خلف زجاج النظارة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 4:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

خلف زجاج النظارة

نشر فى : الأحد 15 مارس 2015 - 9:20 ص | آخر تحديث : الأحد 15 مارس 2015 - 1:24 م

الكحل الأسود الذى أحاط بعينيها زاد من عمق النظرة، فظهرت متوحشة، ثاقبة لا تخلو من الغموض، لا نعرف إن أرادت بنا خيرا أو شرا، لكنها فى موضع ما بين النيتين. تعطى أيضا إحساسا باللامبالاة تجاه محن البشر الذين يلجأون إليها والتى رأت منها الكثير. يذهبون إليها بصفتها بصارة أو عرافة، كما يقولون، تعرف بواطن الأمور وتبصر ما لا يمكننا تخمينه... فى زمن لا نستطيع التكهن بما سيحدث خلال دقائق معدودات. يكفى أن تنفجر قنبلة إلى جوار السيارة، وينتهى كل شىء بعد إحداث ما يكفى من الضجيج. والأزمة الاقتصادية لا تمنع الناس من التردد عليها فى منزلها الشديد التواضع الذى لا يحمل ولو بعضا من السعادة بين جنباته، بل على العكس فهم يتعلقون بقشة أو بصيص أمل... منزل حل عليه الغضب، تحيط به عمارات الطوب الأحمر من كل جانب، داخل حى عشوائى، على أطراف القاهرة.

•••

قسمات وجهها الأبيض المستدير وما تتمتم به من آيات قرآنية بين الشفتين فى ثقة مصطنعة يستوليان على انتباه السيدة القادمة إليها من بعيد، تلك التى لم تعرف معنى النجاح أو الهناء قط، رغم انتمائها لطبقة ميسورة. حالة من الاستسلام التام، فقد أتت بها إحدى قريباتها، ورغم كونها تحت تأثير الموقف فإنها أخذت تفكر فى صمت: لو كانت هذه العرافة تمتلك فعلا قدرات غير عادية ومكشوف عنها الحجاب، فلماذا تعيش فى هذا البؤس، لماذا لم تهرب من دوامة الفقر والعوز؟و هل هى سعيدة؟ هل استشراف المستقبل يجعلنا أكثر سعادة؟ لكنها ظلت تحدق فيها صامتة، تركز على نقطة غير محددة فى الأفق وتنظر إليها دون معنى، كما تفعل وهى أمام إناء محشى ورق العنب الضخم، فى انتظار لفه مع الأرز وتحويله إلى أصابع تؤكل فى ثوان، بعد أن يستغرق تحضيرها ساعات.

•••

لا تعبير على ملامح أصابها اليأس منذ وقت مبكر، فقديما لم ينجح أحد فى قراءة طالعها، ظهرت جملة ملخبطة لا تقرأ، بعكس ما حصل مع أخواتها اللائى حصلن على جمل لها دلالات حول مستقبل زيجاتهن. جلست واضعة كفيها على الركبتين، كما فعلت عندما اصطحبتها قريبة شابة إلى مجالس «التأمل» التى يلجأ إليها آخرون بحثا عن السكينة والسلام الداخلى أو التوازن النفسى، وفقا لبعض الفلسفات القديمة الخاصة ببلدان الشرق مثل الهند والتبت واليابان... جلست أيضا فى صمت تستطلع هذا العالم الجديد ــ العجيب، لا تفهم كلمة مما يقال فى الظلام، على ضوء الشموع وأنغام موسيقى خافتة، وكان الحديث هنا حول الطاقة ومراكزها فى الجسم وكيفية علاج الألم أو الاكتئاب بواسطتها، ثم كان التطرق إلى الأشكال الهندسية التى تقيس طاقة المكان وأرقام الإنسان القدرية وأنواع التدليك الذى يؤدى إلى الاسترخاء وشحن بطاريات الجسد. بعض المتكلمات حرصن على رشق الجمل بكلمات تنم على الخشوع والإيمان بقدرة الخالق، مؤكدات على أنه لا تعارض بين التأمل والتعبد والتحصن بالواحد الأحد. هى لا تبالى... تجلس شاخصة، على بعد سنوات ضوئية من نقاشات الديمقراطية والمؤتمر الاقتصادى، لا تهتم حتى بسعر أنابيب البوتاجاز فى السوق السوداء، فهى«ما شاء الله» من أصحاب الغاز الطبيعى الذى دخل بيوت حيها منذ ثمانينيات القرن الماضى.

•••

يرتفع آذان العشاء، فينقطع الحديث وتتحرك بعض الشفايف بذكر اسم الله والصلاة على رسوله الكريم. تختلط مظاهر التدين والتأمل والتصوف فى بعض المجالس «المودرن»، طلبا للراحة وللتسامح مع النفس والغير. تتكون مجموعات صغيرة حول نشاط معين وتتفرع منه أنشطة أخرى رياضية أو ثقافية أو روحية تتعلق مثلا بالتنمية البشرية، ويكون الثابت هو مكان اللقاء، مع تغير بعض الأفراد بين الحين والحين. ينضم آخرون، ويحدث دمج غريب للثقافات، لحظات هروب وسعى حثيث نحو المجهول، نحو ما وراء الطبيعة... رغبة فى الانتماء لمجموعة، لكيان ما يبحث عن السكينة. بعيدا عن القضايا الكبرى، يغرق البعض فى الغيبيات وفى قدرات البشر الخاصة وأسرار النفس، على أمل الوصول إلى إجابات بسيطة تتعلق بحياة كل يوم. أما هى فتتابع ما يحدث من وراء زجاج النظارة السميك.

التعليقات