مبادئ أساسية لعصر الذكاء الاصطناعى - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الخميس 18 يوليه 2024 1:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مبادئ أساسية لعصر الذكاء الاصطناعى

نشر فى : الخميس 30 مايو 2024 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 30 مايو 2024 - 7:45 م

 تحولت المناقشات الدائرة حول التكنولوجيا على نحو متزايد إلى انقسامات صارخة. ينبغى لنا أن نعمل على تحجيم الذكاء الاصطناعى، أو التعجيل بنشره: الفرضية ونقيضها، ولكن لا مكان للتوليف. بدلا من اختيار أحد الجانبين، يتعين علينا أن ننظر فى نداءات تحشد المؤازرة لبديل يوجه التركيز إلى حيث ينبغى له أن يكون: الإنسانية.

لتحقيق هذه الغاية، أقترح ستة مبادئى أساسية. يتلخص الأول فى عبارة ساخرة شهيرة جاءت على لسان القائد العسكرى القرطاجى هانيبال: «إما أن أجد طريقا أو أشق واحدا». وبما أن الذكاء الاصطناعى لا يزال فى مرحلة مبكرة للغاية، فإننا بالكاد خدشنا سطح إمكاناته. الواقع أن الذكاء الاصطناعى من الممكن أن يساعدنا فى العثور على مسارات لم نتمكن من رؤيتها من قبل، ومن الممكن أن يساعدنا فى إيجاد مسارات جديدة من خلال قوة الإبداع البشرى. فنحن لدينا أدوات، مثل ChatGPT، وCopilot، وPi، يجرى تدريبها بواسطة الناس وعن الناس. وبعيدا عن الحلول محلنا، فإنه يزودنا بالـمَـدد.

يتمثل المبدأ الثانى فى هذه الجملة: «نحن رموز تسكن رموزًا». هكذا وصف رالف والدو إيمرسون استخدامنا للغة لفهم العالم وشرحه وتشكيله. كنا نحن البشر نعتمد دائما على الأدوات، والرموز أدوات. فهى تمكننا من خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل ولا تحدث تلقائيا فى الطبيعة. لنتأمل هنا حيوان «الفتخاء» الخرافى، برأس وجناحى نسر وجسم أسد. إنه خلق بشرى يعكس بعض الواقع الذى نريد رؤيته فى العالَـم. لقد تخيل البشر حيوان الفتخاء لأسباب إنسانية فريدة. ولا تختلف الحال مع الذكاء الاصطناعى.

صحيح أن كثيرا من الإبداعات الخيالية كان المقصود منها أن تكون تحذيرية. ونحن بطبيعة الحال نشعر بالخوف عندما نواجه فى البداية «الآخر» أو «الجديد». لكن حيوان الفتخاء يذكرنا بأننا نستطيع تحويل الخوف إلى حِـس مهيب بالـقُـدرة. البشر، فى نهاية المطاف، هم مُـبدعو ونتاج رموزهم وثقافتهم وبيئتهم وقراراتهم. وبالاستعانة بالذكاء الاصطناعى، يصبح بوسعنا خلق مزيد من حيوان الفتخاء.

يتمثل المبدأ الثالث فى بناء الكاتدرائيات، لأنها تُـفَـخِّـم جهودنا وتحول مجرد تجمعات من البشر إلى رفقة وزمالة. تُـعَـد الكاتدرائيات القائمة فعليا من أكثر إبداعات البشرى مهابة، مما يجعل من المناسب أن نشير الآن إلى مهام مثل هبوط أبولو على سطح القمر بمسمى «مشاريع الكاتدرائية». كم سيكون من العظيم أن تصبح مثل هذه المشاريع جزءا من حياتنا اليومية مثل الكاتدرائيات فى المدن الأوروبية؟

تتطلب مثل هذه المشاريع مجموعات عديدة من الأيدى، التى تعمل بشكل متضافر عبر المناطق والتخصصات، بل وحتى الأجيال فى بعض الأحيان. وكما كتب الكاتب والطيار أنطوان دو سانت إكزوبيرى: «تُبنى الكاتدرائية بالحجارة؛ إنها تتألف من حجارة؛ لكن الكاتدرائية تعظم وتفخم كل حجر، فيصبح حجر كاتدرائية». والاكتشافات العلمية والإبداعات التكنولوجية هى حجارة فى كاتدرائية التقدم البشرى.

المبدأ الرابع هو أننا يجب أن نتحمل مخاطر صغيرة حتى يكون لدينا أى أمل فى اجتياز المخاطر الكبرى. وبدلا من محاولة إزالة المخاطر تماما ــ وهو أمر مستحيل ــ يتعين علينا أن نرحب بالتحديات التى قد تجلب الفشل، لأنها تخلق الفرص للتكرار، والتأمل، والمناقشة، والتحسين المستمر.

فلا ينبغى لنا أن نكتفى بتحفيز الإبداع؛ بل ينبغى لنا أيضا أن ندرك أن التجريب ــ خوض مجازفات أصغر حجما ــ يشكل فى حد ذاته آلية لتخفيف المخاطر. فى نهاية المطاف، سوف نحصل على تنظيم أفضل عندما تُـنـشَـر هذه التكنولوجيات على نطاق واسع، والذى يسمح لعدد أكبر من الناس بتجربتها ودمجها فى حياتهم.

يقول المبدأ الخامس إن التكنولوجيا هى ما يجعلنا بشرا. إذا صدقنا فكرة أن الذكاء الاصطناعى هو نقيض فرضية البشرية، فسوف نتوقع مستقبلا عامرا بكائنات نصف بشرية ونصف آلية. لكن هذا ليس حقا كيف يجرى الأمر. إن الجمع بين الفرضية والنقيض لا يقودنا إلى مزيج خام، بل إلى فرضية جديدة. تتطور الفرضيتان معا، وتكون نتيجة التوليف فى حالتنا هذه إنسانا أفضل.

 علاوة على ذلك، قد يساعدنا الذكاء الاصطناعى فى أن نصبح أكثر إنسانية. لنتأمل هنا فى مدى استجابة وحضور وصبر نماذج الذكاء الاصطناعى وروبوتات الدردشة. هذه الميزات من الممكن أن تخلف أثرًا عميقًا علينا. لا يتمتع الجميع بإمكانية الوصول بشكل يمكن التعويل عليه إلى العطف والدعم الإنسانى. ولكن عندما تصبح هذه الموارد متاحة بسهولة، فإن هذا من شأنه أن يعمل على تحسين قدرة كثير من الناس على التعامل مع الآخرين بلطف والتعاطف معهم. والتعاطف من الممكن أن يولد مزيدا من التعاطف. وأظن أن هذا البُـعد من إمكانات الذكاء الاصطناعى لم يلقَ حتى الآن التقدير الكامل.

المبدأ السادس والأخير هو أننا ملزمون بجعل المستقبل أفضل من الحاضر. تخيل وجود طبيب أو مدرس رقمى شخصى فى جيوب الجميع. ما هى التكاليف التى قد تترتب على حدوث ذلك آجلا وليس عاجلا؟ لا شك أن السرعة فضيلة عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، نظرا لقدرتها الفريدة على تحسين حياة البشر.

ينبغى لنا جميعا أن نسأل أنفسنا كيف قد يبدو التوليف الواعد. ماذا لو كان بوسعنا الدخول فى حقبة جديدة من الازدهار البشرى؛ حيث تساعدنا الأبحاث المعتمدة على الذكاء الاصطناعى على اكتشاف علاجات جديدة وتسخير قوة الاندماج النووى فى الوقت المناسب لتجنب أسوأ عواقب تغير المناخ؟ من الطبيعى أن نمعن النظر فى المجهول المظلم ونفكر فى كل ما قد يحدث من إخفاقات. ولكن من الضرورى ــ والأكثر إنسانية فى الأساس ــ أن نفكر فيما يمكن أن يصادفنا من نجاح.

ريد هوفمان

المؤسس المشارك والرئيس التنفيذى لشركة «لينكد إن»

موقع Project Syndicate

النص الأصلى

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات