عشر خرافات صهيونية - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 2:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عشر خرافات صهيونية

نشر فى : الجمعة 29 ديسمبر 2023 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 29 ديسمبر 2023 - 6:50 م

إن علاقة إسرائيل بأرض فلسطين متشعبة كما العلاقة بين الشعب الفلسطينى واليهودى، لكن بعد ظهور الحركة الصهيونية وعودة اليهود لبناء دولة مستقلة على أرض لم تكن لهم جعلت الصهاينة يقومون بترويج خرافات لتدعيم موقفهم فى ذلك الوطن الذى كانوا يشاركونه مع أصحابه، فيقومون بأعمال إجرامية تبيح الاستيلاء على أراضى الغير.
قرأت كتابا عن خرافات إسرائيل العشر صدر عام 2017م من قبل المؤرخ الإسرائيلى والناشط الاشتراكى إيلان بابى.
هذا الكتاب –عزيزى القارئ– يشرح فيه المؤلف الأفكار الأكثر جدلية المتعلقة بأصول دولة إسرائيل وهويتها ويعارض كل الخرافات التى تنشر عن الكيان الصهيونى بطريقة منهجية ويصورها الخطاب الإسرائيلى السائد كثوابت غير قابلة للطعن، مثبتًا بأنها محض افتراءات وخرافات. وبحسب الكاتب، تستند إسرائيل إلى هذه الخرافات فى تكريس سياساتها الاستيطانية القائمة على طرد الشعب الفلسطينى ومواصلة ممارستها العنصرية بحقهم.
• • •
يحتوى الكتاب على ثلاثة أجزاء تحت عناوين: خرافات الماضى وخرافات الحاضر والتطلع للمستقبل، وذلك فى عشرة فصول وخاتمة عن إسرائيل الاستعمارية فى القرن الحادى والعشرين ويدعى الكاتب فى أول فصل بأن فلسطين كانت أرضا خالية قاحلة شبه صحراوية عشية وصول الصهاينة أواخر القرن التاسع عشر وتمت زراعتها وتأهيلها من قبل الصهاينة!!.
وهذه –عزيزى القارئ– خرافة، فالكاتب يؤكد هنا بأن فلسطين كانت بلدًا معترفًا به منذ العصر الرومانى، وقد كان تاريخ فلسطين مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعالم العربى والإسلامى منذ القرن السابع.
وبالعودة إلى السجلات العثمانية للتعداد السكانى لفلسطين عام 1878م، فإن الغالبية كانوا من المسلمين وقد شكل اليهود حينها نسبة 3% فقط من السكان، بينما شكل المسيحيون 10%. فقد كانت فلسطين بلدًا ريفيًا عامرا على وشك الدخول إلى القرن العشرين، وكان يتمتع بازدهار قبل قدوم الصهاينة، وكان يشهد الكثير من التحديث كمناطق حضرية، وسكان حضريين. وإن نفت إسرائيل وجود الفلسطينيين فى أرض فلسطين فهذا تزوير للتاريخ.
أما الفصل الثانى فيقول بأن اليهود كانوا شعبًا بلا أرض، لكن المؤلف يرد قائلًا إن هذه الخرافة هى الثانية التى تكمّل الخرافة الأولى، بأن اليهود الذين وصلوا فلسطين عام 1882م ينحدرون من اليهود الذين طردهم الرومان منها عام 70م. ويعارضهم فى ذلك لأن الاحتمال الأكبر، كما يقول، هو أن يهود فلسطين لم يغادروا أرضهم وبقوا هناك متحولين إلى المسيحية أولا ثم إلى الإسلام. ويؤكد «إن ما قبل عهد الصهيونية كانت الصلة بين المجتمعات اليهودية فى العالم وفلسطين علاقة روحية ودينية فقط وليست سياسية، وأن ترتيب عودة اليهود إلى فلسطين كان مشروعا صهيونيًا».
أما الخرافة الثالثة فيتناولها الكتاب فى الفصل الثالث وهى أن الصهيونية هى اليهودية، حيث أصبحت معاداة الصهيونية هى معاداة للسامية، فيعارض هذه المعادلة من خلال إجراء تقييم تاريخى للمواقف اليهودية إزاء الصهيونية، وتلاعب الصهيونية باليهودية لأسباب استعمارية بالأساس واستراتيجية، مثل خداعها لليهود أنفسهم بالأساطير التضليلية والتى تم اختراعها.
يناقش الكاتب فى الفصل الرابع خرافة رابعة تقول بأن الصهيونية ليست حركة استعمارية، وهذا ادعاء بأن الحركة الصهيونية هى حركة تحرر قومى للشعب اليهودى، وهكذا يدحض المؤلف هذه الخرافة ويشبهها بالمشروع الاستعمارى الذى جرى فى جنوب أفريقيا وأستراليا وأمريكا ضد السكان الأصليين. وقد تكمن أهمية دحض هذه الخرافة فى الموقف من النضال الفلسطينى الإسرائيلى، فإذا كانت إسرائيل دولة ديمقراطية فإن الفصائل الفلسطينية ستكون كيانات إرهابية. أما إذا كانت إسرائيل دولة محتلة فسيكون نضال هذه الكيانات ضد مشروع استعمارى، وهذا يعنى أنها حركات مقاومة للاستعمار. ويؤكد بابى أنه بحلول عام 1945م كانت الصهيونية قد جذبت نصف مليون مستوطن إلى فلسطين وكان حينها يبلغ عدد سكان البلد مليونى نسمة، ورغم كل محاولاتهم، فإنهم لم يستطيعوا شراء سوى 7٪ فقط من أرض فلسطين، وكان الحل فى الإبادة الجماعية وتهجير وطرد المواطنين الفلسطينيين من وطنهم.
• • •
وفى الفصل الخامس يناقش الكاتب خرافة أن الفلسطينيين قد غادروا وطنهم طوعًا، ويعترض –إيلان بابى– على هذه الخرافة بالقول «إن قيادات الحركة الصهيونية لم تستطع تخيُّل تطبيق مشروعهم بنجاح إلا بالتخلص القسرى من السكان الفلسطينيين، إما عن طريق الاتفاق أو بالقوة»، وهو يستشهد بما كان وما زال يحدث من مذابح وتهجير قسرى نفذته العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلى بحق الفلسطينيين وتدمير القرى والمدن، مشيرا إلى أن هناك بعض القرى لليوم شاهدة على هذا الدمار وتهجير أهلها. كما يشير إلى الأساليب التى استخدمتها إسرائيل فى عملية تطهير السكان، فكانت سياستهم هى: «تدمير القرى من خلال إضرام النار والتفجير، وزرع الألغام فى الأنقاض، وخاصة تلك المراكز السكانية التى يصعب السيطرة عليها على المدى البعيد، مع زيادة عدد عمليات البحث والمراقبة، وفقا للمبادئ التوجيهية التالية: تطويق القرى ومن ثم البحث داخلها. وفى حال ظهور المقاومة فيجب القضاء على تلك القوة المسلحة وطرد السكان خارج حدود الدولة». كما يناقش هذا الفصل خرافات أخرى تتعلق بأحداث العام 1948م.
فى الفصل السادس تقول الخرافة بأن حرب 1967م فُرضت على إسرائيل وأنها كانت حربًا لابد منها، أما الكاتب فيعترض بأن الإعلام الإسرائيلى الذى لا يزال يصّر على أنها فُرضت على إسرائيل وأن إسرائيل مضطرة لخوض الحرب، لكنها تظهر عكس ما تضمر لأن هذه الحرب كانت جزءا من رغبتها لاستكمال الاستيلاء على كل فلسطين. مؤكدًا على أن الحرب لم تفرض بل كانت «فرصة» سانحة استغلتها إسرائيل. فاحتلت إسرائيل بعدها الضفة الغربية وقطاع غزة بحجة أن يكون العرب على استعداد للسلام معها، لكن كان هذا الاستيلاء هدفًا صهيونيًا حتى قبل العام 1948م، وكان يمثل استكمالًا للعمل الذى بدأت به العصابات الصهيونية فى عام 1948م.
يطرح بابى فكرة الرد على خرافة أن إسرائيل هى الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط الموجودة بالفصل السابع من خلال دراسة وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل والأراضى المحتلة، والذين يشكلون فى المجموع نحو نصف تعداد السكان الواقعين تحت حكم إسرائيل. ويبين أنه قبل حرب عام 1967م كان المواطنون الفلسطينيون، يعيشون تحت وطأة الحكم العسكرى القائم على لوائح الطوارئ البريطانية الإلزامية والتعسفية، التى تحرمهم من أى حقوق إنسانية أو مدنية أساسية. وقد كان القادة العسكريون المحليون هم بمثابة الحكام المطلقين لحياة هؤلاء المواطنين الفلسطينيين، إذ يمكنهم سن قوانين خاصة بهم، وتدمير منازلهم وسبل عيشهم، وإرسالهم إلى المعتقلات متى شاءوا، مستذكرًا المجازر التى نفذتها «إسرائيل» بحق الفلسطينيين كمجزرة كفر قاسم وغيرها الكثير.
فى الفصل الثامن يتناول بابى اتفاقيات أوسلو من منظور تقييمى، فبعد ربع قرن من توقيعها يتساءل الكاتب، «هل كان اتفاق سلام فشل أم مجرد حيلة إسرائيلية جديدة لتعميق الاحتلال؟» يعتقد الكاتب أن هدف إسرائيل من أوسلو كان منع تشكيل أى مؤتمر دولى من أجل السلام، وهى كانت مجرد حيلة إسرائيلية جديدة لتعميق الاحتلال. أما الخرافة الثانية، التى يفندها فى هذا الفصل هى إشعال الانتفاضة الثانية كعملية إرهابية ضد إسرائيل، فيقول: «إن الجيش الإسرائيلى كان يحتاج إلى تقديم استعراض ناجح». وذلك لأنه كان محبطًا بعد هزيمته المذلة على أيدى حزب الله فى لبنان وذلك فى صيف عام 2000م.
كان هناك تخوف بأن هذه الهزيمة تجعل الجيش يبدو ضعيفًا، لذا كانت ثمة حاجة لاستعراض الجيش «القوة التى لا تقهر» لتأكيد هيمنته داخل الأراضى المحتلة. وتم تحقيق هذا الأمر من خلال عملية الدرع الواقى العسكرية البربرية فى العام 2002م وبناء جدار الفصل العنصرى، ونجحوا فى قمع الانتفاضة مؤقتًا.
• • •
يتحدث الفصل التاسع عن أن مأساة غزة سببها حركة «حماس»، وهو الأطول بين الفصول، عن الدعاية الإسرائيلية، التى تُروّج ثلاث أساطير تضلل الرأى العام بشأن أسباب مأساة غزة. وهذه الأساطير الثلاث هى إن «حماس منظمة إرهابية»، و«فك الارتباط الإسرائيلى مع غزة كان عملًا للسلام»، و«الحرب على غزة هى دفاع عن النفس». فتحمل إسرائيل مأساة غزة لحركة حماس، ونرى هذه الأيام أن هدف إسرائيل بقصفها العنيف هذا هو القضاء على هذه الحركة التى تصفها بالإرهابية. ويتبنى بابى وجهة نظر مغايرة، طارحا تفسيرا آخر لما حدث فى غزة. ويؤكد أن الانسحاب الإسرائيلى كان بهدف تقوية القبضة الأمنية على الضفة الغربية وتحويل غزة لسجن كبير ولم تسحب إسرائيل جيشها ومخابراتها عن الحدود، فى حين تبين إسرائيل أن الانسحاب كان بادرة صلح ولكن واجهه الفلسطينيون بالعنف. كما اعتبر بابى الأعمال التى قامت بها إسرائيل منذ عام 2006م ضد قطاع غزة بأنها إبادة جماعية تصاعدية ولا تزال هذه الإبادة الجماعية تعمل دون رحمة.
يتناول الكاتب فى الفصل العاشر والأخير خرافة أن حل الدولتين هو الطريق الوحيد للمضى إلى الأمام، الحل الذى يتم الترويج له الآن من آلة الدعاية الإسرائيلية ومؤيديها فى الغرب. ويراه المؤلف حلًا خرافيًا وهو يشبه «دمية يتم التلاعب بها حسب المصالح الإسرائيلية والغربية»، ويشبهه أيضًا بجثة تقع فى المشرحة، وبين الحين والآخر يتم إخراجها وتزيينها وتقديمها كأنها شخص حى، ثم عندما يكتشف الجميع زيف ذلك يعاد إدخالها إلى المشرحة لتعاد الكرة. فيقول المؤلف «يجب أن تدفن هذه الجثة مع باقى قاموس الوهم والخداع، فإسرائيل من خلال توسعة الاستيطان قتلت ذلك الحل، وهم فقط يهدفون إلى قيادة دولة فلسطينية دون سيادة فعلية».

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات