جرعة من الواقعية الأوروبية - مواقع عالمية - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 9:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

جرعة من الواقعية الأوروبية

نشر فى : الثلاثاء 31 أغسطس 2021 - 8:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 31 أغسطس 2021 - 8:55 م
نشر موقع بروجيكت سينديكيت مقالا للكاتب جافير سولانا يرى فيه أنه فى حين يركز العالم على الصراع الدائر بين الصين والولايات المتحدة، يغفل التركيز على التقدم الذى يحرزه الاتحاد الأوروبى فى المجالات المختلفة... نعرض منه ما يلى:

فى الآونة الأخيرة، أصبح المجاز غالبا على السرد: تخوض الولايات المتحدة والصين حربا من أجل التفوق العالمى فى مجالات لا حصر لها مثل التكنولوجيا، والتجارة، والدفاع، والفضاء الإلكترونى، بل وحتى الفضاء الخارجى. الواقع أن قِـلة من الخبراء والمثقفين يشككون فى الإجماع العام على أن العلاقات الصينية الأميركية ستشكل تاريخ القرن الحادى والعشرين. لكن تحليل المشهد الجيوسياسى اليوم على أنه منتج ثانوى لسباق بين فَـرَسين ممارسة مُـغـرِقة فى التبسيط وعفا عليها الزمن.
إن الأبيض والأسود ليس أفضل وسيلة لوصف عالمنا، بل ينبغى لنا وصفه كمشهد مختلف الألوان لأنماط متغيرة. ويمثل الاتحاد الأوروبى مصدرا أساسيا للون. فى البيئة الدولية الحالية، أصبح الاتحاد الأوروبى أقل بروزا مما ينبغى له، لكنه أشد ظهورا مما يتصور.

•••

صحيح أن أوروبا متخلفة عن الولايات المتحدة والصين فى تطوير التكنولوجيات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات والحوسبة الكمومية. وعندما يخاطب الاتحاد الأوروبى بقية العالم، فإن صوته يبدو عادة أقرب إلى النشاز منه إلى السيمفونية. وفى كثير من الأحيان تُـخـمَـد أصوات الجوقات المتناغمة النادرة. والآن يميل العديد من مواطنى الكتلة، الذين ربما يتذكرون زمنا عندما كانت أوروبا موطنا للقوى العظمى فى العالم بلا منازع، إلى ازدراء مساهمات الاتحاد الأوروبى الحالية والاستخفاف بما يتمتع به من حيز للمناورة.
لكن ينبغى لنا نحن الأوروبيون أن نتحلى بالمزيد من الثقة فى قدراتنا. ويتعين حتى على المتشككين أن يدركوا أننا، فى أقل تقدير، أنشأنا سوقا موحدة يعتمد تنظيمها قصرا على مؤسسات الاتحاد الأوروبى. ولكن فى حين يجب أن يُـقاس تأثير الاتحاد الأوروبى التجارى بشكل إجمالى لهذا السبب، فإن الأطر التحليلية التقليدية تعطى الأولوية للدول فرادى. قادنا هذا النهج، إلى جانب «الحرب التجارية» الصينية الأمريكية، إلى المبالغة فى تقدير وزن الولايات المتحدة والصين على المستوى الاقتصادى، على حساب أوروبا.
لننظر إلى الحقائق إذا. يُـعَـد الاتحاد الأوروبى أكبر مُـصَـدِر للسلع فى العالم، وثانى أكبر مستورد (بعد الولايات المتحدة مباشرة). فى قطاع الخدمات، تحمل أوروبا لواء القيادة فى الصادرات والواردات. علاوة على ذلك، يلاحق الاتحاد الأوروبى الولايات المتحدة عن كثب، ويتقدم على الصين كثيرا، بوصفه مزودا ومتلقيا للاستثمار المباشر الأجنبى (باستثناء الاستثمارات بين البلدان الأعضاء). وعندما يتعلق الأمر بمساعدات التنمية الرسمية، يتقدم الاتحاد الأوروبى بوضوح، حيث يتباهى بإجمالى مُـجَـمَـع يتجاوز ضعف نظيره الأمريكى.
يتمثل أحد الانتقادات الشائعة للاتحاد الأوروبى فى أنه يفتقر إلى «القوة الصارمة». لا يخلو هذا الانتقاد من بعض الحقيقة. فلم يكن القصد وراء تأسيس الاتحاد الأوروبى أن يكون تحالفا عسكريا؛ إنه ليس حلف شمال الأطلسى. تؤكد الكارثة الأفغانية على الحاجة إلى بناء القدرات العسكرية فى أوروبا، التى تظل شديدة التفتت وتعتمد على الولايات المتحدة. لكن هذه القدرات ليست ضئيلة الأهمية بأى حال من الأحوال، كما يتبين لنا من عمليات الانتشار العديدة التى ننفذها فى الخارج.
علاوة على ذلك، لا يجوز لنا أن نتجاهل البعد الاقتصادى للقوة الصارمة. بمجموع أعضائه يُـعَـد الاتحاد الأوروبى، وليس الصين، ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، من حيث القيمة الأسمية. أضف إلى هذا علاقاته التجارية والاستثمارية، فيتبين لك أن الاتحاد الأوروبى يتفوق على منافسيه.
أما عن «القوة الناعمة» المتمثلة فى جاذبية الاتحاد الأوروبى وقدرته على الإقناع، فقد تبدو أكثر نعومة من أن تشكل أى أهمية فى سياق عالمى يتسم بالتوترات الجيوسياسية الصارخة. لكن القوة الناعمة تعكس الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تحدد أداء أى دولة أو كتلة فى الأمدين القريب والبعيد. وهنا أيضا يبدو الاتحاد الأوروبى فى هيئة طيبة.
يختص مؤشر القوة الناعمة 30 بتقييم البلدان وفقا لست فئات: الامتداد الثقافى والجاذبية الثقافية، والبنية الأساسية الرقمية والقدرات فى مجال الدبلوماسية الرقمية، ورأس المال البشرى والجاذبية التعليمية، وسلاسة الأعمال والقدرة على الإبداع والابتكار، والشبكة الدبلوماسية، وجودة المؤسسات السياسية. وفقا لهذا المقياس، تأتى خمس من أكبر عشر دول فى العالم ــ وست عشرة دولة من أكبر ثلاثين ــ من الاتحاد الأوروبى. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الخامسة، والصين المرتبة السابعة والعشرين.
كان هذا فى عام 2019، عندما جرى تجميع القائمة آخر مرة. اليوم، من المؤكد أن ذات المؤشر سيولى أهمية أكبر للصحة العامة. ورغم أن الاتحاد الأوروبى، فى ظل أنظمته الصحية من الطراز الأول، عانى أكثر من المتوقع من جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيدــ19)، فإن حملة التطعيم التى يديرها تتقدم بخطى سريعة.
على الرغم من البداية البطيئة، فإن معدل التطعيم فى البلدان الأربعة الأكثر اكتظاظا بالسكان فى الكتلة ــ ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا ــ تجاوز الآن نظيره فى الولايات المتحدة. كما أصبحت التزامات أوروبا بتوفير اللقاحات لبقية العالم أكثر طموحا. أضف إلى هذا صندوق التعافى المشترك من كوفيدــ19، فيبدو أداء الاتحاد الأوروبى فى التصدى للجائحة أكثر احتراما.
يُـبدى الاتحاد الأوروبى أيضا ريادة عالمية فى مجالات حاسمة أخرى، وخاصة التحول الأخضر. كانت المفوضية الأوروبية لفترة طويلة فى طليعة التنظيم البيئى، وقد أعلنت الآن ما يسمى Fit for 55، وهى استراتيجية معنية بخفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحرارى الكوبى بنحو 55% بحلول عام 2030 (مقارنة بمستويات عام 1990). وبتبنيها فإنها ستشكل فى الأرجح القواعد والمعايير فى بقية العالم، من خلال ما أطلقت عليه آنو برادفورد من جامعة كولومبيا وصف «تأثير بروكسل».

•••

يجسد هذا التأثير طريقة عمل الاتحاد الأوروبى: العمل من خلف الكواليس لإحداث تغيير ملموس، وإن لم يكن مرئيا بالضرورة. على الرغم من أن أوروبا لا تزل تحتل موقعا ضعيفا على بعض سلاسل التوريد العالمية، ورغم أننا أهملنا بعض الصراعات التى تؤثر علينا بشكل مباشر (كما هى الحال فى سوريا وليبيا)، فإن تأثيرها لا يستهان به.
يميل العالم إلى تقدير نفوذ الاتحاد الأوروبى ــ وإن كان ذلك بشكل صامت ــ لأنه يعتمد فى عموم الأمر على الحوافز، وليس العقوبات. فضلا عن ذلك، ينبع نفوذه من نهج تعددى وتعاونى. ويكسر نفوذه القبضة الخانقة التى تفرضها المنافسة الصينية الأميركية على النظام العالمى.
ليس من الجائز أن يرفض الأوروبيون الرضا عن الذات بتبنى نزعة تراجعية، بل من خلال إجراء تقييم متزن لمواطن القوة التى نتمتع بها ونقاط الضعف التى تعيبنا. وكما يجب أن يذكرنا الأداء الرائع الذى قدمه رياضيونا فى دولة الألعاب الأوليمبية فى طوكيو هذا العام، فإن أوروبا قوة لا يستهان بها. وإذا كان لنا أن نتمكن من تعزيز مكانتنا العالمية، فيجب أن نتعلم كيف نعيش وفقا للمبدأ التالى: الاتحاد الأوروبى أعظم من مجموع أجزائه.

النص الأصلى

التعليقات