البَـرد - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 16 فبراير 2020 11:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


البَـرد

نشر فى : الجمعة 17 يناير 2020 - 10:35 م | آخر تحديث : الجمعة 17 يناير 2020 - 10:35 م
كُلَّما حَلَّ الشتاءُ، جاءت أيامٌ يقول الناسُ أنهم لم يروا أصعبَ مِنها، أنها المَوجةُ الأعتى في انخفاضِ درجاتِ الحرارة وتراجُعها، والأشدُ قسوةً على العِظامِ المُنهَكة، والأفتكُ بالحلوُقِ والصدور. يفعلُ شهرُ طوبة أفاعيلَه ويجعل مَن يُحبُّون الشتاءَ مُتردّدين في التمَسُّك بمَواقفِهم؛ إذ يكتسح الثيابَ الثقيلةَ والطواقيَ وأدواتِ التدفئةِ الشبيهةِ، ويُحيلُها عدمًا، أما بالنسبة لمَن يُفضّلون الفصولَ الأخرى على الشتاءِ ويحتفون بمقدمِها؛ فيجدون فرصةً سانحةً للتشفي والسُخرية مِن الأبطال الذين اتخذوا خطواتٍ للوراء، وصاروا مع غزَّات البُرودة مُرتعدين.
***
طُوبةُ شهرُ الطَّقسِ القارسِ، لا يُناطحه شهرٌ آخر، ولا يجرؤ عُشَّاقُ الشِتاء ذاتِهم على تحدّيه، والأمثالُ الشعبيةُ المُرتبطةُ بالأشهُر القِبطية تقول: طوبة يخلّي الشابة كركوبة.
***
ثمَّة مَن توفَّرَت لهم ظروفٌ مَقبولةٌ وحياةٌ مُوسرةُ بما يكفي؛ غنيةُ بالبطاطين والألحفة، وبمُكيّفات الهواء التي تجعل الوضعَ مُحتمَلًا وربما لطيفًا، وعلى الجانبِ الآخر ثمَّة مَن يخترقُ الهواءُ البارد جُدرانَهم الخشبِيَّة، وتعبُر قطراتُ المِياه مِن أسقُفِهم المَثقوبة، ومَن تحيلُ الريحُ المُثلَّجةُ حوائطَهم الصفيحَ إلى قَرصاتٍ خبيثةٍ مُوجِعة.
***
هناك مَن لا مأوى لهم سوى الشارع؛ تتكوم أجسادُهم في الصباحِ الباكرِ وأواخر الليلِ على الأرصفةِ، مَلفوفةً بأغطيةٍ مُتباينةِ الحجمِ والصورةِ، لا يُمَيِّز العابرُ بها مَوضعَ الرأسِ مِن القدمَين، ولا يُدرِك إنْ كان الشَّخصُ المُتدثر حيًا بعد أو أنه قد أسلمَ الروح. ليس هؤلاءُ بقليلين، وليسوا في حقيقةِ الأمرِ بالأسوأ حالًا؛ ثمَّة مكانٌ دائمٌ للأتعسِ مَوقعًا والأقلِ حظًا.
***
مِن الناس مَن لا يملِكون حُرّيةَ الحَركةِ التي تجلِبُ بعضَ الدفء، ولا يرون بأعينِهم ضوءَ الشَّمس، ولا يُسمَح لهم بقُبول مُساعدةٍ مِن الآخرين؛ سواء كانت مَلابسَ تحمي أجسادَهم، أو أغطيةً إضافيةً تُخفّف مِن ارتجافِهم، أو حتى آنيةَ حساءٍ ساخنٍ تُرجئ الإصابةَ بنزلاتِ البردِ العَنيفةِ، وتحِدُّ مِن تطوُّرَاتٍ قد لا تُحمَد عُقباها. يعيشُ هؤلاء في أوضاعٍ صِحّيةٍ هي أدنى ما تكُون؛ جُموع مُزدحِمَةُ مُكدَّسة، أجواءٌ عَطِنةٌ، غذاءٌ فقيرٌ، ودواءٌ شحيحٌ مَحجُوبٌ احيانا عمَن يحتاجُون.
***
خرَجَت رسائلٌ عِدةٌ مِن أماكن احتجاز هنا وهناك، حيث آلاف البشر يقبعون بين جدرانٍ صمَّاء لا تملِك بهم رأفةً ولا رفقًا أو مؤازرةً؛ تتحولُ رغمًا عنها إلى أفرانٍ في الصَّيفِ وصناديقِ جَليدٍ في الشتاء. غالبُ الرسائلِ شفاهيٌّ، قليلُها مَكتوبٌ، وجميعُها يَستنجِد بالوَاقفين خارجَ الأسوار؛ إذ الوجودُ الطليقُ في حدّ ذاتِه سُلطةٌ، وحَرُّ الحَركةِ يملِك ولا بُد بعضَ القُدرةِ، والبَرد أصعب مِن احتمال الكثيرين، والإمعانُ في الإيذاءِ لا يتوَقَّف عِند حُدود.
***
أصلُ العقُوبةِ وجَوهَرُها؛ حرمانٌ مِن الحُرّية، ومِن الاختلاطِ بالمُجتمَع لوقتٍ تحدّده القوانين، أما الحرمانُ مِن الاحتياجات الإنسانية الأساسية، كالطعامِ والماءِ والدفءِ؛ ففعلٌ غير مقبول، لا يَمُتُّ لفلسفة العقابِ في العالم الذي نالَ صِفةَ التحضُّر بصِلةٍ؛ فما الحال إذًا، والبعض لم يرتكبوا جرما ولا خطئا بل هم مُستَبقَون في أسرهم إلى أن يحظون بالعدالة والإنصاف.
***
قسوةُ البَردِ مُربِكةٌ والاحتماءُ مِنها في غيابِ وسائل تدفئةٍ مُناسبة أمرٌ عسيرٌ، الكُلُّ يبحثُ عما يَجد في مُتنَاوَل يدِه، وما يمكِنه تحمُّل كُلفَته. التناقضاتُ صارخةٌ، وهي في الوقت ذاتِه حاضرةٌ مُتجاورة؛ فمِن بيتٍ أنيقٍ عامرٍ بمأكولاتِ الشتاءِ التي تحمِلُ الطاقةَ للآكلين، والمَشروباتِ الساخنةِ التي تتصاعدُ مِن حوافِ أكوابِها الأبخرة، إلى أرضٍ فضاءٍ لصيقةٍ؛ لا تبعد سوى مَرمى حَجَر، أوقدَ حارسُها النارَ في أغصانٍ جافَّةٍ التقطها بغريزةٍ بقاءٍ أصيلة، وتَحَلَّقَ وزوجتُه وصغارُه مُحيطين بها؛ يقونَها الانطفاءَ، ويتلمَّسون بأكفّهم في حضرتِها بعضَ الدفء، فيما تزكُم أنوفَهم الأدخنة.
***
تقُضُّ البُرودةُ المَضاجِع وتذهبُ بالنَّوم وتُورِث المَرءَ حالًا مِن الوَهنِ الدفين. يُصبح الجسمُ حيال الكائنات الدقيقة التي تناوِشه في وضعٍ عَصيبٍ، وتتخازل أعضاؤُه عن المُقاومةِ والدِفاع، وقد يسقط فريسةً سهلةً للأمراضِ والعِلَل. حق البشر في استيفاء شروط الأمان لا جدال فيه ولا مساومة عليه.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات