موهبة بدون ثقافة - صحافة عربية - بوابة الشروق
الخميس 18 يوليه 2024 1:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

موهبة بدون ثقافة

نشر فى : الخميس 20 يونيو 2024 - 7:15 م | آخر تحديث : الخميس 20 يونيو 2024 - 7:15 م

يذكر الناقد رجاء النقّاش أنّه قرأ مخطوطة مسرحية شعرية كتبها شاعر شاب صغير السن، فأحسّ، بعد قراءتها، أنه، وبدون مبالغة، أمام موهبة كبيرة فذّة، لكنه شعر، فى الوقت ذاته، بأنها موهبة مبعثرة، ضائعة، حيث تنقص صاحبها الثقافة المسرحية الضرورية، ولا يملك موضوعًا مناسبًا، فالنص لا يتعدى خاطرة خطرت فى ذهن الشاب، حوّلها إلى نصّ مسرحى.

قبل رجاء النقّاش كان طه حسين قد قال «إن الأديب الذى لا يحسن إلا الأدب محدود الثقافة، والأديب الذى يستطيع المشاركة فى غير الأدب هو واسع الثقافة وعميقها»، وقال أيضًا: «إن المثقف الجدير بهذه الصفة تتجدد ثقافته فى غير انقطاع، وكلما اتسعت ثقافة الإنسان عظمت تبعته أمام بيئته ووطنه ووجب عليه أن ينفع الناس بكل ما حصّل».

الرجلان، طه حسين والنقّاش، يقفان عند موضوع مهم، هو أن الموهبة، مهما علا شأنها، غير كافية لأن تجعل من صاحبها أديبًا أو فنانًا مميزًا، لأنه تنقصه الثقافة والمعرفة، وهو الأمر الذى حمل رجاء النقاش على أن يستهجن قولاً لمحمود حسن إسماعيل جاء فيه: «أنا لا أعترف أبدًا بأى شعر ترتبط جذوره بثقافة الكتب، لا بد أن ينبع الشعر من التجارب النفسية المستقلة، من انصهارات الشاعر فى العالم الواقعى الذى يعيش فيه».

وإذا كان محمود حسن إسماعيل محقًّا فيما قاله حول أهمية أن ينبع الشعر من تجارب الشاعر، لكنه لم يكن محقًا فى نفى أهمية الثقافة، وازدراء (ثقافة الكتب). تجارب وخبرات المبدع مهمّة فى تكوينه، لكن التجارب، مهما كانت غنيّة، بدون الثقافة والمعرفة تبقى ناقصة، فالثقافة بالذات هى ما يضع التجارب فى سياق إبداعى وفكرى متسق، يُعلى من مكانة المبدع ومن قيمة ما يبدع، وفى حال الشعر فإن قول محمود حسن إسماعيل يندرج، وفق منظور رجاء النقاش، فى خانة الرأى الذى ينظر أصحابه إلى الشعر بوصفه «نوعًا من الزينة، والتسلية التى يلجأ إليها الإنسان فى حياته الاجتماعية»، وأعطى مثالاً ملموسًا على الرأى النقيض بكاتب كبير مثل شكسبير الذى «كان يقرأ كثيرًا من كتب التاريخ قراءة عميقة، وقد ذابت هذه الثقافة التاريخية الكبيرة فى موهبته»، فصنعت منه ذلك الكاتب الكبير الباقى على مدار قرون.

الحقّ أن طه حسين أكدّ أهمية الموهبة، وهو الذى رأى أنّه «لا يلزم الأديب أو المثقف، لكى يعدّ أديبًا أو مثقفًا، أن يتخرج فى كلية الآداب فى الجامعة، بل إننا نعرف أسماء نوابغ فى الأدب لم يتخرجوا فى أى كلية». لكن علينا قراءة ما أضافه: «الأدب تلزمه الموهبة أولاً ثم تأتى المعرفة لتصقل هذه الموهبة وتُطوّرها».

حسن مدن
جريدة الخليج الإماراتية

التعليقات