دروس اسكتلندا - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الأربعاء 22 يناير 2020 1:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

دروس اسكتلندا

نشر فى : الإثنين 29 سبتمبر 2014 - 8:50 ص | آخر تحديث : الإثنين 29 سبتمبر 2014 - 8:50 ص

أكتب عما جرى فى اسكتلندا منذ أسبوع، ليس شغفا بكل ما يفعله الخواجات، انعكاسا لعقدة الإعجاب بكل ما هو غربى، ولكن لأن فيما حدث فى اسكتلندا دروس مهمة لنا، ولواقعنا الراهن، إذا كنا نريد حقا أن نتعلم من الآخرين، طالما أننا لا نعرف بكل تأكيد كيف ندير أحوالنا.

جرى فى اسكتلندا استفتاء يوم الخميس الثامن عشر من سبتمبر هذا العام حول ما إذا كان الإسكتلنديون يريدون البقاء فى المملكة المتحدة مع انجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية، وانتهى الاستفتاء الذى شهد مشاركة عالية وصلت إلى 85% ممن لهم حق التصويت، والذى أصبح متاحا لكل من تجاوز ست عشرة سنة، بأن رفض 55% من المصوتين الاستقلال عن المملكة المتحدة، فى مواجهة 45% ممن كانوا يفضلون الاستقلال. وقد سبق الإستفتاء حملات انتخابية حامية رغم سلميتها من جانب أنصار الاستقلال وخصومه شارك فيها إلى جانب الأحزاب الإسكتلندية قادة الأحزاب البريطانية وخصوصا حزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض. ومما ضاعف من سخونة المعركة الانتخابية أن استطلاعات الرأى حتى قبيل يوم الاستفتاء كانت تشير إلى انقسام الرأى العام بالتساوى تقريبا بين الفريقين.

•••

وحتى تقدر السياق الذى جرى فيه هذا الاستفتاء، فلابد من العودة إلى الوراء بضع قرون لمعرفة كيف أصبحت اسكتلندا جزءا من المملكة المتحدة. العجيب أنه قبل اتحاد كل من اسكتلندا وانجلترا فى أوائل القرن الثامن عشر عرف البلدان تاريخا من الصراع المسلح تقلبت حظوظ كل منهما فيه، ووصل الأمر أنه فى أحيان كثيرة كانت الأرستقراطية الحاكمة فى اسكتلندا تتحالف مع فرنسا ضد انجلترا، وعندما حاول هؤلاء طلب الاتحاد مع إنجلترا هربا من صراعاتهم فيما بينهم، رفض التاج الإنجليزى هذا الاتحاد بسبب عدم استقرار الأحوال فى اسكتلندا، ولكن انتهى الأمر بأن أصبحت اسكتلندا إقليما فى المملكة المتحدة بموجب قانون الاتحاد فى سنة 1707.

ولاشك أن الاسكتلنديين استفادوا من هذا الاتحاد مع المملكة التى أصبحت منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين أكبر إمبراطورية استعمارية فى العالم امتد سلطانها من أمريكا الشمالية (كندا بعد استقلال الولايات المتحدة) إلى هونج كونج فى أقصى الشرق مرورا بالشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء والهند وسيلان وغيرها، وعرفت اسكتلندا الانطلاق إلى الثورة الصناعية، واستفادت من خدمات دولة الرفاهة مما انعكس على ارتفاع مستوى المعيشة فيها، كما حصلت أيضا على قدر من الاستقلال الذاتى تدريجيا منذ نهاية سبعينيات القرن الماضى. فلماذا يتنكر الإسكتلنديون لهذا التاريخ ولهذه المكاسب التى استفادوا منها بسبب وجودهم ضمن المملكة المتحدة؟.

هناك أولا، هذه الروح القومية التى جعلت الاسكتلنديين يشعرون باختلافهم مع الإنجليز تحديدا، فلهم لغتهم، ولهم تاريخهم الخاص، ولهم جامعاتهم العريقة، وهناك ثانيا، تفضيلاتهم السياسية التى تختلف عن توجهات لندن. هناك حزب جمهورى اسكتلندى له أنصار كثيرون. ولا يكاد يوجد مناصرون لحزب المحافظين بينهم، فنوابهم فى مجلس العموم متحالفون دائما مع حزب العمال، وهم يرفضون السياسات الاقتصادية لحزب المحافظين التى تقلل من دور الدولة فى تقديم الخدمات الاجتماعية، وفى الحرب الوحشية التى شنتها إسرائيل على غزة كان تعاطفهم واضحا مع الفلسطينيين على عكس دافيد كاميرون رئيس الوزراء المحافظ الذى كان مؤيدا لإسرائيل على طول الخط. ثم هناك ثالثا الشعور بأنهم سيكونون أحسن حالا لو استقلوا عن لندن. فلديهم نفط بحر الشمال الذى سيستأثرون بدخله ولديهم صادراتهم من الأسماك والمشروبات الكحولية وإيراداتهم من السياحة، سيتوزع هذا الدخل على خمسة ملايين من السكان بدلا من مشاركة أكثر من ثمانية وخمسين مليون آخرين فيه.

ولكن إذا كانت هناك هذه المكاسب فلماذا صوتت أغلبية الإسكتلنديين ضد الاستقلال؟ هناك طبعا الرغبة فى البقاء فى ظل دولة كبيرة مازالت من بين القوى الكبرى فى العالم، وهناك تاريخ القرون الثلاثة الماضية الذى أنتج روابط اجتماعية وثقافية حميمة بين الإسكتلنديين وسكان الأقاليم الثلاث الأخرى فى المملكة المتحدة وخصوصا الإنجليز، ولكن هناك أيضا مخاطر الاستقلال التى استغلها ببراعة انصار البقاء ضمن المملكة المتحدة، مثل الاضطرار للبحث عن عملة مستقلة بعد الخروج من سلطة بنك انجلترا والجنيه الإسترلينى. وهناك إعلان بعض البنوك والشركات الكبرى أنها ستغلق فروعها فى اسكتلندا، وهناك المخاوف من صعوبة الانضمام إلى الإتحاد الأوروبى، وقد أعلنت الحكومة الإسبانية التى تخشى استقلال إقليم كاتالونيا الثرى أنها ستعترض على انضمام اسكتلندا للإتحاد الأوروبى، وحتى بالنسبة لصادرات اسكتلندا من الأسماك والويسكى، فبقية المملكة المتحدة هى سوقها الأساسية. وهكذا تنفس أنصار البقاء فى المملكة المتحدة الصعداء عندما أعلنت نتيجة الاستفتاء الذى جاء بحسب ما تمنوه.

•••

ولكن لماذا أحكى لكم هذه القصة التى تتعلق ببلاد بعيدة عنا جغرافيا وثقافيا وتاريخيا حتى ولو كنا مستعمرة بريطانية لمدة أربعة وسبعين عاما؟. هناك دروس هامة نتلقاها من هذه التجربة.

أولها هو الاستعداد لتسوية منازعات خطيرة ومصيرية سلميا وبالاحتكام للرأى العام فى انتخابات نزيهة وحرة وشفافة. لقد كان الاستفتاء على مصير اسكتلندا موضع اتفاق منذ عامين بين دافيد كاميرون رئيس الوزراء البريطانى وأليكس سالموند الوزير الأول فى اسكتلندا وزعيم الحزب الوطنى الاسكتلندى. احترم رئيس الوزراء البريطانى هذا الاتفاق. طبعا حاول إقناع الاسكتلنديين برفض الاستقلال، ولكنه لم يبذل أى مجهود ولا فكر حتى فى تعويقه أو تأجيله. التزم الاثنان بقبول الاحتكام للرأى العام فى اسكتلندا.

ثانيا، تقبل نتيجة الانتخابات الديمقراطية أيا كانت والعمل بموجبها. طبعا كانت نتيجة الاستفتاء مخيبة لآمال أنصار الاستقلال وصدمة قاسية لهم. ولكنهم تقبلوها فى هدوء. لم يشككوا فيها، ولم يطالبوا بإعادتها. ولم تخرج الجماهير فى اسكتلندا منددة بالتزوير فى النتائج. طبعا فرح أنصار البقاء فى المملكة المتحدة، ولكن عاد الجميع إلى أعمالهم، البعض حزين والآخر مبتهج، ولكن دون أن يتشفى المنتصرون فى المنهزمين، ودون أن تتأثر علاقات الأخوة فى المواطنة بينهم.

ثالثا، تقبل المسئولية عن الهزيمة وتحمل عواقبها. كان مصير كل من رئيس الوزراء البريطانى والوزير الأول فى اسكتلندا معلقا على نتيجة هذه الانتخابات. كان دافيد كاميرون مستعدا للاستقالة لو كان أنصار الاستقلال هم الذين كسبوا فهو سيكون مسئولا عن انفراط عقد المملكة المتحدة. ولما جاءت نتيجة الاستفتاء على عكس ما كان يتمنى أليكس سالموند فقد تقبلها وأعلن أنه سيستقيل من منصبه اعترافا بأن الهزيمة تعود إليه، وعليه دفع الثمن.

رابعا، التعلم من النجاح ومن الفشل والسعى لرأب الصدع. لقد أدرك الساسة البريطانيون عمق الرغبة فى الاستقلال فى اسكتلندا بل وتطلع الرأى العام فى انجلترا ذاتها إلى قدر أكبر من الاستقلال فى مواجهة لندن ولذلك كان وعد دافيد كاميرون بأن الحكومة البريطانية تستعد لإدخال إصلاحات دستورية توفر ليس فقط لإسكتلندا بل ولكل من إنجلترا وويلز قدرا أكبر من الاستقلال فى إدارة شئونها. مثلما تتمتع به إيرلندا الشمالية. وهكذا لم يدر ساسة لندن ظهورهم للتطلعات الاسكتلندية لمزيد من الاستقلال لأن المطالبين بالاستقلال هزموا فى الاستفتاء، ولكنهم أدركوا أنه ما لم يأخذوا هذه التطلعات بعين الاعتبار ويسعون للتقابل معها، لتكررت فى المستقبل الدعوة للاستفتاء، ولن يكون من السهل هزيمة هذه المطالب عبر صناديق الاقتراع.

هذه دروس ما جرى فى اسكتلندا منذ عشرة أيام. فهل فيها ما نتعلمه نحن فى وطننا العربى فى مواجهة صراعاتنا السياسية؟ أترك الحكم لكم أعزائى القراء.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات