الطيب وفرانسيس وسيدة الكرم - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 3:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الطيب وفرانسيس وسيدة الكرم

نشر فى : الجمعة 3 يونيو 2016 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 3 يونيو 2016 - 9:55 م
كانت زيارة الشيخ الطيب شيخ الأزهر لبابا الفاتيكان «فرانسيس الثانى» زيارة ناجحة بكل المقاييس، فهى أول زيارة لشيخ أزهر إلى الفاتيكان، معقل رئاسة الكنيسة الكاثوليكية «أكبر الكنائس المسيحية فى العالم»؛ فضلا عن أن الفاتيكان معترف بها كدولة ذات سيادة يرأسها البابا فرانسيس. هناك تاريخ ممتد للحوار بين الأزهر والفاتيكان، والزيارة تشير إلى عودة المياه لمجاريها، بعد توقفها فى أيام البابا السابق بندكتوس؛ الذى أساء فى إحدى محاضراته للرسول دون قصد، فقد بيَن أن كلماته كانت فى إطار أكاديمى فى الجامعة التى كان يقوم بالتدريس فيها قبل اختياره لمنصب البابا، فأصدر شيخ الأزهر قرارا بوقف الحوار بين الأزهر والفاتيكان. ولقد ظهر الشيخ والبابا فى عدة صور مؤثرة توضح سماحة الاثنين، وتوضح تمدين واستنارة الشعب المصرى الذى تمثله قيادته الدينية.

لقد كانت مصر على قمة العالم صوتا وصورة وحركة وفعلا، وبارك اللقاء جميع الطوائف المسيحية على اختلاف توجهاتها. ولقد كانت رسالة شيخ الأزهر التى وصلت إلى جميع أرجاء العالم أن الإسلام برىء من العنف والإرهاب، ويرفض جميع أشكاله ــ على حد قول شيخ الأزهر. وبعد أقل من أسبوعين اندلعت أحداث طائفية فى بلدة الكرم بالمنيا؛ استخدم فيها كل أنواع العنف والإرهاب «وإذ بالأمن يتقاعس كعادته فى هذه الحالات»، هذه الجملة وضعتها بين قوسين لأنها استخدمت حرفيا فى معظم وكالات الأنباء العربية والأجنبية التى تناقلت الخبر، وذلك رغم معرفة الأمن المسبقة من خلال بلاغات من أفراد مسلمين ومسيحيين عن احتمالية وقوع أحداث فى يوم الجمعة.

كان ذلك تطبيقا للسياسة التى تبناها «النبوى إسماعيل» وزير داخلية السادات فى السبعينيات من القرن الماضى، وطبَقها فى أحداث الزاوية الحمراء التى اندلعت فيها أحداث طائفية بين مسيحيين ومسلمين؛ حيث قام بإغلاق الحى بعساكره وضباطه ومدرعاته حتى تنتهى المعركة ثم تتدخل الشرطة بعد ذلك لرأب الصدع. وهنا يتحرك المشايخ مع القساوسة إلى جلسة صلح عرفية كاريكاتورية تنتهى بتبويس اللحى وتتجاهل القانون، وكأن مصر قبيلة ولم تكن دولة فى يوم من الأيام. لكن المفاجأة للأمن والشيوخ والقساوسة أنهم لم يلحظوا أن السيسى يدرك جيدا أن هذا الأسلوب لن يجدى شيئا، هذا فضلا عن أنه إنسان مصرى مسلم متدين حقيقة وتدينه ليس كتدين من أحرقوا الكنائس وقتلوا مسلمين فى سبيل الله. وهو يريد إعادة مصر دولة متحضرة كما كانت حتى نهاية الستينيات، ويرفض أن يظلم أحد مهما كان هذا الأحد.

***

المشكلة هذه المرة أن المعتدين اعتدوا على امرأة مسيحية ومزقوا ثيابها، وقد فاجأنى هذا الأمر حيث إننى فى شبابى فى «مَلوى» التابعة للمنيا عندما كانت تقع خلافات بين أى رجل وامرأة فى الشارع، بسبب بيع أو شراء أو تحرش بالكلام، فتجيب المرأة بقوة بكلام يحمل إهانة صارخة للرجل، وهنا يقف الرجل عاجزا عن فعل أى شىء، لأن مد اليد على أى امرأة عار وليس من الرجولة فى شىء. كل ما يمكن أن يقوله «أنا لن أمد يدى عليك لأنك امرأة، لو عندك راجل أكلمه» أو إذا كان يعرف زوجها أو أبيها أو أخيها يقول «لك رجل يترد عليه». وما حدث فى قرية الكرم تغير مجتمعى فى منتهى الخطورة فى شخصية الرجل المصرى، لقد فقد شهامته ورجولته.

التغير الثانى أن سيادة المحافظ صرح بأن الموضوع بسيط، هذا فضلا عن نكران ما حدث بالقول أنه «لم يحدث شىء». وبالطبع نستطيع أن نستنتج أنه نفس المحافظ الذى تصوَر بجانب بيضة عليها اسم الجلالة وهو يبتسم وكانت فضيحة عالمية تناقلتها أيضا معظم الوكالات الاخبارية العالمية، وتناولتها برامجها الكاريكاتورية مع صورة قيادات مسيحية تقف بجوار ثمرة طماطم مشقوقة نصفين ويظهر صليب داخل الثمرة «يا سبحان الله، آمنت بالله».

***

أنا لن أتوقف كثيرا أمام هذا الأمر، وسأحاول أن أحلل لماذا لم تتوقف مثل هذه الأحداث؟ أعتقد أن عدم توقف هذه الأحداث يرجع إلى أن المثقفين المصريين والنظام السياسى والتعليمى والقيادات الدينية فى مصر، يحاولون إقناع الناس بالاعتدال ونبذ التطرف والكراهية بطريقة الوصاية عليهم وعلى عقولهم وأفكارهم. بالطبع لا يمكن إجبار أحد على الاعتقاد بفكرة أو التخلى عنها، ولا سبيل لإقناع المتطرفين بالتخلى عن تطرفهم إلا أن يثقوا فى معلميهم. لكن المسئولين عن ذلك رغم جديتهم فى مواجهة التطرف إلا أنهم يريدون للناس أن يعتدلوا فقط فى مواجهة التطرف الدينى، دون حريات ومشاركة وبدون مراجعة المؤسسات والأنظمة التعليمية والثقافية التى امتلأت بالفكر المتطرف. ولا توجد إرادة سياسية لتحرير هذه المؤسسات والعمل على أن تتوجه إلى الحريات والعقلانية والتفكير النقدى؛ فلم نرَ أو نسمع خطة موضوعة لتدريب القيادات التعليمية والثقافية والدينية على التفكير العلمى والعقل الناقد وممارسة الحرية.. إلخ.
إنهم يريدون أن يدفعوا الناس إلى الاعتدال بالإكراه والوصاية على عقولهم وأفكارهم وهذا مصدر عجبى العجاب، بل وتريدهم فى لحظة المواجهة مع التطرف والمتطرفين أحرارا أو عقلانيين، لكن لا يريدوهم كذلك عندما يتعلق الأمر بالتفكير فى السياسات والتشريعات والاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطبقة فى المجتمع.

وهنا نحن فى مأزق لأننا ننادى الناس أن يعتدلوا أو يستنيروا دينيا فقط لا غير، بينما الطريق الصحيح لذلك هو أن يتدرب الإنسان على الاعتدال من خلال تجربته الذاتية الفكرية والعقلية. والمشكلة هنا أنه لو حدث ذلك سوف ينتقد كل تطرف فى السلوك السياسى أو الاستهلاكى للنخب السياسية ورجال الأعمال، وإذا أصبح المجتمع مجتمعا تغلب عليه العقلانية والتفكير العلمى الناقد ستتغير كل اتجاهات التسويق والإعلان، وكذلك سياسة الانتخابات. إذن الاعتدال لا يوافق النخبة بأى شكل من الأشكال أو طريقة من الطرق، لأنها فى حالة البيئة المستنيرة المعتدلة لن تستمر فى مواقعها، ولن تنال ثقة الجماهير والمستهلكين المعتادين على أسس عقلانية مدركة وفاهمة. لقد وضح أن المؤسسات الدينية الرسمية والقيادات الاجتماعية والأكاديمية والفكرية والثقافية الرسمية أيضا فشلت فى إنجاح سياسات الدولة فى مواجهة التطرف ــ رغم الإنفاق الكبير والدعم السياسى والتسهيلات والفرص التى تحظى بها؛ والدليل هو اكتساح التطرف والكراهية لجميع المدارس الحكومية بداية من ناظر المدرسة إلى بوابها مرورا بالمدرسات والمدرسين، فضلا عن التلاميذ والإدارة التعليمية حتى الوزارة وكذلك معظم الوزارات الأخرى.

***

من المستحيل أن يستمر الاستقرار بسبب الخوف من الفوضى فقط؛ لأن هذه لعبة فى منتهى الخطورة فمن المستحيل التنبؤ بمسار الصراع مع التطرف أو السيطرة عليه مهما بلغت قوة المؤسسة السياسية والأمنية. لقد كانت أكبر الدول أمنيا فى العالم هى عراق صدام وليبيا القذافى وسوريا بشار ويمن عبدالله صالح ومصر مبارك، وكانت نهاية هؤلاء أقرب إلى أفلام الخيال العلمى، وإذا كانت تونس ومصر والأردن ودول الخليج والمغرب والجزائر تجنبوا الكارثة؛ فلم يكن ذلك بسبب القوة الأمنية القمعية بقدر الرضا والثقة والتماسك، لكن هل هذا القدر كاف للمستقبل للاستمرار؟ يمكن، ولكن بشرط إعادة التشكيل السياسى والثقافى والاجتماعى نحو المشاركة والثقة المتبادلة؛ بداية من شيخ الأزهر وبابا الكنيسة حتى مدرس الابتدائى والإعلامى المبتدئ والأحزاب السياسية والبرلمان، وإذا لم نفعل فعلينا أن ندرك أننا نلعب فى الوقت الضائع.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات