يوميات أمير الظرفاء كامل الشناوى! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2020 2:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

يوميات أمير الظرفاء كامل الشناوى!

نشر فى : الجمعة 3 أبريل 2020 - 10:05 م | آخر تحديث : الجمعة 3 أبريل 2020 - 10:05 م

(1)
لا آنس لشىء فى قراءاتى العامة، (فى أيام الحظر الطويلة)، مثلما آنس لكتاب ينتزعنى انتزاعا من هموم الفكر وضغوط المسئوليات، والانشغال بغمة «الكورونا» اللعينة (كشف الله الغمة، وحفظ البلاد والعباد)؛ كتاب مهم كان حجمه وعدد صفحاته، قادرا على أن يخطفك خطفا ويأسر قلبك وروحك، ويبقيك نشط الحواس محفز الذهن، وهذا فعليا ما حدث لى مع الكتاب الكنز «يوميات كامل الشناوى»؛ الصادر عن دار الكرمة 2020، من إعداد وتحرير الباحثة المدققة الدءوب رحاب خالد.
هذا الكتاب الذى أكد لى أن كامل الشناوى لم يكن فقط شاعرا رقيق الحس والوجدان، بل أيضا ناثرا حكيما متأملا فيلسوفا بغير تقعر أو تفذلك أو تذاك (ادعاء الذكاء!) تعبيره بالغ الأناقة والجمال والذكاء والفطنة.
(2)
ليست «اليوميات» أول ما أقرأه للشناوى خارج دائرة الشعر، فله كتاب بديع للأسف لم ينل ما يستحقه من ذيوع وانتشار اسمه «زعماء وفنانون وأدباء» من أجمل وأمتع ما قرأت، وهو مكتوب مثل كتبه الأخرى الجميلة، بأسلوب بديع يدرس، يجمع بين الإجادة والتأنق والبساطة والسلاسة وإحكام التعبير وجودته معا.
الشناوى من أصحاب الابتكارات المدهشة فى عرض فكرته، وبسطها وإشباعها بالأمثلة، والاستدعاءات النصية والذاتية.
تارة يروى لك واقعة أو حكاية أو تذكرة من ثنايا السيرة والتجارب، وفى أخرى يحاورك مباشرة ويتوجه بحديثه بحميمية مدهشة وبساطة متناهية، ويحاور آخرين معك تسمعهم ويسمعونك، وتراهم ويرونك تتبادلون الضحكات والنكات، وتعاود القراءة وأنت ترشف فنجان قهوتك بتلذذ واستمتاع، مثلما تتلذذ بطعم كلمات وحكايات ويوميات الشناوى البديعة، وثالثة يقيم خشبة مسرح يعرض عليك آراءه وتأملاته فى الحياة والشباب والشيخوخة؛ يسألك مباشرة:
«ما هو شعورك عندما تسمع هذه العبارة: «أنت طفل صغير»؟ هل تغضب، أو ترضى؟
إذا كنت فى سن الشباب فسوف تغضب، وإذا كنت فى سن الكهولة فسوف ترضى.
وما أكثر ما داعبنى أصدقاء وأنا شاب، بعد، فرمونى بالطفولة، وكنت أضيق بهذه المداعبة، وأنفر منها، فالشباب هو مرحلة التمرد على الطفل الكامن فينا، وعندما نتمرد على حالة لا نقبل أية محاولة للرجوع إلى هذه الحالة، ونحن نتمرد على طفولتنا بشبابنا، نتمرد بنمو الجسم، وتفتح الذهن، وحدة الشعور بمسئولية الحياة، فكيف نرضى أن نعود أطفالا، وأين نذهب بالجسم الذى نما، والذهن الذى تفتح، وأبادر فأسجل أن هذا ليس فلسفة، أو حكمة، أو نظرية علمية، وإنما هو فقط منطق الشباب!.
ولما أصبحت كهلا، صارت كلمة الطفولة تسعدنى، أتمنى أن يحيينى بها صديق، أو يهاجمنى بها عدو، أتمنى أن يتحقق المستحيل وأعود ذلك الطفل الصغير، بكل ما فى الطفولة من حمق، وجهل، وسذاجة...».

والحياة عند الشناوى التى يعيشها ويكتبها ويدوّن يومياته عنها هى حوار لا ينتهى؛ فالحياة ليست صخبا، ولا هدوءا، إنها «حوار بين طرفين، أو أطراف متعددة، الفن لا يحيا إلا إذا قام على الحوار، والعلم لا يحيا إلا إذا قام على الحوار، والحب لا يتم إلا بالحوار، الموسيقى حوار بين نغمات، الرسم حوار بين ألوان وظلال وأضواء، العلم حوار بين عقل وتجربة، الفلسفة حوار بين حقائق وأفكار.
ولكن ماذا تسمى الحوار بين عينين وعينين، وقلب وقلب، والوجهان ساهمان، والشفاة صامتة؟ هل هو الحب؟ لا أعلم! ليتنى أعلم...»
(يوميات كامل الشناوى، إعداد وتحرير، رحاب خالد، دار الكرمة، 2020)
(3)
إن يوميات كامل الشناوى التى نشرها فى ألمع الصحف المصرية، منتصف القرن الماضى؛ (أخبار اليوم، الأخبار، الجمهورية، آخر ساعة، الجيل...) وقت أن كانت الصحافة تزخر بأصحاب العقول والأقلام؛ شاهد على عظمة وقيمة وجودة الصحافة ودورها فى إشاعة حس جمالى راق وثقافة واسعة وعميقة، وفى نفس الوقت تكون فى متناول القارئ العام ورجل الشارع البسيط؛ إنها الإشارة التى تغنى عن آلاف الكلمات؛ بـ «غنوة وحكاية وحدوتة»، برصيد من التجارب والفكر والقراءات ومعاناة الحياة وحبها فى الوقت ذاته.
ممتن من قلبى لكل من ساهم فى إخراج هذا العمل الكبير والجميل إلى النور، وقيض لهذا النص الدار التى تعلم يقينا قيمة الشناوى وأدبه، وقيمة نصه، وتحترم وتقدر قيمة العمل التحريرى الذى بذلته الباحثة الذكية رحاب خالد، فأخرجته فى أحسن صورة وأبهى حلة؛ تليق بقطعة عزيزة من تراثنا الأدبى والفكرى والصحفى المعاصر.

التعليقات