خيال القصور - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 2:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

خيال القصور

نشر فى : السبت 9 فبراير 2019 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 9 فبراير 2019 - 9:35 م

رحلة مع النياشين والصولجانات نبحر خلالها في القرن التاسع عشر، ونحن بداخل أروقة قصر عائشة فهمي بالزمالك، على ضفاف النيل، حيث يقام معرض "كنوز متاحفنا الفنية 3 .. ملامح عهد". تماثيل ومقتنيات تخص أسرة محمد علي خرجت من المخازن وتم ترميم بعضها تتماشى تماما مع الطراز الكلاسيكي للقصر، وتجعلنا نتوقف مليا عند العلاقة بين الفنانين والحكام، وكذا عند استخدام هؤلاء للثقافة من أجل تدعيم أواصر حكمهم وتمجيد سيرهم وصنع هالة سياسية ودعائية تحيط بهم.
نسرح في تفاصيل القرن التاسع عشر الذي وصلت فيه رعاية طبقة السياسيين وكبار العائلات للفن والثقافة إلى أوجها، حول العالم وليس في مصر فقط، ففي إيطاليا مثلا حيث بدأ هذا التقليد، كانت هناك عائلات بعينها مثل "الميدسيس" و"ستروزي" عرفوا بتشجيع ورعاية الأنشطة الثقافية منذ عصر النهضة. كان من الطبيعي إذاً أن يهتم الملوك والأمراء وذويهم بالفنون ويصدروا أوامرهم كي يقوم هذا النحات الشهير أو ذاك بتنفيذ تمثال للملك أو الخديوي وأن يصوره وهو يحمل بندقية الصيد أو تزينه النياشين التي تظهر كل تفاصيلها. نشعر بفخامة هذا العصر أو غيره عندما نشاهد لوحات ومقتنيات القصور والمنشآت الرسمية: لوحة زيتية لمحمد علي باشا غير موقعة وغير مؤرخة، مصغر أصلي من البرونز لتمثال "محمد علي فوق حصانه" القائم حاليا بميدان المنشية للفنان ألفريد جاكمار، طقم سفرة استخدم خلال افتتاح قناة السويس، تمثال نصفي لإسماعيل باشا نحته الفنان الفرنسي شارل كوردييه، إلى ما غير ذلك.
***
اسم شارل كوردييه الذي رأيناه أكثر من مرة خلال المعرض يذكرنا أيضا بأن القرن التاسع عشر كان العصر الذهبي للاستشراق. كان هناك ولع في أوروبا بمعرفة الآخر وتقديمه لا بالصورة التي هو عليها، بل وفقا لتصور مسبق في الذهنية الغربية. الرسامون يلقون رواجا حينما يرسمون لوحات تمت إلى الشرق بصلة: وجوه من إفريقيا ومن الصين وملامح جمالية غير مستأنسة. كذلك كان الحال بالنسبة للمسرحيين والروائيين ومبدعي الأعمال الأوبرالية. كتب فيكتور هوجو مجموعته الشعرية المبكرة "الشرقيات"، وهو لا يتحدث فيه فعلا عن الشرقيات، بل طغت عليه وعلى غيره فكرة الشرق الساحر الغريب.
في هذا الجو العام برز اسم شارل كوردييه الذي انطلق من مرسمه في الحي اللاتيني بباريس ليجوب العالم وينحت وجوها وأجساما مختلفة عن التي اعتادتها الأعين الأوروبية. لفت إليه الأنظار بتمثال نصفي لعبد سوداني، اشترك به في صالون باريس عام 1848، وهو عام إلغاء العبودية بالمستعمرات الفرنسية. أثار ضجة وتوالى الصخب من حوله مع عرض تماثيل "فينوس الإفريقية" و"نساء يهوديات من الجزائر"، لأنه قدم مقاييسا مختلفة للجمال عن تلك التي فرضتها الحضارة اليونانية القديمة. ورغم أن نظرته لم تخلو من صبغة عنصرية، إلا أنه كان مهتما بالفروقات العرقية والتشريح، فعين بالمتحف الوطني بباريس ما بين 1851 و 1866 كمسؤول عن الجانب الاثنوجرافي. وسافر في مهمات إلى الجزائر سنة 1856، وإلى مصر والسودان حيث مكث عامين من 1866 إلى 1868، ومنهما زار مالطا وقبرص وتركيا.
طلب منه القائمون على مدينة مكسيكو إقامة تمثال للرحالة كريستوفر كولومبوس، ونفذ تمثالا لإبراهيم باشا يمتطي حصانه وضع بالقاهرة. بالنسبة للنحات الفرنسي كان الاستعمار شكلا أوليا للعولمة، لذا كتب في مذكراته أنه أراد "أن يرى من خلال عمله الأنواع البشرية المختلفة وهي تنصهر في شعب واحد كبير".
***
نغوص في هذه السنوات المفصلية، ونحن نتجول بين أروقة قصر عائشة فهمي، ونتصفح كتالوج المعرض الذي يوفر للزائر معلومات قيمة ويضع الأمور في نصابها التاريخي. يحتوي الكتالوج على صورة لأميرة ونحاتة وشخصية شيقة، تحول قصرها بالزمالك إلى مكتبة القاهرة عام 1995، وهي الأميرة سميحة حسين كامل (1889-1984). ابنة السلطانة ملك والسلطان حسين كامل التي سافرت إلى أوروبا وتعلمت الفنون الجميلة، واشتهرت كراعية للثقافة. حولت بيتها إلى صالون أدبي وفني، وعاشت فيه إلى أن وافتها المنية، وأوصت إلى أن يظل مركزا للثقافة والفنون، وقد كان بفضل معركة خاضها الصحفي والكاتب البارز كامل زهيري، رحمه الله. نعيد اكتشاف الكثير من الشخصيات، بسبب هذه النوعية من المعارض التي تنعش الذاكرة، ونتوقف عند بعض الوجوه التي لم نكن نعرف عنها إلا القليل، فنذكر ضمن من نذكر مثلا أخت الأميرة الفنانة سميحة حسين، الكاتبة قدرية حسين، التي ارتبط اسمها بالسير والتراجم، وتحول قصرها بميدان التحرير إلى مقر الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي تحتفل هذا العام بمئويتها.
حكاية تؤدي إلى أخرى، واسم يرتبط بآخر، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية... حجرات القصر وردهاته، بعدما أضيفت إليها لوحات وتماثيل المعرض، صارت تلهب الخيال أكثر فأكثر، وتثير شجونا، وتجعلنا نعاود زيارة وقراءة التاريخ، بمزيد من التفهم والتسامح والبعد.

التعليقات