إذا اختنقت رئات القاهرة.. فماذا يحدث لنا؟ - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إذا اختنقت رئات القاهرة.. فماذا يحدث لنا؟

نشر فى : الإثنين 29 يناير 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : الإثنين 29 يناير 2018 - 10:30 م

رحم الله أستاذى العزيز الذى أخبرنى منذ أكثر من عشرين عاما أنه كلما حانت له الفرصة فى نهاية الأسبوع للذهاب إلى أطراف القاهرة لاستنشاق هواء نظيف فعل ذلك بدون تردد. وبالطبع لم يكن هو الوحيد المدرك، بدون أجهزة قياس لنوعية الهواء فى القاهرة، أن المشكلة الخاصة بالهواء الصالح للتنفس تتزايد، وكما يحدث فى أمثلة أخرى ــ ومشاكل من هذا القبيل أو تلك ــ فإن من يستطيعون أن ينجوا بأنفسهم سيفعلون وليرحم الله الباقين. وبالطبع تدهور الحال أكثر فى العشرين عاما الماضية والتى تعود فى جانب منها لزيادة النشاط البشرى فى مدينة القاهرة وما يصاحبها النشاط من عوادم للسيارات تعمل ليلا ونهارا لنقل البشر من سكنهم إلى عملهم وبالعكس وأيضا إلى أماكن تعليمهم وأماكن تداويهم وإلى أماكن أخرى كثيرة. ولك أن تتخيل حجم المخاطر التى يتعرض لها سكان القاهرة نتيجة نوعية الهواء التى يتنفسونها. ويمكن بسهولة مراجعة موقع منظمة الصحة العالمية والمنظمات الأخرى المعنية بصحة قلب ورئة ومخ الإنسان؛ لمعرفة حجم الأخطار المحتملة التى يتعرض لها الملايين من البشر فى القاهرة يوميا، وأعتقد أيضا فى مدن ومناطق متعددة فى مصر.

وبينما يحارب العالم فى عدة أماكن للحفاظ على وجودنا كبشر ــ وأولادنا وأحفادنا ــ على هذه الأرض التى كانت عطوفة علينا لآلاف السنين ويتقدم الصفوف فى هذه الحرب ــ هى حرب حقيقية لا شك عندى فى ذلك، ولك فقط أن تتابع نشاط جمعية السلام الأخضر وما تفعله فى هذا السياق لتدرك جانبا مهما من تلك الحرب ــ المدافعين عن البيئة فى بلاد أخرى للأسف. بينما يحدث ذلك فى البلاد الأخرى بواسطة مؤمنين حقيقيين بضرورة الحفاظ على البيئة لأنه لا خيار لنا آخر غير ذلك، كان رد فعلنا هو مجاراة أعتقد أنها غير جادة بصورة كافية من خلال المؤسسات والجهات المعنية بالبيئة فى مصر. ليست هذه كتابة فى نقد تلك الجهات بالأساس ولكن أتمنى أن يعتبروه كذلك فى جانب منه.

***

المشكلة الأخطر التى يجب أن تؤرق الكثيرين فى القاهرة ــ وأماكن أخرى كثيرة فى مصر ــ هى كيف ننظر أحيانا لقضايانا بصورة مبسطة، بصورة قد تستدعى أو تكون عواقبها كبيرة، بصورة قد لا نتحملها أو يتحملها أولادنا فى المستقبل. ولعل النقاش الذى دار حول ماذا يجب أن يحدث فى جزيرة الوراق والمشكلة التى سبقتها ــ وإن بصورة مختلفة حول جزيرة القرصاية منذ عدة سنوات ــ لم يتم تناوله إلا من وجهة نظر حق السكان المحليين مقابل حق الدولة فى الاستفادة المثلى من الموارد العظيمة غير المستغلة بعد، وبصورة ما وإن كانت مختلفة كان التعامل مع مثلث ماسبيرو أيضا. فى جميع تلك الحالات تم إخراج المستفيد الأكبر من النقاش وهو مجتمع المدينة ككل؛ فالجزيرة وإن كان بها أملاك خاصة من مبانٍ وزراعات لسكانها وللملاك التصرف فى ملكياتهم الخاصة ولكن بما لا يضر المجتمع، كما أن الدولة لا يجب أن تتصرف بصفتها جهة مالكة أو مطور عقارى. لا يجب لأى نقاش على تلك المناطق المهمة فى نسيج وتكوين المدينة أن يتجنب أو يستبعد مصلحة المجتمع ككل أو ما يعرف بالمصلحة العامة. ولكن ماذا يعنى وكيف يؤثر ذلك على تغيير مسار النقاش فى تلك الحالات والحالات المشابهة، فى الحقيقة يعنى الكثير والمهم جدا.

جزر النيل بحكم القانون هى أصلا محميات طبيعية ــ وللأسف الشديد تم حديثا إخراج بعض الجزر فى القاهرة منها جزيرة الوراق بواسطة مجلس الوزراء من هذه الصفة تمهيدا لما لا يعلمه إلا الله، وجزر النيل بحكم طبيعتها هى مناطق خضراء مع بعض المبانى السكنية للمزارعين تم إنشاؤها فى العقود الماضية. ما يعطى لهذه الجزر أهمية استثنائية أن الطبيعة الصحراوية لمدينة القاهرة لا توفر إلا القليل من المساحات الخضراء. وكما تبين الدراسات العالمية، ومما يعلمه الباحثون والدارسون فى بعض الجهات الرسمية فى مصر بالإضافة للجامعات، فإن التغيرات المناخية المتوقعة قريبا سوف تزيد مثلا من درجة الحرارة فى المدن بصورة كبيرة ــ تأثير ما يعرف بالجزر الحرارية الحضرية ــ وهو ما سيؤثر على كل شىء فى مدننا وفى مقدمتها نوعية الهواء الذى نتنفسه ونعيش بسببه. وتعرف أيضا المواطنة والمواطن بالبديهة أن المناطق الخضراء هى ذات نوعية هواء أفضل، كما يدرك الباحثون أن الأشجار هى مصانع الأكسجين الذى سنحتاجه لزيادة مساحة تلك المصانع فى المستقبل لا تقليله، لو أردنا لسكان المدينة وخاصة المناطق الكثيفة بالسكان شرق وغرب النيل الاستمرار فى التنفس بصورة معقولة.

***

تمثل جزر النيل ما يكاد أن يكون الفرصة الأخيرة لزيادة مصانع الأكسجين اللازم لإنقاذ أهل القاهرة حيث يمكن زراعة نوعيات الأشجار كثيفة إنتاج الأكسجين وقليلة استهلاك المياه بدلا من الموز (المستهلك بشراهة للمياه). لدى المركز القومى للاستشعار عن بعد وجهاز البيئة المختصة بدراسة نوعية الهواء ممن باستطاعتهم القيام بدراسة علمية توضح مدى التأثير المتوقع من زراعة أو بناء تلك الجزر كما تخطط الحكومة. ويستطيع الباحثون فى الجامعات المصرية وبعضهم لديه الخبرة فى بناء النماذج الرياضية لمحاكاة ذلك التأثير.

حدسى الأولى أن نتائج الدراسة ستكشف مدى أهمية المحافظة على كل سنتيمتر مربع أخضر خاصة فى جزر النيل، وحاجتنا لزراعة المزيد من مصانع الأكسجين. ولكننا بحاجة لعدة دراسات من جهات مختلفة حتى يمكننا التقرير نهائيا بشأن ذلك. المشكلة أيضا ليست فى الجزر التى نراها اليوم فمع علمنا باحتمالات انخفاض مستوى النيل فإن العديد من الجزر الجديدة قد تظهر مثلما ظهرت المئات من الجزر فى العقود القليلة الماضية على امتداد النيل فى مصر.

جزر النيل هى رئات القاهرة وإذا تم البناء عليها فسنختنق.

التعليقات