في ذكرى رحيله.. بهاء طاهر في «لم أعرف أن الطواويس تطير»: تساؤلات لا تنتهي عن الماضي - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2026 8:09 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

في ذكرى رحيله.. بهاء طاهر في «لم أعرف أن الطواويس تطير»: تساؤلات لا تنتهي عن الماضي

إيمان صبري خفاجة
نشر في: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 4:22 ص | آخر تحديث: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 4:22 ص

 في مساء 27 أكتوبر عام 2022، رحل الأديب بهاء طاهر، خبر كان بمثابة الصاعقة على قلبي في حزن، ولم أدرك حجمه إلا حين تلقيت تعازي الأصدقاء لي بشكل شخصي، وكأنني أحد أفراد أسرته. فالجميع يعلم كم أحب بهاء طاهر، فهو كاتبي المفضل، بالرغم من أنني ظللت أحمل رقم هاتفه الشخصي لسنوات فإنني لم ألتقه يوما ولم أجرؤ على التواصل معه.
وقبل أن يسيء بعض الأصدقاء من قراء هذا المقال الظن بالأديب الراحل، ويرجعوا الأمر إلى خوفي من رد فعله على أرض الواقع، أو من أن أصطدم بشيء يختلف عن الصورة الذهنية التي لدي عنه، أؤكد أن الأمر لم يكن كذلك أبدا. فأنا أؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا تختلف كلماته عن شخصيته، وخاصة طاهر، الذي كتب عن الغربة والحب بهذه الرهافة وذلك الصدق.
كل ما في الأمر أنني لم أكن أملك من الخبرة ما يؤهلني لأن يكون حديثي ثريا بالقدر اللائق، فأنا أكره الكلمات التي تقتصر على المجاملة والتعبير عن المحبة فقط؛ إذ يكمن التقدير الحقيقي للكاتب في استيعاب أعماله، وأن تكون هذه الأعمال هي بطلة الحديث بيني وبينه. وحين جاءت اللحظة التي ظننت فيها أنني أصبحت قادرة على ذلك، رحل طاهر.
كانت لحظة من الثقة والنضج، أدركت فيها أنني أصبحت أكثر استعدادا للقاء، فزاد حزني الذي تمثل في مشهد وداعه الذي تمثل في ذاكرتي بالمشهد الأخير من روايته الشهيرة «خالتي صفية والدير»، حين صرخ الطفل الصغير، مهرولا خلف عربة المشفى التي حملت القس خادم الكنيسة، وهو يلوح بيده الصغيرة ويكرر صارخا: «مع السلامة يا مقدس». هكذا صرخت: «مع السلامة يا أستاذ»، لكن صرختي تخرج منذ في إعادة قراءة أحد أعماله، وبمحاولة الكتابة عنها، لعلها صرخة تليق بوداع الأستاذ وتعوضني عن لقاء لم يكن.
هذا العام، أعدت قراءة مجموعته القصصية الأخيرة «لم أعرف أن الطواويس تطير»، التي صدرت طبعتها الأولى عام 2009 عن دار الشروق. ولا أقصد بوصفها الأخيرة أنها كانت خاتمة أعماله، لكنه لم يكتب مجموعة قصصية بعدها. ومن يعرف طاهر، يعرف مكانة فن القصة القصيرة في حياته، ومكانته هو في عالمها، الذي بدأ مشواره بها عام 1972. وفي مجموعة «لم أعرف أن الطواويس تطير»، يقدم صورة مغايرة لسابقيها، لكنها تحمل بين طياتها المعاني والقضايا الإنسانية والوطنية نفسها التي أرقته طوال مشواره.
أنت اسمك إيه
تبدأ المجموعة بهذه القصة التي تدور حول حفيد يتلمس طريقه في الحياة خلال عامه الأول، فلا يترك شيئا في منزل الجد إلا ويحاول استكشافه بطريقته التي تؤرق الجد، الذي لا يستطيع إيقافه، فهو يدرك تماما حق هذا الصغير في استكشاف الحياة بحرية، ودون قيود أو حسابات الكبار.
يحاول الجد حماية الكتب تارة، والتحف تارة أخرى، ولا يستطيع سوى أن ينظر إلى هذا الحفيد بشفقة وحنو يخفيان غضبه من هذه الفوضى التي تلتهم ماضيه، حين أصبح الآن مستباحا لهذا الحفيد، بحجة مقنعة هي التجربة. ومن خلال مغامراتهما اليومية، يعقد الكاتب مقارنة بين قدسية الماضي وجرأة الحاضر، ليطرح سؤالا: فلأي منهما الغلبة؟ وهل يمكن الوصول إلى منطقة وسطى؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الحفيد إلى أحد حفظة الماضي؟ أم يستمر الاستكشاف حتى التجاهل والتدمير؟
سكان القصر
في هذه القصة، يروي طاهر حكاية قصر في أحد الأحياء التي كان لها تاريخ من الرقي، لكنه لم يعد كذلك، بل تغير الحي والناس والزمن ولم يبق منه شاهد سوى هذا القصر، الذي لا يعرف أحد إلى أي العصور تحديدا ينتمي، ولا من هم سكانه القدامى، وهل لا يزال أحد يسكنه حتى الآن؟ وهل يأتي أحد لزيارته؟ وما السبب وراء وجود تلك الحراسة الأمنية التي تحيط به؟
من خلال هذه التساؤلات، تنسج الحكايات نفسها؛ فالجيران الذين يسكنون قبالة القصر ينسجون حكايات عنه ترتبط بذكريات إقامتهم في الحي، لتبرز الفكرة الرئيسية في النص، وهي أننا شهود على تاريخ الأشياء، فإذا بها هي شاهدة علينا، على وجودنا ثم فنائنا.
أما من يحرسون القصر، فلهم حكاياتهم عنه أيضا. فهم لا يعلمون لماذا يحرسونه، وإنما يؤدون واجبهم فحسب، وينفذون الأوامر. ولا يقودهم هذا الأمر إلا إلى الاستعانة بالخيال لتبرير ما يعيشونه، ليصبح اجترار الماضي حجة لخلق حكايات جديدة، أو ربما خرافات، حين لا يوجد تفسير منطقي لما مضى.
ثم يأتي أحد الباعة الجائلين الذين يمرون بالقصر، فيخترق الحواجز الأمنية غير مكترث بالقصر وحكاياته، إذ لا يريد سوى المرور، فيُلقى القبض عليه بوحشية. ليعبر الكاتب من خلاله عن هؤلاء الذين يتعاملون مع الحياة كما هي، دون أن ينشغلوا بأثر ماض لم يحقق أحلامهم، لكنهم، ولسخرية القدر، هم من يدفعون الثمن الحقيقي لأسطورة الماضي وآثاره الخاوية. فلا نجاة من مخالب ذلك المجهول الذي يظل بلا إجابات واضحة، وكلما عزت الإجابة، زادت الحكايات.
لم أعرف أن الطواويس تطير
في هذه الحكاية، يعزف طاهر على أحد الأوتار التي أتقنها، وهو الغربة، بما تحمله من قسوة في معانيها وموضوعاتها وعوالمها. يتحدث هذه المرة عن رجل يعود إلى إحدى المؤسسات الأوروبية التي عمل بها لسنوات، ويجلس في حديقتها، فلا يشعر بشيء. وهنا تطرح الفكرة الأولى نفسها: هل تعود الذكريات بالعودة إلى المكان؟ أم أن سنوات الغربة لا تربطنا بمكان، ولا تحوله إلى ذكرى قريبة من القلب؟ وفي هذه الحالة هل يمكن للذكريات أن تعود مهما حاولنا استعادتها، أم أنها تصبح أقرب إلى النسيان؟
يستمر الرجل في جلسته حتى يلتقي بإحدى العاملات في المؤسسة، التي تدعي أنها تعرفه من قبل، ليطرح سؤالا مهما: من منهما يحق له أن يحسد الآخر؟ من ترك ماضيه خلفه ويجلس الآن يتأمله، أم من لا تزال التجربة تنتظره، ويصنع حاضرا سيتحول يوما إلى ماض؟
ومن خلال حوارهما المتبادل، يكشف عن جانب إنساني هام، وهو أننا، مهما بلغت درجة صدقنا في نقل تجربتنا، لا نستطيع تغيير شيء مما حدث، ولن لا تكفي وحدها ليتعلم الآخرون. لذلك تتكرر الحكايات وتتشابه حد التطابق.
ثم تأتي اللحظة الحاسمة، حين يطير أحد الطواويس المسنة التي طالما تركها صاحب المؤسسة تتبختر في المكان، دون أن يعرف بطل حكايتنا سبب ذلك، مثلما لم يكن يعلم أنها تستطيع الطيران. وإذا بهذه الحقيقة تقف أمامه، لتبدأ المزيد من الأفكار في التدفق والتداعي. فهل يمكن للإنسان أن يجهل ما حوله لسنوات طويلة، دون أن يدرك أن له وجها مغايرا، قاسيا أو رحيما؟ حقيقي أم مزيف؟ وهل تمر الحياة دون أن يتوقف أمام ماهية الأشياء ويتساءل؟ وهل يمكن للعجوز، الذي أصبحت سنوات عمره وتجربته خلفه، أن يستدعي مهاراته القديمة، فيكتشف حقيقة أخرى عن نفسه، بعدما أيقن أنه، كالطواويس، لا يستطيع الطيران؟
قطط لا تصلح
يذهب بطل الحكاية للعمل في إحدى الواحات، التي احتلت مكانة كبيرة ودلالات واسعة في أدب طاهر، إذ تمثل الغربة داخل الوطن، التي أجاد التعبير عنها. لكن هذه المرة، لم يكن هاجس الموظف البسيط هو المسافات الطويلة أو الحياة البدائية التي سيعيشها، بل كان شغله الشاغل تلك المهمة التي أُرسل من أجلها، وهي مراقبة سير العمل وكتابة التقارير.
وقد ارتبطت هذه الوظيفة لدى جيل طاهر، جيل الستينيات، بالمخاوف الأمنية والشبهات، وها هو يبثنا تلك المخاوف من خلال حكاية هذا الموظف البسيط. التي تذهب إلى بعد إنساني يتحدث عن المخاوف التي لا تنتهي، وقد تمتد إلى الأبد.
يحاول الموظف أن يخلع عن نفسه عباءة الوظيفة القديمة، وينهمك في التعرف على العالم من حوله، ليدرك أن الأنظمة حولت كل واحد منا إلى رقيب على الآخر، وسلبت إرادتنا، فلم نعد نستطيع التمييز بين أحد والآخر في هذه الطاحونة، تماما كما تتعرض القطط للإخصاء، فتختفي هويتها بين الذكر والأنثى، لكن جميعها لم تعد تصلح.
الجارة
في هذه الحكاية، يروي الكاتب قصة زوجين مصريين يعيشان خارج مصر منذ سنوات طويلة، حالت ظروفهما دون عودتهما إلى الوطن، حتى بعد أن تخرج الأولاد وأصبح لكل منهم حياته، فلم يبق للزوجين سوى العمل وتبادل أطراف الحديث مع جارة عجوز، سرعان ما تتحول الكلمات العابرة معها إلى مشاركة حقيقية للحياة، التي تصبح متنفسا لتجربتهما، كما تصبح مرآة لمخاوفهما أيضا. لكن العنوان الأبرز في حكايتها كان الأمل الذي سكن روح العجوز ولم تتخل عنه.
ترفض هذه الجارة العجوز الانصياع لأحكام السن التي يفرضها المجتمع؛ إذ من البديهي في مجتمعها أن تعيش هذه السيدة في أحد دور الرعاية، خاصة أنها لا تستطيع العيش في كنف ابنها الوحيد. لكنها تحارب ذلك بشجاعة، وتحاول استئناف حياتها ومواصلتها كما كانت. فمن الذي أصدر الحكم بأن لكل سن أو مرحلة عمرية طقوسا محددة؟ ومن الذي يتحكم في ذلك؟ إن حق الحياة هو الفيصل، مهما تشابهت الحالات وتكررت.
ومن خلال مسار الحكاية، يرصد الكاتب أن هناك مشكلات إنسانية لا تختلف، من حيث المعاناة والمخاوف، في العالم العربي عنها في العوالم الغربية؛ فكلها ترتبط بروح الإنسان وإنسانيته. ويؤكد أن شيئا من ماضي الإنسان لا بد أن يبقى معه، وأن يظل محتفظا بشيء من روحه القديمة، كما بقي شيء من روح الجارة التي عبرت أيضا أن أن لحياة الغربة الطويلة أثر في الروح تتعدى ما نعيشه وما نراه أمامنا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك