مفهوم الخبرة - محمد زهران - بوابة الشروق
الإثنين 17 فبراير 2020 2:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


مفهوم الخبرة

نشر فى : السبت 14 مايو 2016 - 10:20 م | آخر تحديث : السبت 14 مايو 2016 - 10:20 م
نتكلم كثيرا عن الخبرة وأهل الخبرة وأننا نحتاج إلى أهل الخبرة كي نتقدم، هذا صحيح، فيما عدا شيئ واحد: أن تعريفنا لمن هو الخبير غير دقيق، أحس دائما أن مفهومنا عن الخبير هو شخص كبير في السن لأنه قضى سنين طوال من حياته يعمل في مجال ما والذي نعتبره خبيراً فيه، أعتقد أن هذا التعريف غير دقيق، فقد يعمل الشخص في مهنة ما لمدة طويلة ولا يصبح خبيراً لأنه ظل يعمل نفس الشيئ، ولم يطور من معلوماته ولم يتعمق في مهنته أو تخصصه، أنت قد تعمل في برمجة الحاسبات لعشرات السنين ولكن إذا لم تتابع تطور لغات البرمجة وتطور تصميم الحاسبات وتراقب مستواك وتحاول تحسينه وتحديد نقاط الضعف فيه فأنت لست بخبير، لذلك فجملة "عشر سنوات من الخبرة في ..." لا تعني شيئا، ما لم تكن مصحوبة بما يدل على تطور أساليبك (أبحاث جديدة تنشر في أماكن مرموقة، جوائز عالمية، براءات اختراع، دورات تدريبية وكيف استفدت منها وهكذا)، وهناك شيء آخر: الخبرة ما عادت تحتاج إلى الوقت الطويل الذي كانت تحتاجه في السابق نظرا لسهولة الحصول على المعلومة وتقدم وسائل التدريب وأساليب التدريس، بل إن سرعة التطور في عصرنا الحالي يعطي الأفضلية لصغار السن نسبيا لأنهم الأقدر على متابعة الجديد والتأقلم بشكل أسرع، ما أريد أن أقوله أن شخصا أمضى في عمل ما عشر سنوات ليس بالضرورة أكثر خبرة من شخص قضى سنتين مثلا إذا كان هذا الأخير قد طور من أساليبه وتابع تطورات تخصصه وأصلح من نقاط ضعفه وأخذ النقد بجدية، ولهذا نجد أن أبحاثا قوية جدا في الولايات المتحدة مثلا تأتي دائما من الباحثين صغار السن (درجة مدرس في الجامعة مثلا) ولذلك يسمحون لأساتذة الجامعات على درجة مدرس بالإشراف الكامل على رسائل الماجستير والدكتوراه بعكس عندنا في مصر حيث يجب أن يكون المشرف (أو أحد المشرفين على الأقل) على درجة أستاذ مساعد فأعلى، ولهذا السبب أيضا نجد جامعة مثل MIT ترقى باحثا عظيما مثل وولفجانج كترل (Wolfgang Ketterle) من مدرس إلى أستاذ بدون أن يمر على درجة أستاذ مساعد، فالموضوع ليس بعدد السنين، وجدير بالذكر أن وولفجانج كترل حصل على جائزة نوبل في الفيزياء بعد عدة سنوات من ترقيته (حتى لا يقال أنه ترقى من أجل الجائزة)، وهناك من يترقون من درجة إلى أعلى في عدد قليل للغاية من السنين، هذا لا يعني بالطبع أن كبار السن ليسوا خبراء بل الكثير منهم من العلماء الأجلاء وخبراتهم عميقة ولكن ذلك لأنهم علماء بحق وليس لأنهم كبروا في السن.

وحيث أننا نتكلم عن الخبرة فشخصيتنا اليوم نمت خبرتها يوما بعد يوم من فترة الدكتوراه وحتى الوفاة في سن 91 عاما (مثال واضح عن الخبرة في الصغر و الكبر معا)، إنه الدكتور محمد عبدالفتاح القصاص الذي يعتبر بحق موسوعة في علوم البيئة، كل من قابله قبيل وفاته كان يندهش من حيويته الزائدة (الخبرة لا تنمو بكسل) حتى وهو في العقد التاسع من العمر!

الدكتور القصاص (كلية العلوم جامعة القاهرة) كان يعد من أكبر خبراء التصحر في العالم وكان شديد الدقة في التعامل مع المعلومات، وهو من أوائل من لفت الأنظار لمفهوم التصحر في المنطقة العربية وكان يدعو تلاميذه لتوثيق جميع المعلومات الممكنة عن النباتات في المنطقة حيث أن هذه الثروة النباتية مهددة بالتغير المناخي والتصحر، اكتسب الدكتور القصاص خبرة كبيرة وهو مازال طالبا في جامعة القاهرة عن الثروة النباتية المصرية وجعل منها رسالته للدكتوراه والتي نالها من جامعة كامبريدج البريطانية عام 1950.

نظرا لخبرته الفريدة يعتبر الدكتور القصاص أول شخص من العالم الثالث يرأس الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية (IUCN: International Union for Conservation of Nature) من العام 1978 ولمدة ست سنوات، هذا العالم الكبير من مواليد برج البرلس مركز بلطيم عام 1921 وتخرج في كلية العلوم جامعة القاهرة عام 1944 بامتياز مع مرتبة الشرف، وعندما عاد من بريطانيا أنشأ في جامعة القاهرة مدرسة علمية في مجال البحوث الصحراوية أفرزت الكثير من الباحثين الحاصلين على الماجستير والدكتوراه وتعتبر من المدارس الرائدة على مستوى العالم ولهذه الخبرة الفائقة حصل على عدة دكتوراهات فخرية إحداها من السويد، وسام برتبة فارس من هولندا، وسام برتبة فارس من السويد، جائزة الأمم المتحدة للبيئة، وعلى المستوى المحلي حصل على جائزة الدولة التقديرية ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، والقائمة تطول دوليا ومحليا. رحم الله الدكتور محمد عبدالفتاح القصاص الذي وافته المنية عام 2012، وأتمنى أن نستفيد من الخبراء عندنا ونتعامل مع مفهوم الخبرة بمنطق أعمق من المدة الزمنية.
محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات