جورباتشوف لم يقبل شفتي كرنتس - برلين وأنا (11) (ذكرياتي مع برلين في مناسبة مرور ثلاثين عاما على انهيار حائطها) - حسام السكرى - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 6:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

جورباتشوف لم يقبل شفتي كرنتس - برلين وأنا (11) (ذكرياتي مع برلين في مناسبة مرور ثلاثين عاما على انهيار حائطها)

نشر فى : السبت 21 ديسمبر 2019 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 21 ديسمبر 2019 - 8:15 م

في نوفمبر 1989 كنت أعيش في شارع شليزيشه شتراسه شريكا لمارتن شيفك الذي ربطتني به صداقة هادئة. عرفته من خلال بيآته شالبورج التي سكنت معها في كورفوستنشتراسه. احتاجت غرفة لصديقها فسهلت لي الانتقال إلى غرفة أخرى في شقة مارتن الذي كان تدرس معه العمارة.

الشقة على بعد أمتار من آخر محطات الخط الأخضر. مترو برلين الرئيسي الذي يشق المدينة عرضا. هنا تنتهي حدود برلين الغربية ومن شرفتي كنت أرى السور وتحصيناته وملامح شارع وحديقة تغيب في الضباب في الجهة الأخرى.

صبيحة التاسع من نوفمبر، اليوم الذي "ذاب" فيه السور، أفطرت مع مارتن قبل أن يذهب إلى الجامعة. لم يكن على بال أحدنا أن القدر يخطط لحدث بهذا الحجم. ولم تكن أحداث ألمانيا الشرقية مما يشغل بالنا كثيرا.

علي بعد أمتار وعلى الجانب الآخر من السور كانت الأزمة انتشرت من ألمانيا الشرقية إلى دول شرق أوروبا. آلاف الألمان الشرقيين الممنوعين من السفر للغرب خرجوا لتشيكوسلوفاكيا والمجر واعتصموا حول سفارات ألمانيا الغربية مطالبين بجوازات سفر غربية. غيرهم يتدفقون مهاجرين في شبه دائرة كاملة، عبر تشيكوسلوفاكيا والمجر ثم النمسا وأخير ألمانيا الغربية الملاصقة لألمانيا الشرقية!

على السور من جهته الغربية يوجد رسم ضخم يخلد القبلة الشهيرة بين الزعيم السوفييتي بريجينيف وزعيم ألمانيا الشرقية إيريش هونيكر. حضن قوي وقبلة غير مألوفة على الشفتين تعكس القرب ونوع المشاعر بين البلدين: المهيمن والمهيمن عليه. كان هذا عام 86. تغير العالم في 89. نحن الآن في عصر جورباتشوف الذي لم يمنح قبلاته لأحد. خرجت بولندا ثم المجر عن طوعه دون أن يحرك ساكنا. وفي لقائه مع قادة ألمانيا الشرقية أثناء الأزمة لم يبد أي نية للدعم أو التدخل.

الأحداث المتسارعة تبعها تنازل هونيكر السبعيني وتصعيد نائبه الشاب إيجون كرنتس (52 عاما) ربما بعد فوات الأوان. حاول كرنتس تهدئة المتظاهرين بإعادة فتح الحدود المغلقة مع تشيكوسلوفاكيا، ومنع إطلاق النار عند الحدود. للغرابة سيحاكم لاحقا بتهمة مشاركته في المسؤولية عن قتل نحو 580 ألماني حاولوا الهرب إلى ألمانيا الغربية. سيقضي أربعة أعوام في السجن يشاركه تسعة شهور منها جونتر شابوفسكي الذي سيرتكب في هذا اليوم أشهر زلة لسان في التاريخ.

في العصر قلبت قنوات التليفزيون وتوقفت أمام مؤتمر صحفي كان شابوفسكي يعلن فيه نتائج اجتماع المكتب السياسي الذي كان يبحث حلا لأزمة نزيف البشر. لن يعلم أحد في تلك اللحظة أنه لم يحضر الاجتماع وأن كرنتس ناوله ورقة فيها الخلاصة. سيختلف الاثنان لاحقا حول طبيعة ما تبادلاه من حديث. ينفي شابوفسكي أن كرنتس أخبره أن خطة السماح للألمان الشرقيين بالسفر كانت في طور التنظيم وتتضمن الحصول على فيزا وإذن بالخروج.
في المؤتمر يبدو متلعثما وهو يعرض لإجراءات السماح بالسفر "من كل المنافذ". يسأله صحفي من الحاضرين: متى؟ يرتبك ويقلب الورقة التي أعطاها له كرنتس. يقرأ بعضا من بنودها ثم يهز رأسه قائلا: من الآن.

التقطت محطات تليفزيون المانيا الغربية الخبر وأعلنته. خرج العشرات بتردد نحو السور الذي كان الاقتراب منه قبلا يعني الموت. ارتبك الحراس وتحسسوا مسدساتهم. تذكروا أوامر منع إطلاق النار. كان الأمر لا يصدق. مر المواطنون أمامهم من المعابر. مجموعات محدودة في البداية تبعها مئات ثم آلاف ثم عشرات الآلاف.

ذاب السور فعليا وفي اليوم التالي رأيت مارتن آخر لم أكن أعرفه.
(يتبع)

التعليقات