بمناسبة كأس العالم: المجتمع المدنى على المسرح العالمى - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 9:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

بمناسبة كأس العالم: المجتمع المدنى على المسرح العالمى

نشر فى : السبت 10 ديسمبر 2022 - 9:00 ص | آخر تحديث : السبت 10 ديسمبر 2022 - 10:54 م

كأس العالم لكرة القدم يتابع مبارياته مئات الملايين فى كل بقاع الكوكب لبساطتها، وسهولة لعبها، ولاجتذابها الفقراء مثل الأغنياء بل قبلهم، لأنها مثيرة، تستعصى نتائج مبارياتها على حسابات موازين المهارة والاستثمارات المالية والفنية، هى اللعبة الشعبية الأولى فى الأغلبية الساحقة من بلدان العالم كلعبة فيها إدراك فطرى لقوانين الحركة التى تحكم كلا من الإنسان من جانب، والشكل الكروى من جانب آخر، هواتها، بل وغير هواتها، صاروا يحتفلون بمهرجانها الشامل والأسمى كل أربع سنوات. فى هذه السنة، المهرجان مقام فى قطر.
المحللون، من كتاب وصحفيين غير رياضيين، أفاضوا فى الكتابة فى الأسابيع الأخيرة عن كأس العالم وما حوله. بخلاف مهارة هذا الفريق أو ذاك، وعلو كعب هذا اللاعب أو ذلك، الكتابة تناولت حسن تنظيم قطر للبطولة، والأموال الطائلة المنفقة عليها، والهجوم الذى تعرضت له قطر. كأس العالم فى قطر حفزت عالم سياسة عتيدا هو الدكتور مصطفى كامل السيد إلى أن يستعرض فى نفس هذه الصفحة منذ بضعة أيام ارتقاء الدول الصغيرة مثل قطر والإمارات العربية المتحدة فى بنية النظامين الإقليمى والعالمى.
• • •
موضوعنا اليوم هو ما كشف عنه كأس العالم عن المجتمع المدنى العالمى وبنيته وطرائق عمله. المجتمع المدنى العالمى كان موجودا فى مؤتمر المناخ فى شرم الشيخ وسيكون كثير الفائدة المقارنة بينه وبين ذلك الذى كان موجودا فى قطر، إلا أننا نكتفى لأغراض هذا المقال بالأخير. نضيف أيضا أن هذه مقاربة أولية للموضوع ولأغراض الصحافة. الموضوع يستحق بحثا أكاديميا متعمقا.
المجتمع المدنى العالمى هو نظام مركب ومتشعب موجود بالتوازى مع النظام الدولى الحكومى المعروف. بين النظامين توجد معابر، وإن لم تكن واسعة بعد. المادة الحادية والسبعون من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أنه يمكن للمجلس الاقتصادى والاجتماعى للمنظمة أن يجرى مشاورات مع المنظمات غير الحكومية العاملة فى مجال اختصاصه، وهو أنشأ نظاما لقبول هذه المنظمات بصفة المراقب لأعماله. يؤثر كل من النظامين فى الآخر بأشكال متعددة، وإن كان لا يخفى أن الغلبة، وبدون أى وجه للمقارنة، هى للنظام الدولى للحكومى. المجتمع المدنى ليس جديدا فى العلاقات الدولية. الكتاب السنوى للمنظمات الدولية، وهو يُعنى بغير الحكومية بينها وبالحكومية، بدأ صدوره فى سنة 1908، قبل الحرب العالمية الأولى ونشأة عصبة الأمم فى سنة 1919. الكتاب السنوى فيه بيانات فى الوقت الحالى عن 67,000 منظمة غير حكومية دولية تعمل فى أكثر من دولة واحدة. جلى أن عدد المنظمات غير الحكومية، وهى المكون الأكبر للمجتمع المدنى، فى الكتاب السنوى أكبر كثيرا من تلك الحكومية. المجتمع المدنى العالمى الذى يعنينا هو ذلك المكوَّن من تنظيمات غير حكومية العاملة على المستوى الدولى، وكذلك تلك الناشطة على المستوى الوطنى لكل دولة ويكون نشاطها أو تأثيرها عبر وطنى، أى يتعدى حدود دولتها.
بمناسبة كأس العالم اتضح تقسيم المجتمع المدنى العالمى جغرافيا وقطاعيا. المجتمع المدنى فى شمال العالم ليس هو نفسه تماما فى جنوبه. وحتى فى الشمال، توجد بين مكوناته تباينات. منذ التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم، صدرت عن المجتمع المدنى فى كل من ألمانيا والدنمارك والنرويج وإنجلترا دعوات لمقاطعة كأس العالم لأسباب تتعلق بإنكار قطر للمثلية ولحقوق المثليين، وكذلك لظروف عمل العمال المهاجرين فيها، ومصرع أعداد منهم أثناء بناء ملاعب البطولة. هذه هى القضايا الرئيسية التى تمحورت حولها الحملة التى شُنّت على قطر. أما فى أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا، فلم تصدر مثل هذه الدعوات ولم يحث المجتمع المدنى فى أى منها المشجعات والمشجعين على عدم الذهاب إلى قطر. المجتمعات المدنية فى بعض البلدان الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال وبولندا وكرواتيا كانت أقرب إلى المجتمعات المدنية فى قارات الجنوب عن تلك المنتمية إلى شمال أوروبا، فهى لم تدع إلى مقاطعة كأس العالم ولا هى حثت المشجعات والمشجعين فيه على عدم الذهاب إلى قطر.
• • •
قطاعيا، يمكن تمييز قطاعات أربعة على الأقل. قطاع أول من المجتمع المدنى العالمى، فى كرة القدم بالذات، هو ذلك الخاص بالمشجعات والمشجعين المنخرطين فى روابط تجمعهم أو غير المنظمين. من هذا القطاع، أو من خلاله صدرت دعوات مقاطعة كأس العالم. ومع ذلك، فإن هذا القطاع ذهب بمشجعات ومشجعين إلى قطر. إلى هذا القطاع أو إلى بعض مكوناته الوطنية يمكن أن تنسب أيضا الحملة الخاصة بتناول مشروب «البيرة» فى الملاعب والذى حظرته قطر قبل بدء البطولة بأيام.
قطاع ثانى فى المجتمع المدنى العالمى هو ذلك المعنى بحقوق الإنسان. منظمة العفو الدولية نددت بوضع العمال المهاجرين فى قطر وشروط عملهم وظروفه، بما فى ذلك انخفاض أجورهم والحوادث التى تعرض عمال البناء بينهم لها، ناهيك عن وضع العاملات المنزليات. منظمة مراقبة حقوق الإنسان حذت حذو منظمة العفو الدولية فى التنديد بقطر فى تقرير أصدرته إلا أنها فى موقع آخر أقرَّت بالتغير الذى طرأ على تنظيم عمل العمال المهاجرين فى قطر والذى سمح لهم بالحراك فى سوق العمل، وهو ما كانوا محرومين منه فى ظل الشكل الأصلى لنظام الكفالة، الذى كان يضيِّق بالفعل على العمال المهاجرين ويُخضِعُهُم لشروط عمل قاسية. يلاحظ أن قطاع حقوق الإنسان فى المجتمع المدنى العالمى، على المستوى الدولى لم يكثر من مهاجمة قطر ولم يواصل التنديد بها، ربما لأنه تابع فى السنوات الأخيرة حركة إصلاح نظام الكفالة فيها. دعوات المقاطعة بسبب القضايا الثلاث المذكورة صدرت غالبا عن المنظمات المنتمية إلى هذا القطاع على المستوى الوطنى فى بعض دول الشمال المذكورة أعلاه.
قطاع ثالث عظيم الأهمية هو ذلك الخاص بالتنظيم النقابى العمالى وعلى رأسه الاتحاد الدولى لنقابات العمال. لم يسمع صوت للاتحاد يندد بقطر بمناسبة بدء فاعليات كأس العالم بها، مع أنه أول المعنيين بظروف العمل وبحقوق العمال. بقدر لا بأس به من الثقة يمكن إرجاع ذلك إلى أن الاتحاد الدولى لنقابات العمال ندد بقطر بأشد العبارات وأصدر عنها التقارير وشن حملة فى منظمة العمل الدولية انتهت إلى أن قطر نفسها خصصت مبلغا يربو على العشرين مليون دولار لتعديل نظام الكفالة وشروطه بحيث أصبح للعمال المهاجرين الحق فى تغيير مواقع عملهم، كما سبق بيانه، وتقرر لهم حد أدنى للأجور، وألغيت ضرورة حصولهم على إذن صاحب العمل ليغادروا البلاد، بين إجراءات إصلاحية أخرى. الاتحاد الدولى لنقابات العمال لم يمارس الضغوط فقط بل إنه صاحب تنفيذ منظمة العمل الدولية للمشروع وأعرب فى مناسبات سابقة عن ارتياحه للتقدم المحرز. قطاع النقابات العمالية الأقدم والأقوى والممثل المباشر لأعضائه المحددة بوضوح مواقعهم من عمليات الإنتاج لم يستغل فرصة انعقاد كأس العالم للتعبير عن نفسه والترويج لقضاياه بل إنه استبق هذا الانعقاد فضغط وكان مؤثرا دون ضجة كبيرة.
قطاع رابع مركزى فى انعقاد كأس العالم هو القطاع الرياضى، وبالذات قطاعه الفرعى الأكبر الخاص بكرة القدم. أكثر قطاعات المجتمع المدنى العالمى نموا وتعددا وتشابكا هو القطاع الرياضى. كتعبير عن النظام الدولى المعاصر هو يستحق مقالات وحده، ولكننا نكتفى هنا باستعراض مواقف القطاع الفرعى لكرة القدم ممثلا فى الاتحاد الدولى للعبة من القضايا المثارة بمناسبة كأس العالم فى قطر. سمعة مجلس إدارة الاتحاد الدولى ليست فوق مستوى الشبهات، ولكن هذا موضوع مختلف. رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم، الذى تولى منصبه بعد اتهام سلفه بالفساد ومحاكمته أمام القضاء السويسرى، ردّ فى مؤتمر صحفى على الهجوم الذى تعرضت له قطر. عبّر رئيس الاتحاد عن تفهمه لمسألة العمال المهاجرين فى قطر ولكنه تساءل عن السبب فى السكوت عن التقدم الذى سجله تنظيم عملهم منذ سنة 2016. عن حظر تناول «البيرة» فى الملاعب، قال إنه أقل المنغصات أهمية وأن المشجعين يستطيعون ولا شك تحمل الحرمان من «البيرة» لمدة ثلاث ساعات، هى فترة المباراة وما سبقها ولحقها، يعودون بعدها لتناول ما يحلو لهم من المشروب. أضاف رئيس الاتحاد الدولى أن بلادا فى أوروبا، هى إسبانيا، وفرنسا، واسكتلندا، تحظر هى الأخرى الكحوليات فى الملاعب مثلما فعلت قطر. رئيس الاتحاد الدولى أعلن تضامنه مع كل من يتعرضون للتمييز. بين فئات أخرى، هذا التضامن كان يتعلق بالمثليين. ولكن رئيس الاتحاد الدولى قال إنه أوروبى، ولكن لقاء ما فعله الأوروبيون فى العالم فى مئات السنين الأخيرة فإن عليهم أن يعتذروا لمئات السنين القادمة، مضيفا أن الدروس الأخلاقية فى حقوق الإنسان من جانب واحد ما هى إلا نفاق.
على ضوء ما تقدّم، يتضح وجود تباينات واختلافات فى مواقف القطاعات المختلفة من المجتمع المدنى العالمى من القضايا التى تعرض له. بالضرورة هذه القطاعات تؤثر فى بعضها البعض ولكن دون أن يوجد إطار حاكم لهذا التأثير المتبادل. التساؤل مشروع عما إذا كان ممكنا تنظيم هذا التأثير، الذى يبقى على المهتم أن يستنبط أنماطه.
• • •
بعض الملحوظات الأخيرة بشأن المجتمع المدنى العالمى كما تبدّى فى قطر. لم يثر أى مكون لهذا المجتمع للطابع النيوليبرالى الذى اتخذته كرة القدم. اللاعبون تأتى أغلبيتهم الساحقة من الطبقات الفقيرة. ولكن هذه الطبقات صارت غير قادرة على مشاهدة اللعبة. تذاكر المباريات فوق طاقة ذوى الدخل المتوسط أنفسهم وكذلك شراء حقوق المشاهدة على قنوات التليفزيون المشفرة. وحدهم من هم فى بحبوحة من العيش يستطيعون مشاهدة المباريات ما لم تشتر الدول حقوق البث وتعرض المباريات على قنواتها المفتوحة. هذه المفارقة توسع من هوة اللامساواة وتنخر فى تماسك المجتمعات فى البلدان المتقدمة والنامية. ملحوظة ثانية تتعلق بحقوق الإنسان. احترام حقوق الإنسان وتفعيلها لا مساومة فيهما، لأن فى هذا الاحترام وهذا التفعيل الضمان للتنظيم الصحى للمجتمعات. ولكن أليس فى تجاهل التقدم الحاصل فى إنفاذ الحقوق تهديد لها؟ ألا يمكن أن تعتبر الدولة التى تحقق فيها التقدم، أنه لا داعى له طالما استوى لدى المنتقدين التقدم وعدمه؟ وأليس فى التشديد علنا على جوانب تعتبرها بعض الأطراف جوهرية فى الدعوة لحقوق الإنسان ولا تظنها أطراف أخرى كذلك تهديدا لمجمل حقوق الإنسان فى الدول السلطوية وللتنظيم السياسى الديمقراطى الذى يكفلها؟ هذه الدول أو قوى فاعلة فيها قد تتخذ من التشديد على هذه الجوانب المختلف عليها حجة لإنكار أى شرعية على الدعوة إلى مجمل حقوق الإنسان وإلى الديمقراطية والتنظيم السياسى الذى يجسدها.
الملحوظة الأخيرة هى عن غياب المجتمع المدنى العربى المستقل والفاعل عن المسرح العالمى. الممثلون الأساسيون له فى قطر، بمساندة موارد الحكومات، كانوا من قطاع كرة القدم. هى الفرق الممثلة لقطر وللملكة العربية السعودية، وكذلك لتونس والمغرب. فريق المغرب بالذات انضم إلى قطاع المشجعات والمشجعين عندما أبرز علم فلسطين عند تصويره بعدما تأهل لدور الثمانية فى البطولة. المشجعات والمشجعون دأبوا على رفع علم فلسطين فى المدرجات منذ بدء مباريات البطولة. فى ذلك إشارة لا يخطئها لبيب لمواقف المجتمعات المدنية العربية، والمجتمعات التى تفرزها، من قضية فلسطين.
المجتمع المدنى العالمى، بما له وما يمكن أن يؤخذ عليه، يتزايد تأثيره. يجب متابعته، والاستماع إلى مكوناته فى بلداننا وإفساح المجال لها.
أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات