفيدين من جرائها.

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات