هل هي حربٌ دينية؟! - يحيى عبدالله - بوابة الشروق
الإثنين 24 يونيو 2024 6:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

هل هي حربٌ دينية؟!

نشر فى : السبت 13 يناير 2024 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 13 يناير 2024 - 9:05 م
فى الرابع عشر من الشهر الماضى، وقعت حادثة ذات دلالات دينية، إذ اقتحمت قوة إسرائيلية المسجد الكبير بمدينة جنين، وشرع جنديان، من أفرادها، عبر مكبرات الصوت بالمسجد، فى ترديد صلاة «الشماع»، أهم جزء فى الصلوات اليهودية اليومية الثلاث، وفى ترديد أهازيج من الأهازيج الدينية المعتاد إنشادها فى عيد الحنوكا، تصادف الاحتفال به فى ذلك الوقت، فيما شرع البعض الآخر فى كتابة عبارات مسيئة على جدران المسجد، منها: «جئنا لنأكل الحمص». ثلاثة أمور لافتة فى هذه الحادثة على المستوى السياسى، والعسكرى، والإعلامى: الأول، أن بعض كبار السياسيين الإسرائيليين، ومنهم، يولى إدلشتاين، رئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، تدخل لدى رئيس الأركان الإسرائيلى، هيرتسى هليفى، وطلب منه، بعد أن فصل الجنديين من الخدمة العسكرية، «إعادة النظر فى طريقة معالجة الموضوع» (بحسب بنينا شوكر، يسرائيل هيوم، 18 ديسمبر 2023م)، الأمر الثانى، أن «زملاء الجنود بالكتيبة هددوا بترك خدمة الاحتياط احتجاجا على فصلهما» (بنينا شوكر أيضا)، أما الأمر الثالث، فهو موقف بنينا شوكر، نفسها، الإعلامية، والباحثة بمعهد القدس للشئون الاستراتيجية، التى رأت أن «الجيش لم يتخذ الإجراء الصحيح، وأن معاقبة الجنديين قد تؤدى إلى تآكل فى الروح المعنوية لجنود الاحتياط».
مما هو بدهى، أن المشروع الصهيونى توسل الأسباب الدينية لتحقيق مآربه الاستعمارية، وأن إسرائيل، التجسيد العملى له، اقتفت أثره، سواء من حيث النزعة الاستعمارية، أم من حيث توسل العنصر الدينى؛ إذ لا تخفى نزعتها التوسعية الاستعمارية على أحد، أما تماهيها مع العنصر الدينى، فيكفى أن نشير إلى اسمها، نفسه، الذى يعبر عن هوية دينية بحتة، وإلى قانون القومية الذى سنه الكنيست عام 2018م (قانون أساس: إسرائيل هى الدولة القومية للشعب اليهودى) الذى يجعل الدولة حكرا على العنصر اليهودى فقط. ومن ثم، كان لزاما أن تكون للصراع ظلال دينية.
• • •
يهمش الخطاب الإعلامى الإسرائيلى، قضية احتلال إسرائيل للأراضى العربية، ويصدر إلى الوعى العام الظلال الدينية للصراع، متهما العرب بأن كل الحروب التى خاضوها ضد إسرائيل حروب دينية، كما يزعم، يهودا عتسيون، فى مقال بـ«ماكور ريشون» (14 ديسمبر 2023م) تحت عنوان: «نعم، هى حرب دينية»، إذ يقول: «حان الوقت لندرك أن حروب العرب ضدنا، كلها، حروب دينية»، ولنا أن نسأل: هل كانت حرب 1973م حربا دينية؟! ألم تكن حربا من أجل استعادة أراضٍ مصرية وسورية محتلة؟!. يتجاهل الكاتب الأسباب الجوهرية للصراع، ويحيل إلى تفاسير دينية يهودية متهافتة، أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة، بشأن العلاقة بين ابنىْ إبراهيم: إسحاق وإسماعيل، وبشأن الحق فى الإرث. (حرم التشريع اليهودى إسماعيل من الحق فى وراثة أبيه، بزعم أنه ابن جارية، حيث ورد فى سفر التكوين 21/9ـ 10: «ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذى ولدته لإبراهيم يمزح، فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابنى اسحاق»). لم تكتف التفاسير الدينية اليهودية، بتقنين حرمان اسماعيل من الميراث، استنادا إلى النص التوراتى المؤسس، وإنما سعت إلى تشويه صورته هو وكل ذريته، وإلى تصويره بأنه يريد انتزاع حق ليس من حقوقه.
يتحدث الكاتب عما درسه فى المعهد الدينى: «الإسلام فى نظر حاخاماتنا هو دين اسماعيل، الذى استبدل صفة القسوة بصفة الرحمة، التى تحلَّى بها أبونا ـ أبوه أفراهام؛ وقد لاحظت سارة أن اسماعيل حين شب عن الطوق أخذ يتظاهر بأنه إسحاق أو يضع نفسه مكانه. بما معناه: أنا أحق بأن أرث أفراهام وبأن أرث الأرض التى وعده بها الرب، أنا وليس إسحاق».
يستشهد الخطاب الإعلامى الإسرائيلى ببعض الرموز ليدلل على حضور العُنصر الدينى فى الحرب ضد غزة، منها: أن هجوم السابع من أكتوبر وقع فى يوم سبت ــ يوم مقدس فى اليهودية ــ وفى يوم عيد ــ اليوم الأخير من عيد العُرْش، أو «شمينى عتسيرت» كما فى المسمَّى العبرى: «ها هو ذا الإسلام الدينى الشمولى الذى ضربنا فى يوم «شمينى عتسيرت»، ها هو ذا الجهاد المتحمس الذى يهب لسحق وإذلال اليهود، الذين اغتصبوا أراضى الوقف الإسلامى ــ أى فلسطين ــ وأقاموا بها دولة محكوما عليها بالفناء»؛ ومنها، إطلاق فصائل المقاومة فى غزة اسما ذا دلالات دينية على هجوم السابع من أكتوبر: «طوفان الأقصى»؛ ومنها بعض اللافتات ذات الطابع الدينى هنا وهناك.
يقول إلرون زبطانى، فى «ماكور ريشون»، (27 ديسمبر 2023م) إنه عندما وصل إلى الموقع الذى يخدم فيه، قريبا من الحدود مع لبنان، وأخذ يباشر مهام المراقبة، لاحظ وجود لافتة كبيرة موجّهة إلى الجانب الإسرائيلى من الحدود، لا يراها مَن على الجانب اللبنانى، «عليها صورة قاسم سليمانى، وعن يسارها صورة قبة الصخرة وفوقهما عبارة: على طريق القدس. فى واقع الأمر، كُتب فوق كل منشور لصورة سليمانى عبارة: شهداء على طريق القدس»؛ ومن الرموز، أيضا، ما أشار إليه، أرنون سيجل، فى «ماكور ريشون» (15 ديسمبر 2023م)، أيضا: «تظهر قبة الصخرة بوصفها رمزا على كل كُتيب دراسى بمدارس العدو، وعلى كل دفتر هناك، وفى كل غرفة، وعلى كل مكتب دراسى».
• • •
بعيدا عن الرمزية، والشكل، فإن جوهر البعد الدينى للحرب، كما يراه الخطاب الإعلامى الإسرائيلى، يتمثل فى نقطتين: القدس («أورشليم») والمسجد الأقصى («جبل البيت» أو «الهيكل»). فيما يتعلق بالنقطة الأولى، يرى إلرون زبطانى، أن الحرب الحالية حربٌ حول مستقبل القدس: «إذا سألْنا أعداءنا عن ما ذا يحاربون، فإنهم يعرفون الإجابة على الفور. أهداف الحرب واضحة لهم تماما. الحرب فى الشمال وفى الجنوب ومن إيران وحتى اليمن حول مستقبل ومصير «أورشليم». الجبهة هى «أورشليم». الهدف الأسمى لكل أعدائنا، القريبين والبعيدين هو «أورشليم». هم لن يضعوا سلاحهم حتى يحققوا هذا الهدف».
هو يرى أن حسم معركة القدس يجب أن يكون عبر ضم القدس الشرقية ـ حل استعمارى ـ وعبر تغيير مسمى الحرب الحالية إلى «حرب أورشليم» بدلا من «حرب السيوف الحديدية»: «إذا أردنا أن ننتصر سيكون لزاما علينا، ولو من الناحية التكتيكية، أن نلتفت إلى هذه المدينة. توجد قطاعات من الشعب بيننا يتجاهلون «أورشليم»، يقسمونها إلى شرق وغرب ويعتبرونها «قنبلة موقوتة»، يحاولون تهميش وجودها، لكن أعداءنا يسعون إلى تذكيرنا بها مرارا وتكرارا فى كل معركة. إذا كان المسئولون يبحثون عن اسم مناسب للحرب، فمن الأجدى أن يتعلموا من العدو وأن يغيروا الاسم المبهم الذى سموها به حتى الآن إلى «حرب أورشليم».
وفيما يتعلق بالنقطة الجوهرية الثانية، المسجد الأقصى (جبل البيت/ الهيكل)، فإن أرنون سيجل، يرى أن حماس تقاتل من أجل الأقصى، وسط تجاهل إسرائيلى لهذه المسألة، فى رأيه، مطالبا باحتلال الأقصى ــ رؤية استعمارية ــ ورفع العلم الإسرائيلى فوقه: «خلافا لإسرائيل التى تقاتل الآن دفاعا عن حياة مواطنيها واستعادة الهدوء، فإن العدو يقاتل من أجل قيم أخرى، أو من أجل قيمة واحدة، هى المسجد الأقصى، الذى هو، فى الحقيقة، «جبل البيت» كله (...) طالما لا نعترف بـ «جبل البيت» كثروة، كسبب مركزى عُدنا بسببه إلى هنا بعد ألفىْ سنة، طالما نرى فى هذا الأثر مصدر إزعاج، وندوس على مقدساتنا فى «أورشليم»، ونكنس كرامتنا تحت سجادة الصلاة الإسلامية، طالما نرضى بتحويله إلى منطقة يحتشد فيها أنصار محمد ضيف فلن نُركع العدو. مطلوب منا أن نحسم الأمر، وليس ثمة نصر أوضح من أن نرفع العلم الإسرائيلى فوق قمة رمز العدو، الذى هو بالمصادفة البحتة قدس أقداسنا أيضا».
يرى، يهودا عتسيون، أن الزعماء الإسرائيليين مخطئون فى عدم التفاتهم إلى البعد الدينى، وفى تصورهم للنزاع بأنه نزاع علمانى قومى فقط، وفى تحالفهم مع من أسماهم بالعناصر العلمانية على الجانب العربى، متهما كل المسلمين، بلا استثناء، بأنهم «جهاديون»: «يحاول زعماؤنا، طوال قرن من الزمان، الشرح لأنفسهم ولنا بأن الأمر يتعلق بنزاع علمانى، قومى فقط. لذا التصقوا بالعناصر العلمانية أو المعتدلة من العرب، ووقعوا اتفاقيات معهم، وتخيلوا أنهم بذلك يحشرون الجهاديين الإسلاميين فى الزاوية. إلا أنه لا يوجد مسلمون علمانيون فى الواقع، ونار الجهاد تسرى فى أوصالهم كلهم». ويطالب، عتسيون، بالتخلص من الزعامات «العلمانية» الإسرائيلية، وبإحلال زعامة يهودية مؤمنة مكانها، على غرار زعماء الكتلة الاستيطانية المتطرفة، «جوش إيمونيم» ــ كتلة الإيمان ــ لمواجهة التيار الإسلامى المتحمس: «ما لم تتوافر لنا قيادة مؤمنة، ذات عقيدة، فستظل نار الإسلام مشتعلة ضدنا. لن تنشأ القيادة المؤمنة من داخل المنظومة السياسية الحالية، وإنما من خارجها، تحديدا. على غرار جوش إيمونيم، فى حينه، بعد حرب عيد الغفران».
• • •
هناك، بالطبع استثناءات، لديهم قناعة بأن «الدين ليس المشكلة، وإنما الحل»، كما يقول، آفى دبوش (يديعوت أحرونوت، 11 ديسمبر 2023م)، استنادا، فى رأيه، إلى الأب المشترك لليهود والمسلمين، إبراهيم، لكنها رؤية طوباوية أكثر منها واقعية، خاصة فى ظل وجود احتلال للأراضى العربية، ورغبة فى التوسع، ورفض لحل القضية الفلسطينية حلا منصفا.

يحيى عبدالله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات