إنه يقرأ حتى تاريخ الباذنجان - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 26 مايو 2022 9:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

إنه يقرأ حتى تاريخ الباذنجان

نشر فى : الخميس 9 ديسمبر 2021 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 9 ديسمبر 2021 - 9:30 م
طبيعي أن يهتم بقراءة تاريخ الباذنجان كل مَن له صلة بعملية الطهي، نوع من الفضول يرتبط بالمهنة أو بالموهبة على حسب الحال، وإن كان كثير من الطهاة الماهرين لن يتوقفوا طويلًا أمام التاريخ فكل صلتهم بالواقع.. الواقع فقط: سعر اليوم، جودة الثمرة، المذاق، طريقة الطهي، أما التاريخ فما لهم هم ومال التاريخ. لكن هذا المؤرخ الكبير جدًا جدًا كان يهتم بتاريخ كل شيء حتى تاريخ الباذنجان كما روت عنه الكاتبة اللبنانية سوسن الأبطح فالظاهرة التاريخية كما يفهمها هي ظاهرة بنت زمانها ومكانها ومناخها الطبيعي والسياسي، ثم أنه كان يكتب عن تاريخ كل شيء من أول الحضارات واللغات وحتى الرحلات مرورًا بالناس والمدن والاقتصاد. كان يكتب عن العربيات والمشرقيات والشاميات واللبنانيات، ويبحث عن الله ويكتب عن المسيحية والإسلام فلا يأبه للترذيل عليه بالقول كيف لمسيحي أن يؤرّخ للإسلام. كان يكتب في ذلك جميعًا لكن كله كوم وكتابته عن تاريخ فلسطين كوم آخر تمامًا، فحيثما كتب عن الجذور هناك في الناصرة مهد المسيح تألَق كنجم في سماء بلا سحب، ففلسطين هي الروح بل هي روح الروح. إنه نيقولا زيادة شيخ المؤرخين العرب الذي حلّ يوم ميلاده في الثاني من ديسمبر، والذي غادر عالمنا في يوليو ٢٠٠٦ وبينه وبين أن يتّم مئة عام أربعة شهور لا أكثر ولا أقل. إنه مؤرخ يحب المعرفة، ومن الجائز جدًا أن نغيّر في أي لحظة المفعول به "المعرفة" ونستخدم بدلًا منه أي كلمة أخرى، فالمفعول به في حالة نيقولا زيادة ليس مهمًا، لكن المهم في تحليل شخصيته وكتابته التاريخية هو فعل "يحب"، وما أكثر ما كان يحب نيقولا. حتى الأدب الذي صارحنا بأنه فشل في أن يمتهنه، لم يستطع ألا يحبه، ومارسه على طريقته فإذا بكل نص تاريخي من إنتاجه الغزير هو نص أدبي رفيع.
•••
عرفتُ هذا الإنسان الجميل قبل نحو ربع قرن، كان بحكم الاسم يجلس دائمًا إلى جواري في الدورة السنوية للمؤتمر القومي العربي. فيه الكثير من ملامح توفيق الحكيم، شعره الذي ينحسر قليلًا إلى الوراء ولونه بلون القطن، وشاربه الأبيض الكث، ونظارته السميكة السوداء، وعصاه التي يتكئ عليها، ومثله أيضًا كان قليل الحجم. وضعني الترتيب الهجائي لاسمي كثيرًا إلى جوار أشخاص يستظرفون أو يثرثرون أو يستعرضون أو يثيرون الملل وأحيانًا ما يكونون غير ودودين، لكن مع هذا النيقولا الذي كان يفصل بين عمرينا وقتها قرابة نصف قرن كان الوضع مختلفًا جدًا. نحن العرب نحب الاستطراد والإطالة والشرح على المتون.. نحن أهل الكلام، ومن الصعب في ظل هذا الوضع أن يحتفظ أي متحدث بانتباه المستمعين إليه طوال الوقت. وهكذا كانت لحظات الشرود الاختياري في جلسات المؤتمر القومي العربي فرصتنا: جاري وأنا لنتبادل الكلام والتعليقات والقفشات أحيانًا فقد كان رحمه الله ساخرًا كبيرًا، دعاني لزيارته ووعدني بأكلة شامية لذيذة، وإن كنت ندمت على شيء بعد كل هذا العمر فهو أنني لم أزر محراب نيقولا ولا تفقدت مكتبته العامرة ولا أكلت من صنع يديه، بل لم أقترب منه أكثر ولا راسلته ولا هاتفته، واكتفيت بلقائنا السنوي في بيروت. لقد ندم الكاتب الفلسطيني فاروق وادي على أنه سكن لسنوات طويلة إلى جوار نيقولا زيادة في شارع مدام كوري بمنطقة قريطم ببيروت الغربية ولم يكن يفصله عنه إلا مئة خطوة وربما تسع وتسعون، ومع ذلك فإنه لم يعرف إلا متأخرًا جدًا أن بالقرب منه يعيش شيخ المؤرخين العرب. ولقد شعرتُ بمثل ما شعر به فاروق وادي بعد أن رحل عنّا نيقولا زيادة، فهذا الشخص الذي كان إلى جواري أرّخ لمئة عام تغيّر فيها وضع العالم تمامًا، وملأ إنتاجه ثلاثة وعشرين مجلدًا بالتمام والكمال. أعطاه العمر الطويل الفرصة ليكتب، وسمح له تنقله تنقّل السندباد بين بلدان وشعوب وحضارات مختلفة بأن يراجع ما يكتب، فهو من تلك المدرسة التي تؤمن بأن التاريخ يتطور بتطور المعطيات الجديدة التي تتوفّر للمؤرخ، ومتصالح هو جدًا مع نفسه ومتآلف مع قانون الطبيعة الذي لا يعترف بالثبات. ثم أنه كمثل قريبته مّي زيادة كان يجيد اللغات، فهناك من قال إنه أتقن خمس لغات وهناك من قال أكثر وكل لغة جديدة هي نافذة على العالم، أما علاقته بمّي نفسها فلم تخضع فيما قرأت عنه لتحليل، وإن كان بينهما تشابه في أشياء منها هذه الثقافة الموسوعية الجامعة.
•••
عندما كتب نيقولا زيادة مذكّراته التي حملت عنوان "أيامي" وهو في الثمانينيات من عمره فإن مذكراته كانت تشبهه، وهذا نادر، ففي أحيان كثيرة تأتي مذكرات المشاهير تشبه الصورة التي يحبون أن تشيع عنهم بين الناس بغض النظر عن مدى التطابق بين الصورة والأصل. هو لم يكن كذلك فلقد كتب عن نفسه كما هي لا كما يحب الناس أن تكون. إنه الوليد الذي ينحدر أبواه من الناصرة لكنه فتح عينيه في دمشق عام ١٩٠٧ حيث لا معنى للحدود بين مدينة وأخرى من مدن الشام وهلاله الخصيب، وهو الطفل الذي عانى اليتم مبكرًا في الثامنة من عمره بموت أبيه فترك هذا الفقد الكبير أثرًا في نفسه كان يتجدّد كلما تردد ملَك الموت على محيطه ليختطف واحدًا من أحبته، حتى إذا اختطف الموت مارجريت المرأة التي آمنت به وشاركته تاريخه الخاص تكرّست غصته ولعلها لازمته حتى لحق بها بعد سنين. هذا كله عادي ومألوف ولن تجد من يتحرج من حكايته، لكن نيقولا زيادة تجاوز ذلك ليخوض في مناطق شائكة كثيرة، فحكى عن تحرش فتيان نابلس به ومعاناته الشديدة مع طلاب دار المعلمين في چنين التي التحق بها بعد وفاة الأب، عن الممارسات الشعبية العجيبة التي انتشرت على أيامه ويعافها الحس السليم وعن تأخر تعرفه على الجنس الآخر حتى نهاية العقد الثاني من عمره. هذه الحكايات وغيرها جعلت صديقه صقر أبو فخر يشبّهها بمذكّرات أندريه جيد وچون چاك روسو وتولستوي وغيرهم ممن كانت سيرتهم الذاتية أقرب إلى البوح والاعتراف. ومع ذلك فإن المقارنة ليست بين متساوين، فنيقولا زيادة بين كل النماذج التي قورن بها هو الوحيد الذي احترف كتابة التاريخ، وإذا قلنا إنه كمؤرخ كان يبحث دائمًا عن الحقيقة ويسعى لتصويب أحكامه التاريخية بقدر ما يتيسّر له من معلومات، فكيف يمكن تصوّر أن يزيّف تاريخه هو نفسه؟ تقول القاعدة إن المصداقية لا تتجزأ، وفي السيرة الذاتية لنيقولا زيادة جزء عام عن تاريخ العالم والعرب كما كان شاهدًا عليه، وجزء خاص عن تاريخه هو كما عاشه بحلوه ومرّه، وبين الجزئين خيط رفيع.
•••
في ذكرى ميلاد نيقولا زيادة هذا المؤرّخ الذي كتب أضعاف ما عاش من عمر مديد، وكان على وشك أن ينشر كتابًا جديدًا قبل شهور من وفاته، حتى إذا مازحه صقر أبو فخر مزاحًا ثقيلًا بالقول: تعاقدَت على نشر كتاب جديد فماذا لو رحلت قبل ذلك؟ ردّ بسرعة بديهة لا مزيد عليها: أكون قد ضحكت على الناشر وضاع عليه العربون الذي دفعه لي!.. في ذكرى هذا المؤرخ الكبير أقول له أفتقدك جدًا يا جاري العزيز وفي غيابك يزيد شعوري بافتقاد بيروت التي كانت وكنّا.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات