التقارير الدولية وسلامة الوضع المالى لمصر - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 سبتمبر 2022 4:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

التقارير الدولية وسلامة الوضع المالى لمصر

نشر فى : الإثنين 25 يوليه 2022 - 7:35 م | آخر تحديث : الإثنين 25 يوليه 2022 - 7:35 م

كثيرا ما أكدت على أن التقارير والتحليلات الصادرة عن أذرع بحثية لبنوك استثمار أجنبية، هى مصدر مهم لمعرفة حقيقة الوضع الاقتصادى فى مصر، وإن كانت لا تعبر عن الحقيقة كاملة. وكما اختلفنا مع الانتقائية فى التعاطى مع تلك التقارير، بحيث يتوقف البعض عند العبارات الإيجابية مهملا أى إشارات سلبية، ويفعل البعض الآخر العكس تماما، انحيازا من كل طرف إلى فكرة يريد تأصيلها. فإننا نختلف مع الإهمال التام لهذا النوع من الإصدارات، بدعوى أنه يحمل تعارضا للمصالح من قبل الجهة المصدرة، خاصة أن تلك الجهات تخضع لرقابة تنظيمية صارمة فى بلادها، بما يلزمها بالتحذير صراحة فى متن إصداراتها من شبهة تعارض المصالح فيما تذهب إليه من آراء، نظرا لاستفادتها المحتملة من توجيه صانع القرار والمستثمر نحو اتجاه معين، من شأنه تعزيز بضاعتها فى السوق محل الدراسة. ولأن بنوك الاستثمار تبيع استشارات وفرصا استثمارية للمستثمرين الأفراد والمؤسسات فى مختلف الأسواق، فإنها تتكسب من بسط رؤيتها التحليلية وإعادة ضبط الأسواق وفقا لبوصلتها الخاصة.
بالأمس القريب وتحديدا فى 12 يوليو 2022 صدر عن بنك أوف أمريكا للأوراق المالية BofA Securities تقريرا مهما ضمن إصداراته البحثية واسعة الانتشار، التى تتناول تطور الأوضاع الاقتصادية والظروف الاستثمارية فى الأسواق الناشئة. انصب اهتمام التقرير بشكل أساس على تحليل الأوضاع المالية والنقدية فى مصر، مع التركيز على مستقبل الجنيه المصرى فى الأجل القصير، استنادا إلى عدد من المؤشرات الحيوية وفى مقدمتها احتياجات مصر من النقد الأجنبى، لتغطية العجز فى ميزان المعاملات الجارية بميزان المدفوعات، وسداد التزامات الدين الخارجى مختلفة الآجال، واتساع الفجوة بين معدلات التضخم فى مصر ونظيرتها فى الولايات المتحدة الشريك التجارى المصدر للدولار، العملة التى لا غنى عنها للتجارة الدولية والاحتياطى وتقييم الديون وتسوية المعاملات والمديونيات، ذلك الشريك الذى تتميز معاملاته الخارجية بعجز مستمر فى ميزان التجارة البينية مع مصر.
• • •
استقر التقرير إلى أن الجنيه المصرى مقوم بأكثر من قيمته الحقيقية، وأنه فى حاجة إلى تخفيض ما يتراوح بين 10% و 20% من قيمته مقابل الدولار، وذلك بعد الأخذ فى الاعتبار التخفيض الأخير الذى حدث فى مارس الماضى، والذى لولاه لكان الجنيه (وفقا لتنبؤات التقرير) فى حاجة إلى تخفيض ما يتراوح بين 30% و 45% من قيمته لتحقيق المواءمة المطلوبة بين سعر الصرف الاسمى وسعر الصرف الحقيقى الفعال (الذى يأخذ فى الاعتبار فروق التضخم واتجاهات ميزان المعاملات الجارية بين دولتى التحليل). للتبسيط، فإن التقرير يذهب إلى أن الدولار الأمريكى الذى تناهز قيمته فى السوق اليوم عند كتابة هذا المقال ما يقرب من 19 جنيها مصريا، يجب أن يتم مبادلته بما يتراوح بين 20.5 و 23 جنيها وذلك وفقا لتقديرات متحفظة، ترى أن العجز فى ميزان المعاملات الجارية فى مصر مرشح للزيادة عن التوقعات للعام 2022. يبلغ العجز فى ميزان المعاملات الجارية فى أحدث بيان متاح للعام 2021 ما يقدر بنحو 18.6 مليار دولار، ما تقدر نسبته بنحو 4.6% من الناتج المحلى الإجمالى، علما بأن تقديرات تخفيض الجنيه سالفة الذكر قد أسسها اقتصاديو التقرير على ضرورة تخفيض هذا العجز إلى نحو 2.5%، لأن تخفيض قيمة العملة المحلية يحفز التجارة، ومن شأنه زيادة الصادرات وتخفيض الواردات بنسب يمكن أن تحقق هذا الخفض فى حجم ونسبة العجز.
قدر التقرير المشار إليه حجم احتياجات التمويل الأجنبى للعام المالى 2022/2023 بما قيمته 59.8 مليار دولار أمريكى. وقد فصل تلك الاحتياجات لتشمل ما قيمته 20.5 مليار دولار عجزا فى حساب المعاملات الجارية، و15.5 مليار دولار إطفاء (أى سداد) لأقساط ديون متوسطة وطويلة الأجل مستحقة خلال هذا العام المالى، و23.8 مليار دولار إطفاء لديون قصيرة الأجل. وعلى الرغم من المساعدات الخليجية والاتفاق المرتقب مع صندوق النقد الدولى، يتوقع التقرير استمرار فجوة التمويل الخارجية بشكل كبير. إذ يقدر الوارد من المساعدات الخليجية (فى صورة ودائع واستثمارات) بما قيمته 28 مليار دولار، لا ينتظر أن يدخل منها خلال العام المالى 2022/2023 سوى 11 مليارا فقط، من الممكن أن تستهلك بالكامل فى سداد التزامات الأجل القصير خلال العام. كما أن التسهيل المرتقب الحصول عليه من صندوق النقد الدولى والذى يمكن أن يتم الاتفاق عليه بنهاية أغسطس المقبل، مضافا إليه تسهيل (مستقل عن برنامج الصندوق) بقيمة مليار من وحدات حقوق السحب الخاصة (نحو 1.3 مليار دولار)، تأتى من وعاء آخر يتبع صندوق النقد يسمى وعاء التعافى والاستدامة IMF Resilience and Sustainability Trust... كل ذلك بعد دخوله إلى مصر وسداده لجانب من الالتزامات المستحقة خلال العام، ما زال يتركنا مع عجز فى الالتزامات يصل إلى 6 مليارات دولار تضاف إلى عجز ميزان المعاملات الجارية (بين 18 و20 مليار دولار) لا يتوقع أبدا أن تغطيها الحكومة المصرية من حصيلة بيع أى أصول ضمن سياسة التخارج من الأصول المملوكة للدولة.
يرى اقتصاديو بنك أوف أمريكا أن التقديرات الحكومية شديدة التفاؤل بخصوص حصيلة أى برنامج جديد لتوسيع الملكية الخاصة أو الخصخصة. تذهب التقديرات الحكومية إلى أن 10 مليارات دولار يمكن حصدها سنويا من برنامج التخارج من الأصول المملوكة للدولة ولمدة 4 سنوات، بما يصل إجماليه إلى 40 مليار دولار. يرى التقرير أن تلك التوقعات شديدة الطموح، وأن الممكن حصده بالبحث عن مستثمرين استراتيجيين لشراء حصة الدولة فى بعض الأصول (طبعا لأن ظروف البورصة المصرية لا تسمح ببدائل كثيرة للتخارج مع الأسف) لا يتوقع أن تزيد على 3 مليارات دولار سنويا، واستشهد التقرير ببرنامج الخصخصة الذى كان ناجحا فى عهد حكومة الدكتور نظيف والذى حصد ما لا يزيد فى المتوسط على 1.4 مليار دولار سنويا فقط طوال خمس سنوات! (أعلى إيراد سنوى للخصخصة بلغ 2.5 مليار دولار) فضلا عن كون الاستثمارات الأجنبية المباشرة سجلت 8.4 مليار دولار فى المتوسط خلال الفترة بين العامين الماليين 2005 و2009 (أعلى تدفق سنوى لتلك الاستثمارات كان 13.2 مليار دولار). يلاحظ هنا أن البورصة المصرية كانت منتعشة خلال تلك الفترة، الأمر الذى ساعد على تقييم عادل للأصول محل التخارج، ومنح قوة تفاوضية أكبر للحكومة المصرية، وساعد المستثمر على الدخول إلى الأسواق والتخارج منها بغير قلق.
• • •
يستنتج تقرير بنك أوف أمريكا من كل ما تقدم أن الوضع المالى فى مصر يمكن أن يتحول من أزمة فى ميزان المدفوعات إلى «أزمة ائتمان»، لو لم تتحرك الدولة سريعا للخروج من الوضع الراهن. مفاتيح حل الأزمة تكمن أولا فى تحرير سعر الصرف (وفقا للتقرير) لتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، ثم مزيد من التسهيل لدخول السوق للاستثمار الأجنبى المباشر وغير المباشر، مع عدم الإفراط فى الاعتماد على تدفقات الأجانب فى أدوات الدين (الأموال الساخنة) التى أراها قد أصبحت مكلفة مع تزايد مخاطر التعثر وتهافت الدول المتقدمة على إجراءات التشديد النقدى (رفع أسعار الفائدة).
أما عن تحرير سعر الصرف فبالتأكيد ستكون له تداعيات إيجابية، فقط لو سبق الاستعداد له بأدوات كثيرة من شأنها استيعاب الموجات التضخمية التى ستنتج عنه حتما، والتى لا أظن أن المواطن البسيط أو حتى متوسط الحال يمكنه أن يستوعبها الآن، فى ظل تردى الأوضاع محليا وعالميا على خلفية تداعيات كورونا والحرب الروسية وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد التى لا تكاد تتوقف منذ عامين. والاستعداد يكون بتعزيز تنافسية الاقتصاد المصرى على صعيدى التصدير السلعى والخدمى والجذب الاستثمارى، من خلال إجراء إصلاحات تنظيمية ضرورية وعاجلة فى منظومة أسواق المال غير المصرفية والمنظومة الحاكمة للاستثمار. كما أن الاستعداد يجب أن ينصرف إلى تعزيز إجراءات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، حتى تمر الفترات الصعبة من أى برنامج إصلاح اقتصادى بأقل الخسائر الممكنة. وإذ لا يتسع المجال لتناول الرؤية الإصلاحية الكاملة فى هذا المقال، فإنى أحيل القارئ الكريم إلى مقالات سابقة، تناولنا فيها رؤية لإصلاح سوق المال ومناخ الاستثمار بكثير من التفصيل.
هذا النوع من التقارير الصادرة عن بنوك الاستثمار الكبرى تنبع أهميته من المصداقية التى اكتسبتها تلك المؤسسات عبر تاريخ طويل من العمل مع كبار المستثمرين فى مختلف الدول. ومن ثم فإن التقارير الدولية تعكس صورة أقرب إلى الواقع عن الاقتصاد محل التحليل من وجهة نظر المستثمر، الذى ينظر أيضا إلى ترتيب الدولة فى تقريرى التنافسية وأداء نشاط الأعمال، ويعيد تخصيص تدفقاته الاستثمارية من هذا المنطلق.
كاتب ومحلل اقتصادى


مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات