لماذا لا تأخذ اللّغة العربيّة مكانتها في التداوُل العالَمي؟ - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 20 مايو 2024 12:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

لماذا لا تأخذ اللّغة العربيّة مكانتها في التداوُل العالَمي؟

نشر فى : الإثنين 6 فبراير 2023 - 7:40 م | آخر تحديث : الإثنين 6 فبراير 2023 - 7:40 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب بسّام بركة، تحدث فيه عن وضع اللغة العربية وسبب تأخرها عن اللحاق بركب اللغات العالمية، كما اقترح بعض الحلول لتتبوأ لغة الضاد مكانتها التى تستحق... نعرض من المقال ما يلى.

على الرّغم من أنّ اللّغة العربيّة تُعَدُّ من اللّغات العالَميّة المُعتمَدة رسميّا فى الأُمم المتّحدة، وعلى الرّغم من أنّها لغة التواصل بين مئات الملايين من العرب، ولغة العبادات الدينيّة لدى ما يقارب مليارَى مُسلمٍ ومسلمة فى العالَم، فإنّها لا تتمتّع فى أيّامنا هذه بالمكانة التى تستحقّها فى الأوساط الفكريّة والدبلوماسيّة والجامعيّة فى العالَم. لماذا؟ سنحاول فى ما يلى الإجابة سريعا، مع اقتراح بعض الحلول التى يُمكن أن تجعلها تتبوّأ مكانتها مرة أخرى. 

• • •

لغة الضادّ توقَّفت منذ زمنٍ بعيد عن ريادة الفكر البشرى، ولم تَعُد تنقل المفاهيم الجديدة التى يبتدعها الإنسانُ المعاصر. فهى تخلَّت عن دورها الحضارى القديم وتراجعت عن أن تكون السند اللّغوى لكلِّ اكتشافٍ جديد أو رؤيةٍ إبداعيّة. ذلك على الرّغم من كونها قادرة على ذلك، كما يُثبت تاريخها الفكرى والعلمى والأدبى الذى دامَ لقرونٍ طويلة. وإذا كانت الإنجليزيّةُ اللّغةَ المُهَيْمِنَة فى عصرنا الحالى، فإنّ العربيّة اضْطلعت بهذا الدَّور العالَمى فى القرون الوسطى، من الصين إلى شواطئ المحيط الأطلسى، وكذلك فعلتِ اللّغةُ الفرنسيّة التى سادت فى الأوساط الثقافيّة، فى القرن التّاسع عشر، من باريس إلى بلاط القياصرة فى روسيا.

لماذا إذن تقبع اللّغة العربيّة فى هذا الوضع المُتراجِع؟ هل بسبب سيطرة الإنجليزيّة التى تعتلى مَوجة العَولمة؟ أم بسبب انبهار العرب بهذه اللّغة الكونيّة، وتخلّيهم عن تراثهم من أجل تبنّى اللّغة الأقوى؟ أم من جرّاء ضعفٍ أصاب قدراتهم الذهنيّة، فلم يعودوا يستطيعون اللّحاق برِكاب الفكر المُعاصِر والمُشارَكة فى التجديد فيه؟

السبب كلّ هذا وبعض ذاك. لكنّ أخطر عاملٍ أدّى إلى هذا التقهقر، هو التخلّى عن مُمارسة الفكر والحياة الإبداعيّة بالعربيّة. فاللّغة، أيّا كانت، تعيش باستعمال أبنائها وبناتها لها، وتموت بهجرانهم لها، وبتراجُع أعداد النصوص الجديدة التى تحمل دلالاتها وتؤدّى مهمّة توصيل مضامينها. واللّغة لا توجد إذا لم يكُن هناك فكرٌ تُعبِّر عنه وتبادلٌ يُفعِّلها فى عمليّات التواصل. كما أنّه ليس هناك من فكر أو أفكار، إن لم يكُن هناك نظامٌ من الرموز، أى النظام اللّغوى، يُعبِّر عنها وينقلها من شخصٍ إلى آخر. فالعلاقة بين إعمال الفكر وتطوُّر اللّغة التى تُعبِّر عنه هى علاقة تأثُّر وتأثير عميقَيْن.

وإذا تطلَّعنا إلى المشهد الجامعى والعلمى بوجهٍ عامّ فى العالَم العربى، لرأينا أنّ معظم الجامعات، إن لم يكُن كلّها، تخلَّت عن تدريس العلوم بلغة الضادّ (الطبّ، الصيدلة، الرياضيّات، الكيمياء...إلخ) لمصلحة اللّغات غير العربيّة، وخصوصا الإنجليزيّة ثمّ الفرنسيّة. كما أنّ الأساتذة والباحثين فيها ينشرون نتاج أبحاثهم بغَير العربيّة. قد يقول قائل إنّ ذلك دليل رقيٍّ ومعرفة، كما أنّه يؤدّى إلى سعة الانتشار وتوطيد سمعة الباحث فى الأوساط العلميّة. ثمّ، أليس هذا ما تفعله معظم الجامعات الراقية فى العالَم حاليّا؟ هذا صحيح. لقد أضحت اللّغةُ الإنجليزيّة لغةَ النشر العلمى فى معظم أنحاء العالَم. لكنّ الجامعات الكبرى التى تتبع هذه السياسة لا تتخلّى بتاتا عن لغتها الأمّ، ولا هى تُطوِّر لغةَ العَوْلَمة على حساب إرثها التاريخى كما يفعل أبناءُ العربيّة الذين يلتفتون إلى اللّغات الأجنبيّة ويتبنّونها لا بالتوازى مع لغتهم الأصليّة، بل كى تحلّ محلَّها. وقد تفاقَمَ هذا الوضع لدرجة أنّ الإبداع الأدبى، حتّى فى الرواية كما فى الشعر، قد بات لدى بعض أبناء العالَم العربى يُولَد ويُنشَر بغير العربيّة.

• • •

قد يقول قائل إنّنا نشهد اليوم ما شهدته الحضارة العربيّة فى عهد المأمون، أى ظهور أعمال ترجمة مُتسارعة ومتعدّدة مثل تلك التى عرفها هذا العهد، والتى أدَّت إلى سيطرة العرب ولغتهم على الفكر البشرى لقرونٍ عديدة. هذا صحيح. فأوضاع الترجمة إلى العربيّة منذ بداية القرن الحادى والعشرين جيّدة إجمالا، ويكفى أن نذكر بروز المراكز والمنظّمات التى تُعنى بنقل الأعمال الفكريّة والعلميّة والأدبيّة إلى العربيّة، وتوزيع الجوائز السخيّة على المُترجمين، وتأسيس المعاهد التى تُدرِّس الترجمة، والمؤتمرات التى تُخصَّص لدراسة موضوع النقل بين اللّغات، وغير ذلك. وهذا يعنى أنّ هناك الآن ما يشبه ما كان فى السابق من ازدهار حركة الترجمة والسخاء فى مكافأة الكُتب المُترجَمة، وظهور المراكز التى تضمّ كبار المُترجمين وتدرِّب النّاشئين منهم. 

لكن لم تقتصر الحركة الفكريّة فى عهد المأمون ومَن جاء بعده من بغداد إلى الأندلس على الترجمة وعلى مكافأة أعمالهم. فهذا العمل لم يكُن سوى حلقة صغيرة فى سلسلة متواصلة من الأعمال الأخرى: بالإضافة إلى النقل كان هناك التفكير والتجديد. فابن سينا والفارابى، وكذلك ابن خلدون وابن رشد، وغيرهم كثير، لم يكتفوا بقراءة الكُتب المُترجَمة، أو حتّى تفسيرها، بل ذهبوا إلى تفنيد مضامينها، ونقْد جدليّاتها، والانطلاق منها لوضْعِ منظوماتٍ فكريّة خاصّة بهم. كما أنّهم تجاوزوها ليُضارع بعضُهم بعضا وليتناقشوا فى أفكارٍ جديدة انطلقت بالفعل من الترجمة، ولكنّها سبقتها إلى أبعد الحدود وأسَّست لفكرٍ جديد عالَمى طبعَ بخصائصه ما يُدعى باسم «الحضارة العربيّة الإسلاميّة». هذا فى مجال الفلسفة والأفكار التجريديّة. أمّا فى مجال العلوم كافّة، فقد قاموا، بعد دراسة الأعمال المُترجَمة، بإجراء الملاحظات والتجارب والعمليّات الحسابيّة؛ حتّى أنّ الأفكار النّاتجة عن دراسة الكُتب الفلسفيّة المُترجَمة ومناقشتها والكتابة فى ما يتعدّاها قد ظهرت فى طيّات الأدب العربى، وخصوصا فى كتابات الجاحظ وقصائد المتنبّى وأبى العلاء المعرّى. كلّ ذلك حَصَلَ أوّلا، وخصوصا باللّغة العربيّة.

هذه أمور لم يشهدها العالَم العربى بعدُ فى أيّامنا هذه؛ فنحن لم نتعدَّ الآن مرحلة الترجمة التى هى باب ونقطة انطلاق، ويُخشى أن نبقى عندها ولا نتجاوزها أبدا مثلما تجاوزها المفكّرون فى عصر المأمون وأمراء الأندلس، وذلك لأنّنا، وللأسف، لم نعُد نفكِّر بلغتنا، ولا نتناقش بها، ولا نعتمدها فى كتاباتنا وأبحاثنا.

خير دليل على ذلك وضع الباحثة والباحث العربى. فهو إمّا طائر أضاع سربه، فهو يغرّد لوحده بسبب انعدام سياسة البرامج العلميّة الكبرى التى تُقرِّرها الدولةُ فى أعلى مستوياتها، وبسبب غياب فِرَقٍ بحثيّة تعمل فى ضوء هذه البرامج فى الجامعات العربيّة والمراكز العلميّة، وإمّا التحق هذا الباحث بسربٍ آخر يؤمِّن له الإطارَ العلمى الذى يحتضنه، لكنّ هذا الإطار أجنبى ولا ينتمى إلى المَسار العربى. إذن، هناك باحثون عرب لا فِرَق بحثيّة، ناهيك بغياب التيّارات الفكريّة التى تَجمع تحت لوائها كلّ هذه الفِرَق. هذا بالإضافة إلى غياب تخطيطٍ بحثى تضعه الإدارات العليا فى الدولة، وهذا صلب المشكلة.

• • •

انطلاقا ممّا سبق، يُمكننا القول إنّ السبيل إلى النهوض باللّغة العربيّة يمرّ عبر التواصل بها، أى بتفعيل البحث العلمى وغير العلمى بالعربيّة، وتشجيع المؤتمرات النّاطقة بها فى مختلف مجالات المعرفة، وإلزاميّة استعمالها فى التعليم فى جميع المراحل، بالإضافة إلى لزوم أن يُتقن كلُّ طالبة وطالِب لغة أجنبيّة واحدة على الأقلّ. كذلك، لا بدّ من تشجيع البرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة على استعمال العربيّة الفصحى وتقديم برامج ذات مستوى فكريٍّ راقٍ. كذلك الأمر بالنسبة إلى تبادُل المدوّنات فى شبكات التواصل الاجتماعى. أمّا دُور النشر، فلا بدّ من مساعدتها على أن تَنشر بلغةٍ عربيّة قويمة، وكذلك على تنظيم الندوات الفكريّة لمناقشة منشوراتها بالعربيّة أيضا. من ناحية أخرى، يجب الالتفات إلى خارج الإطار العربى وتشجيع الجامعات فى العالَم على تأسيسِ أقسامٍ تدرِّس العربيّة وبالعربيّة، وعلى تأمين شروط التوأمة والتشارك بينها وبين الجامعات العربيّة.

كلّ هذه الأمور أشبه بسعف شجرة النخيل، وقرار الدولة أشبه برأسها. فإذا غابَ رأس النخلة أو انقطع عن أغصانها، ماتت الشجرة بكاملها.

الخلاصة أنّه يمكننا القول إنّ القرار السياسى الصادر عن رأس الدولة، والذى يوجّه هرميّا كلّ المجالات والأعمال التى ذكرناها، ويسهر على تنفيذها هو الضمانة الأولى والأخيرة للنهوض باللّغة العربيّة ودفعها لمواكبة الحضارة العالميّة وتأمين المستقبل الباهر لها.

النص الأصلي

 

التعليقات